الدرس في التعليق على نظم الورقات 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تعريف الفقه وفرق بين العلم والمعرفة، ويبين أن الفقيه يجب أن يكون لديه علم بالأحكام الشرعية. الفقه يشمل الأحكام القطعية وغير القطعية التي تحتاج إلى اجتهاد.
يشرح تعريف الأحكام الشرعية والفرق بينها وبين غيرها، ويبين أن الحكم له معنى في اللغة وفي الشرع. التعريف اللغوي والشرعي للحكم مهم لفهم الأحكام الشرعية.
يتناول اختلاف الفقهاء في فهم وتطبيق بعض المسائل الفقهية المعاصرة مثل عقد المرابحة، ويبين أن الخلاف ينشأ من تنزيل المسائل على أصول مختلفة. بعض المعاملات المالية قد تكون حيلة على الربا.
السلام عليكم. هنا المؤلف -رحمه الله- أو الناظم عدل هنا عن كلام المؤلف، عن كلام صاحب الورقات. صاحب الورقات عرف الفقه بأنه معرفة كل حكم شرعي جاء اجتهادًا، لكن هنا الناظم قال: «والفقه علم كل حكم شرعي»، عدل عن «معرفة» إلى «علم». وهل هناك فرق بين العلم والمعرفة؟ هناك كلام طويل لأهل الأصول في اللغة بين الفرق بين العلم والمعرفة، وخلاصة هذا أن العلم والمعرفة مترادفان بمعنى واحد. والمراد بالعلم هو الإدراك أو مطلق الإدراك. أنا العلم يسمى فهما، فأنا فهم الكلام -مثلا- يسمى علما، ويسمى معرفة. فهم الكلام ممكن يسمى علما، أنا فهمت هذا الكلام، فهمت شيئا من الحديث، من الآيات، هذا ممكن يسمى علما، ويسمى معرفة كذلك. فلهذا فغالبا العلم والمعرفة مترادفان في المعنى، لكن لا شك أنك تجد بعض الفروق بينهما، وليس هذا مجالها. وسيأتي أيضا في معرفة العلم أنه يقول: «وعلمنا معرفة المعلوم». أنا فسر العلم بالمعرفة، فسر العلم بالمعرفة. وذكر في الورقات أن العلم هو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، أو الفقه: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. وهنا قال: «علم كل حكم شرعي». أنا هناك يقول: «معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد»، وهنا قال: «علم كل حكم شرعي». حذف «أل» من «الشرعية»، وجاء وأبدلها بـ«كل». أنا أبدل «أل» في كلام المؤلف -صاحب الورقات- وأبدلها بـ«كل»، لأنه فهم من كلام المؤلف أنه كل الأحكام الشرعية، كل الأحكام، معرفة الأحكام الشرعية أي كلها. وهذا بمعنى أن الشخص لا يكون فقيها إلا إذا علم بالأحكام الشرعية كلها، لا يكون فقيها إلا إذا كان عنده علم بالأحكام الشرعية كلها. والمراد بالأحكام هنا جمع حكم، وهذا الذي سيأتي الكلام عليه. وقوله هنا «الشرعية»؛ الأحكام حكم كل شرعي، كل حكم، كل حكم شرعي، «علم كل حكم شرعي». فالشرعي هنا معنى المنسوب إلى الشرع، والمراد به الكتاب والسنة، معنى صادرة من الكتاب والسنة. ومعنى ذلك أن الفقيه لا يسمى فقيها إلا إذا كان يعلم أدلة الكتاب والسنة، وأيضا عنده جزم بها وتصديق. لكن هذا ليس على ظاهره، لكن هذا ليس على ظاهره؛ لأنه ليس هناك أحد يعلم كل الأحكام الشرعية. لكن أراد العلماء أنه معنى أن الفقيه الذي يعلم كل حكم شرعي، أي أن تكون عنده ملكة، عنده ملكة يستطيع أن يصل إلى كل حكم شرعي. معنى لو أراد أن يصل إلى حكم شرعي وصله؛ لأنه عنده الأدلة العامة، عنده الأصول. فهذه الأصول تقرب له المسائل، فإذا رأى مسألة، رأى من أي باب هذه المسألة وتنتمي إلى أي أصل، فيعرف حكمها بذلك. ولهذا تجد الآن مسائل مستجدة لم تكن موجودة في ذلك العصر أو في العصور الماضية، وفي كل عصر تجد مسائل مستجدة، والعلماء يأتون بحكمها. صحيح أنهم يختلفون، لماذا يختلفون؟ غالبا الاختلاف الذي يكون بين العلماء إما لأجل أنهم يختلفون أصلا في الأصول التي أصلوها، أو أنهم يختلفون في نسبة هذه المسألة إلى أي أصل. وهذا كثيرا ما يختلف الآن، كثير من فقه العصر: تنزيل المسألة على أي أصل تكون؟ وهذا تجد أن الخلاف يحصل من هذا الباب. مثلا مسألة الاستصناع، هذه مسألة، أيضا مسألة ما يسمونه بعقد المرابحة. ما يسمونه بعقد المرابحة، فهذا بعضهم أخرج هذا العقد على المرابحة التي كانت عند العلماء الفقهاء. المرابحة عند الفقهاء: أن الإنسان -مثلا- إذا اشترى شيئا وعنده شخص عنده شخص أو ليس عنده، فاشترى بضاعة -مثلا- بمائة ألف، فقال له آخر: أنا أريد أن أشتري منك هذه البضاعة، فيقول: أنا اشتريت هذه البضاعة بمائة ألف، أعطيني فائدة عشرون ألفا وخذها. فهنا هذا عقد مرابح، هذا عقد مرابح. فالآن هذه مسألة ما يفعله كثير من الناس الآن، أو كثير من البنوك. أنا إذا إنسان أراد بضاعة، يقول له: خلاص اذهب واشتري هذه البضاعة وانظر هي بكم أو سعرها كم؟ مثلا يقول: مائة ألف، يقول: خلاص اشتريها ونحن نعطيك -نعطي صاحب الله- مائة ألف، لكن سنحسبها عليك بمائة وعشرين، سنحسبها عليك بمائة وعشرين. فهذا ظن كثير من الفقهاء أن هذا عقد مرابح مثل عقد المرابحة. لكن نسوا أن هناك أصول أخرى تدخل على هذا الأمر. أولا: أنه باع شيئا لم يملكه، باع شيئا لم يملكه، ما ملكه حتى يقال أنه عقد مرابح. فهو الآن باع شيئا لم يملكه. وأيضا كذلك زد على أنها حيلة على الربا؛ لأنه ليس المقصود مقصوده السلعة بيعها وشراءها، وإنما مقصوده الدين، مقصوده أنه يكون يأخذ دينا أكثر. سيعطيه مئة ويرد له مئة وعشرين، فهذا هو المقصود أو لا؟ لكن قالوا: هذا ربا واضح، عن أننا نعطي إنسان مئة ألف ونقول له: مثلا عندك مئة ألف أو مئة وعشرين. عن أن يعطونه مئة ويقول له: مئة وعشرين، هذا ربا واضح. فقاموا واحتالوا: أشتريد أنت؟ قال: أريد خشبًا، قال: خلاص اذهب إلى صاحب الخشب واتفق معه. فهم لا يشترونه، وإنما هو يشتريه. ولهذا قال العلماء: من الضوابط في هذه المسألة أن هؤلاء البنوك إذا كانوا يريدون عقد مرابحة صحيح، لابد أن يشترون هذه السلعة؛ لأن عقد المرابحة: البايع يشتري أولا ثم يضع ربحه. أما -مثلا- هذا الشخص لا يشتري أصلا ثم يقول: هذا عقد مرابحة، هذا ليس صحيحا. فالمهم أن العلماء يختلفون -كما قلنا- إما في الأصول التي هم عليها، التي قعدوا فيها المذهب -مثلا- أو يختلف في تنزيل المسألة، في تنزيل المسألة. فقال: «والفقه علم كل حكم شرعي»، فلهذا فالفقيه يصل إلى الحق، أو ممكن أن يصل إلى أي حكم شرعي، ممكن أن يصل إلى أي حكم شرعي. هذا فقيه، هذا يسمى فقيه مجتهد. لكن سيأتي معنا أن المجتهدين أنواع، أنواعا. فمنهم من هو مجتهد في مذهبه، ومنهم من هو مجتهد عام ومطلق -كشيخ الإسلام- وغيره. وهنا قال: «والفقه علم كل حكم شرعي»، قيد هنا الحكم بكونه شرعيا، قيد الحكم بكونه شرعيا. وهذا احتراز من أحكام كثيرة هناك؛ هناك أحكام