الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع عقيدة أهل السنة في رؤية الله يوم القيامة مستدلاً بآيات القرآن وأحاديث النبي. يبين أن المؤمنين يرون ربهم بأعينهم حقًا.
يناقش صفة النزول لله تعالى ويرد على تأويلات المبتدعة. يبين أن أهل البدع ينكرون صفة النزول ويؤولونها بتحريف الحديث.
يشرح اعتقاد أهل السنة في الميزان يوم القيامة ويرد على تأويل المبتدعة له. يبين أن أهل السنة يعتقدون أنه ميزان حقيقي حسي.
يشير إلى انتهاء الدرس ويتضمن توجيهًا للصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ينهي بالتأكيد على علم الله تعالى.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال مؤلفنا -رحمه الله تعالى-: "إخواننا، في هذا الدرس طبعًا في شرح اللامية، لامية شيخ الإسلام، تكلمنا حول قول الناظم -رحمه الله تعالى-: «والمؤمنون يرون ربهم حقًا» وإلى السماء بغير كيف ينزل. وذكرنا ما يتعلق بالرؤية كتمهيد لهذه العقيدة عند أهل السنة، فهم يعتقدون بأن الله يرى يوم القيامة. قول المؤلف -رحمه الله تعالى-: «والمؤمنون يرون ربهم حقًا»، ففي قوله «والمؤمنون» فيه أن إثبات الرؤية هو حاصل لأهل الإيمان. كما في قوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، وهذا الخطاب من ربنا في حق الكفار أن الله سيحتجب عنهم، فلن يتمكنوا من رؤيته. بهذه الآية استدل الإمام الشافعي على رؤية الله. قال: «فلما احتجب الله عن الكفار، ما مفهوم الآية؟ أنه لن يحتجب عن غيرهم، وهم أهل الإيمان». قال «والمؤمنون يرون ربهم حقًا» في إثبات صفة الرؤية. وقد مر معنا في درس أمس ما يتعلق بالدلائل من الكتاب والسنة وإجماع السلف على رؤية الله. قال «والمؤمنون يرون حقًا ربهم»، وهذه إشارة إلى أن هذه الرؤية حقيقية، الرؤية تكون بأعينهم، بأعين رؤوسهم، لا بقلوبهم. الرؤية تكون بصرية، أي رؤية عين، فنرى ربنا عز وجل بماذا؟ بأعيننا التي في رؤوسنا، حقًا حقيقية. ثم قال مؤلفنا -رحمه الله تعالى-: «والمؤمنون يرون حقًا ربهم»، أي أن هذه الرؤية من المؤمن ستكون واقعة إلى جلال الرب سبحانه وتعالى، ليست رؤية إلى أعمالنا ولا إلى أجرنا ولا إلى ثوابنا، بل رؤية إلى ربنا سبحانه وتعالى. وهذا من أعظم النعيم الذي يحوزه المؤمن إن كان من أهل الجنة، النظر إلى رؤية الرب سبحانه وتعالى. اعلم أن قول المؤلف «والمؤمنون يرون حقًا ربهم» أن رؤية المؤمن للرب عز وجل رؤية ليس فيها إحاطة بالله، لا تدركه الأبصار، رؤية من غير إحاطة. فربنا لا تدركه الأفهام ولا الأوهام ولا التخيلات، ولا نحيط به علمًا، ولا نحيط به رؤية. ثم قال: «وإلى السماء بغير كيف ينزل»، هذه في الصفة الثانية، صفة النزول، إثبات صفة النزول لله سبحانه وتعالى. وهذه إشارة من المؤلف إلى صفة النزول التي تكون للرب جل وعلا في الثلث الأخير من الليل. أحاديث النزول -إخواني في الله- قد بلغت حد التواتر، قد بلغت حد التواتر إلى ثمان وعشرين صحابيًا، ضموا أحاديث النزول. ليس بصحابي واحد ولا اثنين ولا خمسة ولا عشر، بل قريب الثلاثين، ثمان وعشرين صحابيًا، فقد بلغ حد التواتر. ولشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- رسالة متوسطة من مئة صفحة، فيها شرح لحديث النزول، ذكر فيه ما يتعلق بمباحث لهذه الصفة. وعندما نقول -إخواني في الله- صفة النزول لله جل وعلا، فنحن نعني صفة تليق بجلال الله، صفة تليق بجلال الله. أهل البدع -بشكل عام- ينكرون صفة النزول لله عز وجل. فكيف أنكروها؟ كما قلنا: من حيث الحديث، لا فرار، ما يستطيع أحد أن يطعن فيه. ما يقدر، فما الذي لجأوا إليه؟ لجأوا إلى التحريف. فقالوا: نعم، نحن نثبت النزول، لكن ما الذي ينزل؟ عندهم في هذه القضية ثلاثة أشياء، نسب النزول إليها. منهم من قال: إن هذا النزول هو نزول ملك. ومنهم من قال: إن هذا النزول نزول أمره. ومنهم من قال: إن هذا النزول نزول رحمته. هذا الذي استطاعوا عليه أنهم أولوا الحديث. وكما قلنا: والتأويل هو إخراج اللفظ عن ظاهره. «ينزل ربنا» قال: ينزل الملك، أي ملك من ملائكة ربنا ينزل. طيب، على قولهم: إن أبيتم إلا هذا التحريف، أن الملك هو الذي ينزل، السؤال هو: اقرأوا تمام الحديث. هل الملك إذا نزل يقول: «هل من مستغفر فأغفر له»؟ هل يقول الملك: «هل من مستغفر فأغفر له»؟ هل الملك بقدرته غفران الذنوب؟ يا إخوة، ولا يغفر الذنوب إلا الله، هذه من خصائص الرب، غفران الذنوب. فعلى قولهم هذا كفر، إذا ترون أن الملك هو الذي يغفر ذنوب العباد، هذا كفر. إذن، لا مشاحة في العرب أنهم عبدوا الملائكة أنهم سيغفرون لهم، إذن هذا تأويل باطل فاسد. قال مؤلفنا -رحمه الله تعالى-: «وأقر بالميزان والحوض الذي أرجو بأني منه ريا أنهل». كذلك في هذا البيت -إخواني في الله- أشار المؤلف -رحمه الله تعالى- إلى مسألتين من مسائل المعتقد. قال «وأقر» من الإقرار، والإقرار يأتي بمعنى الاعتراف، أي أعكد وأظهر. ويأتي الإقرار كذلك بمعنى الإثبات، أثبت وأقر، أي أثبت. قال «وأقر بالميزان»، الميزان في اللغة هو ما يوزن به الشيء، أي شيء يستخدم كوزن للأشياء يسمى ميزان. ثم بعد ذلك في لغة العرب وفي لغة الناس وفي عرف الناس، الموازين كثيرة. أراد المؤلف -رحمه الله تعالى- بالميزان هنا هو الميزان الذي ينصب يوم القيامة، وهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. كما قال تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾، ففيه وضع الموازين. تأتي مسألة أخرى: هل هذا الميزان الذي يخبر عنه ربنا هل هو ميزان حقيقي أم معنوي؟ المبتدع ما يستطيع أن ينكر الميزان، يقولك: لا، الميزان كيف أن ينكره؟ وقد وجده في كتاب الله، ما يستطيع أنكره. لكن ما الذي خرجوا به؟ خرجوا بتأويله، قالوا: هل هذا ميزان يا أهل السنة؟ أنتم هل تعتقدون أنه ميزان حقيقي يوضع أم أنه ميزان معنوي؟ إشارة إلى كمال عدل الله، وأن الله سيحاسب العباد على أعمالهم. أهل السنة قل: لا، بل هو ميزان حقيقي حسي يأتي به الرب جل وعلا يوم القيامة. ولماذا المبتدعة ذهبوا إلى أنه ميزان معنوي؟ للتأويل، لأن الشبه في رؤوسهم. قالوا: أنتم يا أهل السنة تقولون بأن وظيفة هذا الميزان أنه توزن به الأعمال، والسؤال هو: وهل الأعمال توزن؟ لا، هم يقولون هكذا: لا، الأعمال شيء معنوي، فكيف تأتي بأعمال تطرح في ميزان؟ كيف؟ أرد عليهم أهل السنة والجماعة: بقولهم بأن الله -سبحانه وتعالى- بقدرته يجعل الأشياء المعنوية يحولها إلى أشياء مادية حسية، هذه بقدرة الله. أحاديث الموازين والميزان تنوعت في مدلولاتها، الأحاديث والآيات التي جاءت في وصف الميزان. فمنها أحاديث أخبار أخبرت أن الميزان إنما يوزن فيه الأعمال، توزن فيه الأعمال. كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». أحاديث أخرى تدل على أن الصحائف أو الكتب هي التي توزن. كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، في حديث البطاقة. كما جاء في حديث البطاقة: حينما يؤتى لذاك الرجل الذي عنده من السجلات ما هو مد البصر، يوضع في كفة، ثم يقال له: إن لك عندنا بطاقة، وماذا فيها؟ «لا إله إلا الله»، فوضع في الكفة الأخرى. أحاديث أخرى أخبرت على أن الذي يوزن هو العامل، أي الشخص هو بنفسه يطرح في الميزان. كما قال تعالى: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا﴾، أي أن لا وزن لهم، وهذا يكون في الميزان. قال علماء: إنه لا إشكال، إذ أن حقيقة الأمر كله يعود إلى العمل، هو العمل. حقيقة الأمر: إذ أن الصحف ماذا فيها؟ فيها عملك. والشخص عندما يوزن، ما الذي يوزن في الشخص؟ عمله هو الذي يحدد ما أنتعلم من ثقل أو من خفة، فيتقول إلى العمل. مسألة -إخواني- مما تتعلق بالموازين: كم عدد الموازين؟ قيل: إن عدد الموازين أنه ميزان واحد فقط، ميزان واحد، وهو لا يعلم بعظمة إلا الله. قيل: من الأقوال في عدد الموازين: أن لكل أمة ميزان، لكل أمة ميزان. فيأتي أمة موسى لها ميزان متعلق به، وأمة عيسى لها ميزان، وأمة صالح لها ميزان، وأمة نبينا محمد لها ميزان، كل أمة لها ميزان. القول الآخر: أن لكل شخص ميزان، ميزان توزن به عملك، يوزن به عملك. إلى هنا -والله تعالى أعلم- وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.