التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 18

الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 18، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

هدي النبي وأصحابه في التعامل مع النجاسات

يشرح هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في التعامل مع النجاسات وتساهلهم في بعض الأمور المتعلقة بالطهارة. يستدل على ذلك بأحاديث نبوية وأفعال الصحابة.

التشدد في الدين وآثاره السلبية

يشرح مخاطر التشدد والتنطع في الدين ويبين أن الشريعة الإسلامية حنيفية سمحة. يذكر أحاديث نبوية تحذر من الغلو والتشدد وتأمر باتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

أهمية اتباع السنة وخطورة الابتداع

يتناول أهمية اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ويحذر من التكلف والابتداع في الدين. يشير إلى أن الصحابة كانوا على الهدى المستقيم وأقل الأمة تكلفا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلاته، السلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «مكائد الشيطان» في شرحه لكتاب «ذنب الموسوسين» للإمام القدادي رحمه الله: فصل، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب من دعاه، فيأكل من طعامه. وأضافه يهودي بخبز شعير وإهالة سنخة، الإهالة يعني الشحم، وسنخة بمعنى متغيرة. وهذا الحديث رواه الإمام أحمد عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: وكان المسلمون يأكلون من أطعمة أهل الكتاب. وتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم من مزادة امرأة مشركة. وهكذا أيضا صح عن عمر رضي الله عنه الوضوء من جرة نصرانية. قال: وشرط عمر رضي الله تعالى عنه عليهم، أي أهل الجزية، الضيافة من يمر بهم من المسلمين، وقال: أطعموهم مما تأكلون. والأثر صحيح، الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء، قال: وقد أحل الله عز وجل ذلك في كتابه، يعني أحل الله جل وعلا طعام أهل الكتاب، وطعامهم حل لكم. ولما قدم عمر رضي الله عنه الشام، صنع له أهل الكتاب طعاما فدعوه، فقال: أين هو؟ قالوا: في الكنيسة، فكره دخولها، وقال لعلي رضي الله عنه: اذهب بالناس. فذهب علي بالمسلمين، فدخلوا وأكلوا، وجعل علي رضي الله عنه ينظر إلى الصور، وقال: ما على أمير المؤمنين لو دخل فأكل؟ وكان النبي عليه السلام يقبل ابني ابنته في أفواههما، ويشرب من موضع فم عائشة رضي الله عنها، ويتعرق العرق فيضع فاه على موضع فيها، وهي حائض. وهذا رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها. وهذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام على سبيل المداعبة، لكن يؤخذ منه طهارة الأفواه، وكذلك أيضا العرق، وأنه لا حرج إذا أصاب الإنسان في بدنه أو في ثوبه عرق غيره أو لعاب غيره، فإن ذلك لا يضره، ولا يلزمه أن يغسله. وهذا بخلاف ما عليه حال الموسوسين، فربما لو أصابه شيء من ذلك لرأى أنه يجب عليه غسله. قال: وحمل أبو بكر رضي الله عنه الحسن على عاتقه، ولعابه يسيل عليه. وأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي فوضعه في حجره، فبال عليه، فدعى بماء فنضحه ولم يغسله. والحديث في الصحيحين عن أم قيس. وقول: فنضحه، يعني رشه بالماء، اكتفى بتطيهر هذا الموضع الذي أصابه بول هذا الغلام بالرش. وقد جاءت الأحاديث في التفريق بين بول الجارية وبين بول الغلام الذين لم يأكلا طعاما، فالغلام يكتفى فيه بالرش والنضح، ولا يجب فيه الغسل، وأما بول الجارية فيجب أن يغسل. وهل يكتفي بهذا الموسوس؟ الجواب: لا، ربما لو أصابه شيء من بول الغلام لأخذ ثوبه وغسله بالماء والصابون، ولم يكتفي بنضحه ورشه. ولا شك أن هذا خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وكان يؤتى بالصبيان فيضعهم في حجره، يبرك عليهم، يدعو لهم. قد يؤتى بالصبي وفيه شيء من البول، وربما يبول عليه، ولم يكن عليه الصلاة والسلام يتحرج من ذلك. إذا بال دعا بماء فنضحه ورشه عليه، وبقي في ثوبه عليه الصلاة والسلام. ولا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام أحرص على طهارة بدنه وطهارة ثوبه من هذا الموسوس الذي لا يكتفي بذلك. قالوا: هذا الذي ذكرناه قليل من كثير من السنة، ومن له اطلاع على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يخفى عليه حقيقة الحال. وقد روى الإمام أحمد في مسنده عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: «بعثت بالحنيفية السمحة»، فجمع بين كونها حنيفية وكونها سمحة. والحنيف هو المائل من الشرك للتوحيد، وسمحة بمعنى هينة سهلة، ليس فيها شيء من العسر المشقة. قال: فهي حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل. وضد الأمرين الشرك وتحريم الحلال، الشرك الذي ينافي التوحيد، وتحريم الحلال الذي ينافي السماحة والسهولة. وهذا من التشديد المذموم أن يحرم المرء ما أحل الله سبحانه وتعالى. قال: وهم الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «إني خلقت عبادي حنفاء»، يعني على الفطرة، «وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا». الحديث رواه الإمام مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه. فقوله عليه الصلاة والسلام: «وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي»، فتحريم ما أحل الله هذا هو خلاف السماحة في هذه الشريعة، وكذلك أيضا خروجهم عن التوحيد أو وقوعهم في الشرك، وهذا خلاف الحنيفية. قال: فالشرك وتحريم الحلال قرينان، وهم الذين عابهم الله تعالى في كتابه على المشركين في سورة الأنعام والأعراف. في سورة الأنعام في مواضع، كقوله جل وعلا: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآيات. وهكذا أيضا في تحريم أنواع البهيمة التي حرمها المشركون. وهكذا أيضا في سورة