فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 8

الدرس في فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تفسير آية الشهادة وجواز شهادة غير المسلمين

يناقش تفسير آية الشهادة عند الوصية ومسألة جواز شهادة غير المسلمين، حيث يوضح اختلاف العلماء في تفسير قوله تعالى 'أو آخران من غيركم'. تناول أيضًا حكم شهادة غير المسلمين في الوصية وتفسير آية "أو من غيركم".

حكم شهادة غير المسلمين وتفسير الآيات

تناول المقطع تفسير آية "أو من غيركم" وبيان أن المراد بها غير المسلمين، وناقش مسألة نسخ حكم قبول شهادتهم، حيث ذهب الأكثرون إلى أنها محكمة.

نسخ آية المصابرة وتخفيف الله

يناقش نسخ آية المصابرة التي كانت توجب على المسلمين مصابرة عشرة من الكفار، ثم خفف الله عنهم هذا الحكم لاحقًا، حيث أصبحت نسبة المسلمين إلى الكفار واحد إلى اثنين بدلًا من واحد إلى عشرة.

تتمة الكلام عن نسخ حكم مصابرة الواحد العشرة

الآية التي تتحدث عن مصابرة الواحد العشرة منسوخة، وقد استبدل الله حكمها بمصابرة الواحد الاثنين تخفيفًا منه، وهذا يظهر رحمة الله وتيسيره على المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام السيوط، رحمه الله، في منظومته في الناسخ والمنسوخ من القرآن: قال «والحلف والحبس للزاني، وتركوا لي كفروا شهادتهم، والصبر والنفر». قال الشارع، عفو الله عنه، قوله «وتركوا لي كفروا شهادتهم»، قال: يريد قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا الشهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوو عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾. هذه الآية فيها أن المؤمن إذا حضره الموت وهو في السفر، ولم يجد شاهدين مسلمين، جاز له أن يشهد رجلين من غير أهل الإسلام؛ لقوله «أو آخران من غيركم»، أي: من غير المسلمين. وفي الآية ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ فيها الأمر بإشهاد ذوي عدل، والكافر ليس بعدل؛ الكافر ليس بعدل. فهل هذه الآية ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ ناسخة للآية التي قبلها التي فيها إجازة الأخذ بشهادة غير المسلمين؟ أم أن الآية ما زالت محكمة، وهذه الآية لها توجيه آخر؟ قال: القول الأول أن المراد بقوله «أو آخران من غيركم» أي: من غير المسلمين. ففي هذه الآية الإشهاد إذا حضر الموت لمن كان مسافرًا يشهد مسلمين، فإن لم يجد فرجلين آخرين من غير المسلمين، كما قال ابن عباس، وعبيدة، وشريح، وسعيد ابن المسيب، ومحمد ابن سيرين، ويحيى ابن يعمر، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد ابن جبير، والشعبي، والنخعي، وقتادة، أبو مجلز، والسدي، ومقاتل ابن حيان، وعبد الرحمن ابن زيد ابن أسلم. هؤلاء قالوا بإجازة شهادة غير المسلمين عند عدم وجودهم في حال السفر. قال: واشترطوا في شهادتهم شرطان؛ الأول: أن يكون في سفر؛ لقوله «إن أنتم ضربتم في الأرض»، والضرب في الأرض هو السير والذهاب، وهذا هو السفر؛ أن الإنسان يضرب في الأرض. قال: الثاني: أن يكون في وصية؛ يعني يكون هذا الإشهاد في وصية؛ لقوله تعالى: ﴿حين الوصية﴾. ذكرها ابن كثير عن شريح القاضي، ورواية عن الإمام أحمد، وذكره ابن حزم في كتابه الإحكام. هذا القول الأول أن المراد «من غيركم» أي: من غير المسلمين؛ فيجوز إشهادهم بشرطين: أن يكون ذلك في السفر، والشرط الثاني: أن يكون ذلك في وصية. القول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿أو آخران من غيركم﴾ أي: من غير أهل حيه من المسلمين؛ يعني: من غير أهل المنطقة والقرية. قالوا به: الحسن، وعكرمة، والزهري. والقول الأول أصح، ورجحه ابن كثير وابن جرير؛ لأن الله عرف عباده المؤمنين عند الوصية شهادة اثنين من عدول المؤمنين، أو اثنين من غير المؤمنين، وغيرهم هم الكفار. ولو أراد الحي والعشيرة لقال: «من عشيرتكم» أو «من غير عشيرتكم». فعلم أن المراد «من غيركم» أي: من غير المسلمين. إذن علمنا أن معنى الآية «أو من غيركم» يعني: من غير المسلمين، هذا هو الصحيح؛ ليس المراد «من غيركم» أي: من غير أهل الحي أو العشيرة أو القبيلة إلى آخره. ناسخ هل هذا الحكم منسوخ أم لا؟ قال: روي النسخ عن ابن عباس من طريق العوفي، وهو ضعيف، وعن إبراهيم، رواه ابن جرير، فيه رجل مبهم. وذهب الأكثر كما قال ابن كثير إلى أنها محكمة. ومن قال بالنسخ فعليه البيان. وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: «وهذه الآية لم ينسخ العمل بها عند جمهور السلف، وقد عمل بها أبو موسى الأشعري وابن مسعود، وأفتى بها علي وابن عباس، وهو مذهب شريح، والنخعي، وابن أبي ليلى، وسفيان، والأوزاعي، وأحمد، وأبي عبيد، وغيرهم». انتهى كلامه، رحمه الله، أي: كلامه رجب. قال القرطبي، رحمه الله، في تفسيره: واحتج من قال بالنسخ بقوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وبقوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾؛ فهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزل، وأن فيها ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ فهو ناسخ لذلك؛ يعني: ناسخ لحكم قبول شهادة الكافر. قال: ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة؛ فجاز شهادة أهل الكتاب؛ يعني: هذا في أول الأمر؛ على أن الإذن بأخذ شهادة أهل الكتاب كان هذا في أول الأمر لقلة المسلمين. قال: وهو اليوم طبق الأرض؛ فسقطت شهادة الكفار. وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز، والكفار فساق؛ فلا تجوز شهادتهم. قلت: أي القرطبي: ما ذكرتموه صحيح؛ إلا أن نقول بموجبه، وأن ذلك جائز في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة للضرورة؛ بحيث لا يوجد مسلم. وأما مع وجود مسلم فلا؛ يعني: الأصل أنه لا يجوز الأصل أنه لا يجوز أن يأخذ بشهادة الكفار؛ لكن في مثل هذه الحال وهو في السفر وعند الوصية ولا يوجد أحد من المسلمين؛ فهنا يجوز أن يؤخذ بشهادتهم من باب الضرورة. قال: ولم يأت ما دعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل. وقد قال بالأول ثلاثة من الصحابة؛ وليس ذلك في غيره. ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم؛ يعني: ترك قول الصحابة والأخذ بقول آخر لم يقل به أحد من الصحابة؛ هذا خلاف الصواب. قال: ويقوي هذا أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولًا؛ حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما: إنه لا منسوخ فيها. وما ادعوه من النسخ لا يصح؛ فإن النسخ لا بد فيه من إثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخ الناسخ؛ يعني: أن لا يصار إلى النسخ إلا إذا لم يمكن الجمع بين الدليلين بأي وجه من الوجوه الجمع. وأما إذا أمكن فحينئذ ما يصار إلى النسخ؛ بل يجمع بين الدليلين. قال: فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخًا؛ فإنه في قصة غير قصة الوصية؛ لمكان الحاجة والضرورة. ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات. ولأنه ربما كان الكافر ثقة عند المسلم؛ ويرتضيه عند الضرورة؛ فليس فيما قالوه نسخ. انتهى كلامه، رحمه الله، وهو الصحيح، والله أعلم؛ يعني: أن الآية محكمة غير منسوخة؛ وأن شهادة الكافر هذا جائز للضرورة بهذين الشرطين: أن يكون ذلك في السفر، وأن يكون ذلك في الوصية، ولا يوجد أحد من المسلمين؛ فحينئذ يجوز شهادة الكافرين على هذه الوصية. وأما قول الله عز وجل: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وقوله: ﴿واشهدوا ذوي عدل منكم﴾؛ هذا هو الأصل في الشهادة؛ أن تكون لأهل الإسلام وأهل العدل ممن ترضى شهادته؛ لكن هذه حالة خاصة لأجل الضرورة؛ فيجوز حينئذ شهادة الكفار. قال: قوله «والصبر»، قال: يريد نسخ آية المصابرة، وهي قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾؛ نسختها الآية التي بعدها: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا﴾ الآية؛ فأمر الله كل رجل من المسلمين عشرة؛ لا ينبغي أن يفر عنهم؛ يعني: أن يقاتل الواحد من المسلمين عشر من الكفار، وعليه أن يصبر، وأن لا يفر. قال: ثم خفف ذلك عنهم؛ فجعل لكل رجل من المسلمين رجلين من المشركين: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فأن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وأن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله﴾؛ فنسخ الله عز وجل الحكم الأول؛ وهم مصابرة الواحد للعشرة؛ إلى وجوب مصابرة الواحد للإثنين. قال: روى البخاري وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ شق ذلك على المسلمين؛ حتى فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة». ثم جاء التخفيف؛ فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ إلى قوله: ﴿يغلبوا مئتين﴾. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وزيد بن أسلم والضحاك وغيرهم نحو ذلك. قال الشارح: قال الشارح، عفو الله عنه: هو الصحيح؛ لأن الآية خبر بمعنى الأمر: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾؛ فهذا خبر بمعنى الأمر؛ أي: ليغلبوا؛ أي: ليكن منكم. فالمراد به الأمر بلزوم المصابرة. قال: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾؛ فلم يكن التخفيف إلا بعد الثقيل. ولو كان الثبوت العشرة منهم للمئة من عدوهم؛ كان غير فرض عليهم قبل التخفيف؛ وكان ندبًا؛ لم يكن للتخفيف وجه؛ لأن التخفيف لا يكون إلا بعد التشديد. فعلم أن قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ ناسخ لحكم قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾؛ ﴿إن يكن منكم﴾ أي: ليكن منكم؛ ليكن منكم عشرون صابرون؛ هذا أمر؛ أمر أن يصبر الواحد على مقابلة العشرة؛ ثم نسخ هذا الحكم بالآية التي بعدها: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾. إذن هذه الآية؛ الآية المصابرة؛ مصابرة الواحد العشرة؛ منسوخة؛ قد رفع حكمها؛ وأبدله الله عز وجل بمصابرة الواحد الاثنين؛ تخفيفًا منه سبحانه وتعالى. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.