أطيب الزهر ببيان أسباب انشراح الصدر 2

الدرس في أطيب الزهر ببيان أسباب انشراح الصدر 2، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

حكمة الابتلاء في الدنيا وحقيقة انشراح الصدر

يبيّن المقطع أن الدنيا مطبوعة على الكدر والهموم لحكمة إلهية تمنع الركون إليها، وأن انشراح الصدر الحقيقي لا يتحقق باللهو بل بتوحيد الله والإقبال عليه، فمن شرح الله صدره للإسلام كان على نور من ربه بينما ضيق الصدر يحرم صاحبه الهداية.

أسباب انشراح الصدر: التوحيد والعلم والعمل

يستعرض المقطع الأسباب الأساسية لانشراح الصدر وطمأنينة القلب وفي مقدمتها التوحيد الخالص والعلم النافع والإقبال على الله بالعبادة والذكر، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وآثار السلف، محذراً من أن الإعراض عن ذكر الله سبب لضيق الصدر والمعيشة الضنك.

أسباب عملية لسعة الصدر: الذكر والإحسان وتزكية النفس

يوضح المقطع أسباباً عملية موجبة لسعة الصدر وزوال الهموم كالإكثار من ذكر الله تعالى والإحسان إلى الخلق بالمال والجهد، إضافة إلى التحلي بالشجاعة وتطهير النفس من الأمراض القلبية كالغل والحسد والبغضاء.