الأعراف، كقوله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ﴾. قال: وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم المتنطعين في الدين، وأخبر بهلكتهم، حيث يقول: «ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون». والحديث رواه الإمام مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. والتنطع هو التكلف والتشدد، أن يشدد الإنسان على نفسه فيجعل الأمر الجائز ممنوعا، أو الحلال حراما، أو المكروه محرما، هذا من التشدد والتنطع الذي به يهلك المرء نفسه. قال: وقال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة عن مسعر، قال: أخرج إلي معاوية بن عبد الرحمن كتابا، وحلف بالله أنه خط أبيه، فإذا فيه قال عبد الله: والله الذي لا إله غيره، ما رأيت أحدا كان أشد على المتنطعين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا رأيت بعده أحدا أشد خوفا عليهم من أبي بكر، وإني لأظن عمر رضي الله عنه كان أشد أهل الأرض خوفا عليهم. والأثر رواه الإمام الدارمي رحمه الله في سننه. وقوله: ما رأيت أحدا كان أشد على المتنطعين من رسول الله، وهذا صحيح. وما يدل على ذلك حديث المسعود السابق في قوله عليه الصلاة والسلام: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون». وهكذا حديثه من عباس، لما أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يناوله الحصى ليخذف به ويرمي به، فقال: بمثل هذا فرمو، «وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». وهكذا أيضا في حديث ابن عمر وغيره، لما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بخبر أولئك الثلاثة الذين قالوا ونظروا إلى عمل النبي عليه الصلاة والسلام فأقلوه، وقالوا: أين نحن من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا فلا أكل اللحم، وقال الآخر: أما أنا فلا أنام على فراش، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء. فبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فخطب الناس، فقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ أما إني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». أنكر عليهم النبي عليه الصلاة والسلام قولهم؛ لأن هذا من التشدد والغلو الذي لا يجوز. وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام. قال: وكان عليه الصلاة والسلام يبغض المتعمقين، حتى إنه لما واصل بهم ورأى الهلال، قال: «لو تأخر الهلال لواصلت»، إصلا يدعو المتعمقون لما تعمقهم، كالمنكل بهم. والحديث في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، حين واصل عليه الصلاة والسلام، فواصل معه بعض الصحابة، فقيل له فنهاءهم، قال: «إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني»، أي يفتح الله عز وجل عليه من حسن المحامد لله جل وعلا، والثناء عليه، وما يجعل الله عز وجل في قلبه من لذة مناجات الله وطاعته وعبادته، ما يغنيه عن الطعام والشراب. وهذا لا يماثله فيه أحد من الصحابة رضوان الله عليهم. قال: وكان الصحابة أقل الأمة تكلفا، اقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من كان منكم مستنن فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. هذا الأثر رواه الإمام أحمد، ورواه كذلك الإمام المروزي رحمه الله في كتابه «السنة»، وهو أثر صحيح ثابت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. فالصحابة رضوان الله عليهم خير هذه الأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا أشد الناس عبادة وطاعة لله جل وعلا، وأبعدهم عن التنطع والتكلف. قال أنس رضي الله عنه: كنا عند عمر رضي الله عنه، فسمعته يقول: نهينا عن التكلف. وقال مالك بن أنس: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما خالفها. من اقتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين، والله والله ما تولى وأصلاه جهنم، وساءت مصيرا. وهذا منه رضي الله عنه إشارة إلى لزوم متابعة ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأنهم كانوا على الهدى المستقيم. قال: وقال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب كان يقول: سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالا. على الواضحة، يعني على الكتاب والسنة التي هي بيضاء نقية، لا يزيغ عنها إلا هالك، فمن تركها وأخذ يمينا أو شمالا فإنه بذلك يهلك. وهذا الأثر لا يصح؛ لأن البلاغات تعتبر من المنقطعات. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله في المشكاة. وقد رواه البيهقي عن عبد الرحمن العذري رضي الله عنه، قال: فأخبر أن الغالين يحرفون ما جاء به، والمبطلون ينتحلون بباطلهم غير ما كانوا عليه، والجاهلون يتأولونه على غير تأويله. وفساد الإسلام من هؤلاء الطوائف الثلاثة، يعني من أهل الغلو الذين يحرفون ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، ويخرجونه عن وجهه المستقيم. وهكذا أيضا الجاهلون الذين يتأولونه على غير تأويله الصحيح، ويفسرونه على غير تفسيره الصحيح. والمبطلون الذين يردون ما جاء به الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام. فلولا أن الله تعالى يقيم لدينه من ينفي عنه ذلك لجرى عليه ما جرى على أديان الأنبياء قبله من هؤلاء. فخلاصة هذا الفصل، وما ذكره رحمه الله في آخره من بيان فساد الدين من هؤلاء الفرق الثلاث: أهل التحريف، وأهل التأويل، وأهل التعطيل، وأن الحق في اتباع الصحابة رضوان الله عليهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم الذي ينبغي أن يقتدى بهم، رضي الله تعالى عنهم. وخير الهدي هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا أيضا هدي صحابته رضي الله تعالى عنهم. طيب الله ثراه، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.