الدرس في فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
المقطع يشرح حكمين منسوخين في القرآن، الأول الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم، والثاني وجوب قيام الليل. كلا الحكمين قد نسخ بآيات أخرى في القرآن.
اختلف العلماء في حكم قيام الليل هل هو واجب أم مستحب، وتباينت آراؤهم حول نسخ الآية. الراجح أن الوجوب منسوخ لحديث عائشة وابن عباس.
اختلف العلماء في وجوب قيام الليل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد نسخ الحكم عن أمته. الراجح أن قيام الليل كان واجباً عليه لدلالة قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على قيام الليل حتى في أوقات مرضه، مما يدل على أهميته في حقه. استمرار النبي في قيام الليل يدل على وجوبه في حقه وحرصه عليه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام السيوط رحمه الله في منظومته في الناسخ والمنسوخ من القرآن: "ودفع مهر لمن جاءت وآية نجوه، كذاك قيام الليل مستطير". قال الشارع، عفو الله عنه: قوله "وآي نجواه" يريد قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾. أمر الله عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسار فيما بينه وبينه، يعني يتكلم معه فيما بينه وبينه دون بقية الناس. قال: أن يقدم بين يدي ذلك صدقة تزكيه وتطهره: ﴿إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾، يعني من أراد أن يناجي الرسول عليه الصلاة والسلام ويتكلم معه ويسر له بكلام وينفرد به، فليقدم بين يدي نجواه صدقة يتصدق بها. قال: ثم قال: ﴿أشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات﴾، أي أخفتم من استمرار هذا الحكم عليكم من وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول؟ فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله، والله خبير بما تعملون. قال: فنسخ وجوب ذلك عنهم، يعني أمر ربنا جل وعلا في أول الأمر بالصدقة عند مناجاة الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾، ذلك خير لكم وأطهر، فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم، يعني من كان فقيرا ما عنده شيء يتصدق به عند مناجاة الرسول ليس عليه شيء. وبقي الحكم فيمن كان موسرا غنيا، فإنه لا بد أن يقدم صدقة. ثم نسخ هذا الحكم ورفع على الجميع، على الفقير وعلى الغني، بقوله: ﴿أشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون﴾. فكانت هذه الآية ناسخة لآية الأمر بالصدقة عند المناجاة. قال ابن كثير: وقد قيل إنه لم يعمل بهذه الآية قبل نسخها سوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: قال: نهوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتصدق، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب، قدم دينارا تصدق به، ثم ناجى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن عشر خصال. ثم أنزلت الرخصة. على أن الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره يقول: بأن هذا الأثر، أثر علي رضي الله عنه، ضعيف. قال: وذلك أن الله عز وجل يقول: ﴿فإذا لم تفعلوا﴾، وهذا يقتضي أنه لم يفعل ذلك أحد، يعني لم يقدم أحد صدقة عند مناجاة الرسول عليه الصلاة والسلام، فسدل بهذا على ضعف هذا الأثر. قال: وبالنسخ قال: من ابن عباس وقتادة وعكرمة والحسن ومجاهد وغيرهم. ورجحه الجريري ومن كثير والقرطبي، وهو الصحيح. إذن، هذه الآية، آية الصدقة عند مناجاة الرسول عليه الصلاة والسلام، منسوخة بالآيات التي بعدها: ﴿فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون﴾. قال الشارع عن قوله: "كذاك قيام الليل مستطير"، قال: يريد قوله تعالى: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا﴾، يعني في وجوب قيام الليل. هل هذه الآية محكمة، وأن قيام الليل واجب على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، أم أنها قد نسخت؟ وهكذا أيضا في قوله عز وجل: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك﴾. قال العلماء: قولان في هذه الآية. الأول: أنها منسوخة، وإليه ذهب ابن عباس وعائشة وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة ومقاتل وابن كيسان والشافعي. ورجحه شيخ الإسلام. واختلفوا في الناسخ، يعني ما هي الآية الناسخة لهذه الآية؟ قال: فمنهم من قال قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾، ومنهم من قال: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾، ومنهم من قال: بقوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل﴾ إلى آخر السورة. وهذا أولى الأقوال، لأنه يعمها جميعا، يعني أن الناسخ هو آخر السورة، الآيات التي في آخرها. جاء في صحيح مسلم، قال سعد بن هشام بن عامر في ذكر الحديث: قال: فانطلقت إلى عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين، وذكر الحديث. وفيه: ثم قلت: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: ألست تقرأ "يا أيها المزمل"؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا، يعني سنة، كانوا يقومون الليل فريضة. وأمسك الله خاتمتها، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة. الحديث. فأخبرت عائشة رضي الله عنها أن قيام الليل كان فرضا واجبا، وقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا، حتى أنزل الله عز وجل أواخر سورة المزمل: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل﴾ إلى آخر السورة. فكان في ذلك نسخ لهذا الحكم، والتخفيف برفع الوجوب. القول الثاني: أنها محكمة غير منسوخة، فرض على كل مسلم أن يقوم من الليل ولو شيء يسير. وقيل: واجب على حملة القرآن. وإليه ذهب الحسن ومن سيرين، واجب على حملة القرآن لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فأوتروا يا أهل القرآن». قالوا: هذا أمر موجه إلى أهل القرآن، أنه لا بد أن يكون لهم نصيب، أن يكون لهم نصيب من الليل. قال: والصحيح هو القول الأول، يعني القول بالنسخ، أن الوجوب منسوخ، لما تقدم من قول عائشة رضي الله عنها وابن عباس، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. ويؤيده حديث علي في سنن الترمذي وغيره: «ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة، ولكن سن رسول الله صلى الله عليه وسلم». فقال: «إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن». إذن، الآية منسوخة، آية الأمر بقيام الليل، نسخه والناسخ له آخر السورة، الآيات التي في آخر السورة. واختلف العلماء في حق النبي صلى الله عليه وسلم، هل قيام الليل واجب عليه أم لا؟ بالنسبة لعامة الأمة، فلا يجب على المسلمين أن يقوموا لصلاة الليل، وإنما مستحبة، صلاة الليل من الصلوات المستحبة، وهي أفضل الصلوات بعد الفريضة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل». لكن بقي الخلاف في حق النبي عليه الصلاة والسلام، هل شمله حكم النسخ، فلا يجب عليه قيام الليل، أم أنه يجب عليه أن يقوم الليل، وأن الحكم ما زال في حقه باق؟ قال العلماء: قولان. الأول: أنه واجب عليه إلى أن قبضه الله، يجب عليه أن يصلي من الليل حتى توفاه الله جل وعلا. الثاني: أنه نسخ، نسخ عنه كما نسخ عن أمته. واستدل كلا الفريقين بقوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾. والاستدلال بقوله "نافلة"، ما المراد بالنافلة؟ هل المراد بالنافلة ما هو زائد على الفريضة التي هي المستحب؟ فمن قال: هذا هو المعنى، قال: إذن قيام الليل في حقه مستحب، ليس بواجب. ومن قال: المراد بالنافلة ما هو زائد على الفريضة مما هو واجب خاص بك دون بقية الأمة، قال: إن قيام الليل في حقه واجب، خص به عليه الصلاة والسلام زيادة له في الأجر وكذلك في الثواب. قال: أي خاصا بك، يعني الوجوب. وغير النبي صلى الله عليه وسلم لا يجب، إلا أن ينذره، يعني إذا نذر الإنسان أن يقوم الليل صار واجبا بالنذر، أما من غير النذر فهو مستحب، يستحب للإنسان أن يقوم ويصلي من الليل. قال: ورجحه ابن جرير، ويدل عليه كلام ابن القيم في الزاد، وبين أن المراد بالنافلة شيء زائد على المستحب، يعني ليس المراد بالنافلة هنا النافلة بمعنى المستحب، الصلاة المستحبة يقال لها نافلة، نافلة الظهر أو نافلة العصر أو إلى آخره، لكن المراد بالنافلة هنا شيء زائد على المستحب. قال: وابن العربي في أحكام القرآن قال: وقيل "نافلة لك" أي زيادة وفضل، وهذا له ولغيره. ورجحه القرطبي، يعني الإمام القرطبي رجح أن المراد بقوله "نافلة لك" أي زيادة وفضل، زيادة وفضل لك ولغيرك، لأن هذا الأمر لا يقصد به النبي عليه الصلاة والسلام بل هو له ولسائر الأمة، يعني من قام يتطوع لله جل وعلا بقيام الليل، هذه صلاة نافلة، زيادة في الأجر وفي الثواب. قال: والأول أرجح والله أعلم. قال: من العربي في أحكام القرآن: والنفل هو الزيادة كما تقدم بيانه. وفي وجه الزيادة قولان. الأول: أنه زيادة على فرضه خاصة دون الناس. والثاني: قوله "نافلة لك" أي زيادة لأنه لا يكفر شيئا، إذ غفر له ذنبه. والأول أصح، يعني المعنى الأول أنه زيادة على فرضه خاصة، يعني أنه فرض عليه زائد على بقية الفرائض، خص به دون بقية الناس. قال: لأن الثاني فاسد، إذ فعله وفرضه لا يصادف ذنبا، ولا صلاة الليل ولا صلاة النهار تكفران خطيئة، يعني في حق النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: لأن ذلك معدوم في حقه وجودا لعدم في حقه مؤاخذة، لو كان لفضل المغفرة من الله عليه. ومن خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل، فكان يقوم حتى تتفطر قدماه. الخلاصة: يعني أن قيام الليل في حق النبي صلى الله عليه وسلم في وجوب ذلك لم ينسخ، بل بقي محكما. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم لصلاة الليل، ولا يترك قيام الليل، حتى لما مرض عليه الصلاة والسلام وثقل، كان يصلي وهو جالس، وكان يستمر على ذلك عليه الصلاة والسلام. فدل هذا على أن قيام الليل في حقه واجب. أما في حق الأمة فهو مستحب. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.