خاتمة بدعاء انشراح الصدر وطمأنينة القلب

يختتم المتحدث الحديث بذكر أسباب انشراح الصدر ونعيم القلب، ثم يرفع يديه داعياً الله أن يشرح الصدور ويطمئن القلوب ويسكن الجوارح، ويصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا هو المجلس الثاني الذي نتذاكر فيه ما تيسر من أسباب انشراح الصدور. وقد مر معنا أن المؤمن لا تخلو حياته من الهموم والأحزان، لا تخلو حياته من الهموم والأحزان التي تكدر عليه عيشته وتنغص عليه لذته، كما قال ربنا عز وجل: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، في كبد، إذن في مكابدة. وهذه الدنيا خلقت، خلق فيها من المكدرات والمنغصات، وهكذا من الهموم والأحزان والأمراض وغيرها من صور الابتلاء. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، قال: حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه». وذكرنا فائدة لطيفة تتعلق بهذا الأمر، ألا وهو أن من حكمة الله عز وجل أن خلق في الدنيا هذه الهموم، وهذه الغموم، وهذه الأحزان، وهذه المصائب والفتن، لكي لا يركن لها الإنسان، ولا... ماذا... ولا ينشغل بها عن الحياة الآخرة، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. لكن الآخرة لأهل الإيمان هي الحيوان، هي دار الإقامة الأبدية والحياة السرمدية، لا هموم في الجنة ولا غموم ولا أحزان ولا أمراض ولا قتل ولا فتن، وإنما كما قال الله عز وجل عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: 34]، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: 34-35]. وهذا من أعظم النعيم الذي يعطيه الله عز وجل أهل الجنة، أن شرح صدورهم وجعل قلوبهم مطمئنة، وجعل قلوبهم مطمئنة. أذه الدنيا كما سبق، طبعت على كدر، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «طبعت على كدر، فكيف تنالها صفوا؟ أهذا قط في الإمكان؟». يعني بعض الناس يريد أن يعيش في الدنيا ولا يبتلى، لا يريد أن يمرض، ولا يريد أن يحزن، ولا يريد أن تصيبه هموم أو غموم. الدنيا طبعت على هذا وخلقت على هذا، فكيف تنالها أنت صفوا؟ أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل. لكن يا إخوان، أهل الإيمان الله عز وجل يثيبهم على صبرهم وعلى حسن أعمالهم، وأما الكفار فإنهم محرومون من ذلك، فإنهم محرومون من ذلك. إذن الناس كلها في هذه الدنيا تسعى إلى إذهاب هذه الغموم وهذه الهموم وهذه الأحزان، إلا أنهم اختلفوا في طريقة معالجتها. فبعضهم... فبعضهم إذا أصابه هم ذهب إلى اللهو واللعب، ذهب يغني، يرقص، زمر، يسمع الموسيقى، يتابع الأفلام، يتابع المباريات، يظن أن في ذلك زوال همه. والبعض إذا أصابه هم يظن أن زوال الهموم وانشراح الصدور في التلذذ بالمأكولات والمشروبات. والبعض يظن أنه بالتلذذ بالمناكح. وهكذا الناس على طرائق قدد، كما سبق معنا في كلام ابن حزم رحمه الله تعالى وغفر له. ثم ختم كلامه رحمه الله تعالى قال: «وإنما الإقبال على الله وحده وإيثار مرضاته على كل شيء ضده، فليس للعبد أنفع من هذا الطريق وأوصل منه على لذته وسعادته، على لذته وسعادته». وقد ذكرنا في الدرس الماضي أن العلماء ذكروا جملة من الأسباب التي تفيد انشراح الصدور، وقد لخصها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابه «زاد المعاد»، وهكذا أيضا ذكرها غيره. ومن أهمها: القيام بتوحيد الله عز وجل، القيام بتوحيد الله عز وجل. ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الزمر: 22]. ربنا عز وجل يقول: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: 125]، ماذا إذا أراد الله أن يهديك؟ قال: يشرح صدره للإسلام. ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: 125]. ولهذا قلنا أن شرح الصدر من أسباب الهداية، من أسباب قبول العلم وقبول الحق، بينما ضيق الصدر لربما يحرم صاحبه الهداية، ويحرم صاحبه العلم، ويحرم صاحبه كذلكم أيضا قبول الحق. ولهذا ربنا عز وجل ذكر عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومحاجته لقومه المشركين، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 81-82]، أي لم يخلطوا إيمانهم بظلم، أي بشرك، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]. فعلى حسب كمال التوحيد وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه، يكون انشراح صدر صاحبه. كذلكم أيضا من هذه الأسباب التي يجعل الله عز وجل بها الصدور تنشرح: العلم. يا إخوان، العلم. وإذا ذكرنا العلم فالمقصود به العلم النافع، المقصود به العلم النافع. فإن العلم النافع يعتبر سببا من أسباب انشراح الصدور، كما قال الله عز وجل: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: 122]، ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 122]. العلم سبب من أسباب انشراح الصدر، سبب من أسباب انشراح الصدر وطمأنينة القلب. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «سلوا الله علما نافعا، وتعوذوا به من علم لا ينفع». وكان عليه الصلاة والسلام من دعائه، كان يدعو بهذه الدعوات، يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها، ومن دعوة لا يستجاب لها». فالعلم يعتبر سببا من أسباب انشراح الصدور، فيجعل صاحبه ثابتا في المواقف وأمام الفتن ومع الشبهات التي لربما تجتمع عليه وتتوارد عليه. العالم يا إخوان، مهما اجتمعت عليه الفتن، ومهما وقفت أمامه الشبه، فإنه بنور العلم يدفعها، فإنه بنور العلم يدفعها. ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، هو منهم. ماذا بعدها قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83]. أيضا من أسباب انشراح الصدور: الإقبال على الله عز وجل والإنابة إليه سبحانه وتعالى، والتلذذ بعبادته عز وجل. فلا شيئا أشرح لصدر العبد من ذلك، لا شيئا أشرح لصدر العبد من ذلك. قال ربنا عز وجل: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: 97]، ما هو الجزاء؟ قال: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]، بأحسن ما كانوا يعملون. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر أين يذهب؟ فزعى إلى الصلاة. إذا حزبه أمر فزعى إلى الصلاة. لماذا؟ لأنها سبب لانشراح الصدر واطمئنان القلب. كان يقول: «قم يا بلال، أرحنا بها»، أرحنا بها من الهموم والغموم. كان يقول عليه الصلاة والسلام: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِن دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ». يا إخوان، أحيانا الشخص إذا أحس بلذة العبادة يشعر بسعادة عظيمة جدا، يشعر براحة، كما قال بعض السلف: «لو لم يكن من الراحة في الجنة إلا ما نجده في العبادة، لكفاء راحة وطمأنينة ولذة». كان بعض السلف كالحسن وغيره يقول: «إنا في حال لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف». الملوك لو كانوا يعلمون ما عليه أهل الطاعة من راحة، وما عليه أهل العلم من سكينة، وهكذا إن شرحوا صدر لا جالدوا على ذلك بالسيوف، كي ينالوه ويأخذوه، كي ينالوه ويأخذوه. ومن أعظم أسباب ضيق الصدر يا إخوان: عدم الإقبال على الله عز وجل، عدم أداء الفرائض والواجبات، عدم الاهتمام بماذا؟ تعلق القلوب بالله جل في علاه. ولهذا قال ربنا عز وجل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: 124-126]، أي تركتها. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ [طه: 127]، الآيات. فالإقبال على الله عز وجل وتعلق القلوب به سبحانه، ومحبة القلوب له عز وجل، هذا يعتبر من أعظم أسباب انشراح الصدور. كذلك أيضا: المداومة على ذكر الله عز وجل، المداومة على ذكر الله عز وجل يعتبر من أسباب انشراح الصدور. فكم للذكر من تأثير عجيب في انشراح الصدر ونعيم القلب، وكم للغفلة أيضا من تأثير عجيب في ضيق الصدر، في ضيق الصدر، وأيضا ظلمة القلب وعدم الشعور بالراحة. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. والنبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى ذلك حين أن سأله سائل، فقال: «إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فمرني بأمر أتشبث به، أتمسك به». فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال لسانك رطبا بذكر الله، لا يزال لسانك رطبا بذكر الله». فالكثار يا إخوان من ذكر الله عز وجل، ماذا؟ يعتبر من أعظم أسباب انشراح الصدور. وربنا عز وجل حينما أن أمرنا بذكره قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41]، ليس أي ذكر، وإنما أكثر من ذكر الله عز وجل. ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: 42-43]، الآيات. فالإكثار من ذكر الله عز وجل يعتبر دواء تعالج به القلوب وتعالج به الصدور، فيزرع طمأنينة في القلب وانشراحا في الصدر. أيضا من هذه الأسباب التي تؤدي إلى انشراح الصدر: الإحسان إلى الخلق، الإحسان إلى الخلق. فالإحسان إلى الخلق يعتبر سببا من أسباب انشراح الصدر، ويعتبر سببا من أسباب طمأنينة القلب وزوال الهموم والغموم التي قد يبتلى بها هذا الإنسان. والإحسان إلى الخلق قد يكون بالمال: ترى إنسانا فقيرا محتاجا فتعطيه، ترى إنسانا جائعا فتطعمه، ترى إنسانا عطشانا فتسقيه، وهكذا غيرها من صور الإحسان. قال ربنا عز وجل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ [الإنسان: 8-14]، الآيات. فانظر إلى ثمرة الإحسان إلى الخلق، الإحسان إلى الناس. النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر، سئل سؤالين: السؤال الأول: سئل من أحب الناس إلى الله عز وجل، والسؤال الثاني عن أحب العمل إلى الله تبارك وتعالى. فما هو الجواب؟ قال: «أحب الناس عند الله عز وجل أنفعهم للناس، أنفعهم للناس، وأحب العمل إلى الله عز وجل سرور تدخله على قلب مسلم، سرور فرح تدخله على قلب مسلم». ثم ذكر عدة أعمال، ماذا؟ من أبواب الإحسان التي ممكن أن يقوم بها المسلم مع إخوانه المسلمين، مع إخوانه المسلمين. وهذا يدل على شيء، دل على أهمية الإحسان إلى الخلق. بل لو أحسنت إلى بهيمة أو أحسنت إلى دابة، كم يكون لهذا الإحسان من أثر عظيم؟ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قصة تلكم البغي من بني إسرائيل، نزلت فشربت من بئر، فلما صعدت رأت كلبا يأكل الثرى من شدة العطش، فماذا فعلت؟ نزلت إلى البئر وخلعت خفها ثم سقت هذا الكلب، فغفر الله لها بسقيا كلب. كيف لو سقت شاهًا أو ناقة؟ كيف لو سقت عطشانًا؟ كيف لو سقت قريبًا أو جارًا أو زوجًا أو ابنًا أو والدًا؟ لكان الأمر عظيما عند الله تبارك وتعالى. أيضا من أسباب انشراح الصدر: الشجاعة. يا إخوان، تحلى المؤمن بالشجاعة، والشجاعة تعتبر من الأخلاق التي تجمع معها أخلاقا عظيمة وصفاتا حميدة. ومن آثار الشجاعة: انشراح الصدر. شجاع ما يخاف ولا يهاب، وإنما يكون صدره منشرحا، وعنده من الإقدام ما عنده. بخلاف الجبن، فإنه يعتبر سببا لضيق الصدر، وكذلك أيضا يعتبر سببا لذهاب السرور وحلول الأحزان والهموم. كذلك أيضا من أسباب انشراح الصدر: أن يطهر المسلم نفسه من الأمراض والصفات المذمومة، فيطهر قلبه من الحقد، وهكذا من التشاح، وهكذا من البغضاء والكراهية، وهكذا من الحسد. كم يا إخوان تضيق الصدور لذا من كان عنده حسد، أو عنده غل في قلبه، أو بغضاء، أو شحناء. ولهذا نجد أن الله عز وجل امتنى على أهل الجنة بقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47]. ما سبب ذلك؟ قال أهل العلم: لأن صاحب الغل معذب به دائما، متضايق، متنرفز دائما، قلبه يحترق بسبب ذلك. فهذه بعض الأسباب التي هي أسباب لانشراح الصدر ونعيم القلب. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يشرح صدورنا، وأن يجعل قلوبنا مطمئنة، وجوارحنا مستريحة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.