حسية، وأحكام عقلية، وأحكام عرفية، وغيرها من الأحكام على الحكم العادي أو الحكم العرفي. فلهذا احترز هنا فقال: «حكم شرعي»، أراد أن يخرج الحكم العقلي. الحكم العقلي -مثلا- مثلا: النصف أو الواحد أصغر من الاثنين، والجزء من الكل، هذه أشياء معروفة عقلا. وهكذا الحكم الإصطلاحي، حكم الإصطلاحي: أي ما اصطلح عليه أهل كل فن. حكم الإصطلاحي -مثلا- أهل النحو يعرفون الفاعل بكذا، وأيضا أهل المصطلح -مصطلح الحديث- يعرفون -مثلا- الحديث الضعيف بكذا، وهكذا. فهذا إصطلاح، حكم إصطلاحي أيضا. كذلك الحكم الشرعي، أو الحكم الحسي: الحكم الحسي -مثلا- أن النار تحرق حسا. الحسي هو الذي يكون بالحواس الخمس، فمن طبيعة النار أنها تحرق إذا وضع الإنسان يده أو شيء من جسده، فهذا حكم حسي. فلهذا فقوله: «حكم شرعي»، احتراز عن هذه الأحكام التي هي ليست شرعية: الأحكام العقلية، والأحكام الإصطلاحية، والأحكام الحسية، والأحكام العرفية، عن حكم عرفي متعارف به بين الناس. فكل ذلك داخل في مسمى الفقه، أو أقصد ما كان شرعيا من الكتاب، السنة، داخلا في حكم الفقه. وأما غيرهم الأحكام، فهي ليست داخلة في مسمى الفقه. وقوله هنا: «جاء اجتهادا»، قوله: «جاء اجتهادا»، يعني جاء ثبوته وظهوره بالاجتهاد. جاء ثبوته وظهوره بالاجتهاد. والاجتهاد كما يعرفه أهل الأصول: أنه بذل الوسع في بلوغ الغرض، بذل الوسع في بلوغ الغرض. فقوله: «جاء اجتهادا»، معنى جاء العلم والفقه بالاجتهاد؛ لأن الأحكام الشرعية -كما هو معلوم- نوعان: حكم شرعي قطعي، معنى المراد قطعي: أي ليس مداره على البحث. مثلا وجوب الصلاة، هل يحتاج إلى بحث؟ أنه يبحث الإنسان: هل صلوات الخمس واجب أو لا؟ أو صلاة الفجر -مثلا- هل يبحث الإنسان في وجوب صلاة الفجر؟ لا، هذا شيء قطعي معروف عند كل أحد. فهذا ليس طريقها اجتهاد. وهناك أيضا حكم يحتاج للاجتهاد؛ لعدم وضوح الأدلة. فالآن عندنا أحكام قطعية، وأحكام تحتاج إلى الاجتهاد. وتعميم هنا المؤلف بقوله: «جاء اجتهادا»، معنى ذلك أن ما يسمى الفقه فقيها إلا إذا كان يعرف المسائل التي ليست قطعية. وهذا ليس بالصحيح، وهذا ليس بالصحيح؛ بل أن الفقيه لابد أن يعرف كما أن العامة أو كثير من الناس يعرف الأحكام القطعية، فكذلك أيضا الفقيه ينبغي أن يعرف الأحكام القطعية، وكذلك الأحكام الغير قطعية التي تحتاج إلى اجتهاد وبحث. كلها يعرفها، فيسمى فقيها. سمى فقيها. فلهذا انتقد بعض العلماء قوله: «اجتهادا»، معنى الفقيه ما يسمى فقيها إلا إذا كان يعرف الأحكام التي فيها الاجتهاد. وصحيح أنه يعرف كل الأحكام المكتسبة التي أو العملية المكتسبة من الأدلة الشرعية، كما عرفها الإمام الشافعي -رحمه الله-. الإمام الشافعي عرف الفقه بأنه: معرفة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من الأدلة التفصيلية. فلهذا فالفقه يعم النوعين، الفقه يعم النوعين: هذا وهذا، ما جاء اجتهادا، وكذلك ما كان قطعيا. فقول المؤلف: «الفقه وعلم كل حكم شرعي جاء اجتهادا دون حكم قطعي»، هذا ليس بالصحيح. فكل الفقه يعرف الأحكام الشرعية والقطعية. والحكم -كما سيأتي- معنى المنع في اللغة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- معناه في الشرع. والله تعالى أعلم.