الدرس في شرح تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
جميع الرسل دعوا إلى توحيد العبادة، حيث كانوا يبدأون دعوتهم بقول "أعبدوا الله ما لكم من إله غيره". يُؤكد أن هذا الأصل مهم لفهم الإيمان.
توحيد العبادة يعني إفراد الله بالعبادة والبراءة من المعبودات الأخرى، ولا يكفي النطق بها بل يجب اعتقاد معناها. العبادة حق لله وحده ولا أحد يستحقها سواه.
كلمة التوحيد تقوم على النفي والإثبات، ويجب اعتقاد معناها والكفر بما يعبد من دون الله. لا يكفي النطق بها بدون فهم ومعرفة بمعناها.
الدرس ينتهي بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله والبركة النبوية.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأصل الثاني أن رسول الله وأنبياءه من أولهم إلى آخرهم بُعثوا لدعوة العباد إلى توحيد الله بتوحيد العبادة، فكل رسول أول ما يقرع به أسماع قومه قوله: يا قوم أعبدوا الله، ما لكم من إله غيره، وقوله: أن لا تعبدوا إلا الله، وقوله: أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون. قال: وهذا هو الذي تضمنته قول لا إله إلا الله، فإنها دعت الرسل أممها إلى قولها، إلى قول هذه الكلمة واعتقاد معناها، لا مجرد قولها باللسان، ومعناها هو إفراد الله بالإلهية والعبادة، والنفي لما يُعبد من دونه والبراءة منه. وهذا الأصل لا مرية فيما تضمنته ولا شك فيه، وأنه لا يتم إيمان أحد حتى يعلمه. هذه الفقرة أو هذا الأصل، إخواني في الله، وهي من الأصول المهمة التي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يفهمها، وخاصة فيما يتعلق بتوحيد الله جل في علاه. وهذا الأصل تضمن عدة مسائل، نقتصرها إلى ثلاث مسائل، وهو المفهوم من كلام المؤلف رحمه الله تعالى. فمما يُفهم من كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن ما أشار إليه من أن جميع الرسل، جميع الرسل بلا استثناء، أنهم جميعًا دعوا إلى توحيد العبادة، دعوا إلى توحيد العبادة من لدن نوح عليه السلام إلى نبينا، صلوات ربي وسلام عليه. ومما يدل على ذلك ما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى، فيما يذكره ربنا عن دعوة الأنبياء والرسل، كيف أنهم أول ما يقرعوا أسماع أقوامهم وأتباعهم أنهم يدعونهم إلى توحيد العبادة. فربنا سبحانه وتعالى قال: وإلى عاد أخاهم صالحًا، قال: يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وإلى عاد أخاهم هودًا، قال: يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وهكذا ما ذكره ربنا سبحانه وتعالى عن صالح، كما قال سبحانه: وإلى ثمود أخاهم صالحًا، قال: يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وقال سبحانه: وإلى مدين أخاهم شعيبًا، قال: يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وقال سبحانه: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه، قال: يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وهكذا لو تتبعت جميع الأنبياء والرسل، فكانوا يسيرون على هذه الوتيرة من دعوة الناس إلى توحيد العبادة. بل يدل على ذلك، أي مما يدل على العموم، قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسوله أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، فما من أمة إلا وبعث إليها رسوله، وكان من دعوة الرسل إلى أقوامهم إفراد الله جل وعلا وتوحيده بالعبادة. وبهذا، إخواني في الله، نعلم أن الذي أراد، والذي يريد أن يسير على ما سار عليه الأنبياء والرسل، أن يهتم بهذا الأصل. أولئك الذين هداهم الله، فبهداهم اقتده. فإذا أراد المصلح، وإذا أراد الداعية، وإذا أراد من أراد أن يحمل الدعوة، وإن يسير على ركب ما سار عليه الأنبياء، فليبدأ بما بدأوا به، وهو أن يوحد الله جل وعلا بالعبودية. المسألة الثانية المستفادة من كلام المؤلف رحمه الله تعالى في بيان ما المقصود بتوحيد العبادة، أشار المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الأصل إلى هذا المعنى، فقال: ومعناها هو إفراد الله بالإلهية والعبادة. إذا المعنى: توحيد العبادة هو أن يفرد الله جل وعلا بالعبادة، فما هناك أحد يزاحم الرب سبحانه وتعالى في باب العبودية، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. فإذا كانت هذه الكائنات وهي من أشرف الكائنات العلوية، وهي الملائكة والأرضية، وهم الأنبياء والرسل، إذا كانت هذه الكائنات الشريفة لا تستحق أن تعبد من دون الله، فما ظنك يا عبد الله بمن دونهم من خلق الله؟ فلا يعبد أحد كائنًا من كان، وإنما العبودية هو حق محض لله، ربنا جل وعلا، لله سبحانه وتعالى جل وعلا. وهذا هو حقيقة لا إله إلا الله، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى. قال: وهذا هو الذي تضمنته قول لا إله إلا الله، فقول لا إله إلا الله فيه التضمن إلى توحيد العبادة، إذ أن معنى لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله، فلا أحد يعبد إلا الله سبحانه وتعالى. ألها يأله إلهة وألوهية بمعنى: عبد يعبد عبادة وعبودية، فألها بمعنى عبد إلهة عبودية. فربنا سبحانه وتعالى هو المألوه الذي يُعبد، فما هناك أحد يستحق العبادة سوى الرب سبحانه وتعالى. الفائدة الثالثة من كلام المصنف رحمه الله تعالى أن المؤلف أشار إلى شيء من مقتضيات لا إله إلا الله، وأشار إلى مسألتين. أشار رحمه الله تعالى إلى مسألتين: المسألة الأولى وهي قوله رحمه الله تعالى: وهذه الكلمة، قال: إلى قول هذه الكلمة واعتقاد معناها، لا مجرد قولها باللسان. وهذا من مقتضيات هذه الكلمة. لا تظن يا عبد الله أن كلمة لا إله إلا الله بحروفها ينتفع بها صاحبها، لا، بل لها مقتضيات. ومن أعظم مقتضيات لا إله إلا الله أن تعتقد ما تضمنته هذه الكلمة، وأن تتعرف إلى معناها. تتعرف إلى معناها. ولهذا أشار ربنا جل وعلا إلى عظم مقام العلم لهذه الكلمة، فقال سبحانه: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾، فليس الشأن كل الشأن أن تتلفظ بها، وإنما العبر يا عبد الله أن تعرف ما معناها، ما الذي تدل عليه هذه الكلمة. فلابد من العلم بها لا إله إلا الله. لهذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾، شهد بالحق هنا، قال العلماء: الحق هنا هي كلمة التوحيد لا إله إلا الله. متى ينتفع بها صاحبها؟ قال: وهم يعلمون، أي حال كونهم يعلمون لمعناها وما دلت عليه هذه الكلمة. ولهذا كان العرب من أهل الجاهلية، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما أمرهم أن يقولها: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، لكنهم علموا مقتضيات هذه الكلمة، فلما علموا مقتضاها تركوها، وما قالوها وما نطقوا بها. ولهذا، إخواني في الله، المؤلف رحمه الله تعالى بيّن أن هذه الكلمة ينتفع بها صاحبها لا بمجرد النطق بها، وإنما باعتقاد ما فيها، وكذلك بتعلم ما دلت عليه. والأمر الثاني الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهي من مقتضيات لا إله إلا الله، قال رحمه الله تعالى: والنفي لما يعبد من دونه والبراءة منه. فأنت في خضم اعتقادك واعتناقك وقولك وشهادتك ل لا إله إلا الله، مع ما تدل عليه هذه الكلمة من أنك تُفرد جميع أفراد العبادة لله سبحانه وتعالى، يُقابل هذا أنك تتبرأ وتتخلص، وأنك تنفي وأنك تبتعد عن جميع المعبودات التي أشركت مع الله سبحانه وتعالى. ولهذا كانت كلمة التوحيد قائمة على ماذا؟ قائمة على النفي والإثبات، لا إله إلا الله. فالله عز وجل هو الذي يعبد، لكن مع هذا الاعتقاد تعتقد أن جميع المعبودات سواه باطلة، ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل. لأن من الناس، إخواني في الله، من لربما بلغ من جهله لربما يعرف الأمر الأول بأن الله يعبد، فتجده يصلي لله ويصوم لله ويزكي لله سبحانه وتعالى، لكن بمقابل هذا ما يتبرأ من باقي المعبودات. ولهذا تجد تجد منه إشراكًا مع الله، فإذا ذبح لربما ذبح لغير الله، وإذا دعا دعا غير الله، وإذا استنجد استنجد من دون الله سبحانه وتعالى، فجعل مع الله شريكًا. وهذا لا يصح منه هذه الكلمة، إذ أن كلمة التوحيد تقوم على أمرين اثنين، وهو إفراد الله بالعبادة ونفي ما يعبد من دون الله. ولو رأيت يا عبد الله إلى ما مر من دعوة الأنبياء، تجد ماذا فيها؟ هذه الحقيقة: يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره. ولقد بعثنا في كل أمة رسوله أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. لا بد من النفي والإثبات، فإن هذه من مقتضيات لا إله إلا الله. فهذا، إخواني في الله، ملخص أو تفصيل لما أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكره لنا في هذا الأصل الثاني. أولًا: بيان أن جميع الأنبياء والرسل جاءوا بدعوة الناس إلى توحيد العبادة. ثانيًا: علمنا ما يتعلق بمعنى توحيد العبادة، وهو إفراد الله جل وعلا بأنواع الطاعات والعبادات. ثالثًا: أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى بعض وإلى شيء من مقتضيات لا إله إلا الله، وأشار إلى مسألتين: الأول: الإشارة إلى أن النطق بها وحده لا يكفي، بل لابد من اعتقاد وعلم بها. والأمر الثاني من مقتضيات لا إله إلا الله: الكفر والبراءة مما يعبد من دونه سبحانه وتعالى. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.