التعليق على نظم الورقات 22

الدرس في التعليق على نظم الورقات 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في تعريف الأمر في أصول الفقه

يُعرَّف الأمر في أصول الفقه على أنه استدعاء فعل واجب بالقول من شخص أعلى إلى أدنى، ويُستثنى منه النهي والتماس والدعاء. الأمر يفيد الوجوب إذا أطلق وانتفت القرينة التي تصرفه عن ظاهره.

صيغة الأمر ودلالته على الوجوب

صيغة الأمر الأصلية هي "افعل" ويُعتبر استدعاءً لفعل على وجه الاستعلاء. يرى المؤلف أن الأمر يفيد الوجوب إذا أطلق وانتفت القرينة التي تصرفه عن ظاهره، وقد تُغيّر القرائن هذا المعنى.

الأدلة على وجوب الأمر والرد على المخالفين

يناقش المقطع قاعدة الأمر يفيد الوجوب، ويستعرض الأدلة على ذلك، ويرد على من يقول إن الأصل في الأمر هو الاستحباب. يتطرق أيضًا إلى التفريقات بين الأمور التعبدية والعادية.

التفريقات والاستثناءات في القواعد الفقهية

قد يبدو كلام العلماء غير متسق مع القواعد أحيانًا، لكن التفكير العميق يظهر صحته أو سبب الاستثناء. يُظهر هذا الفصل أهمية فهم السياق والتفريقات الدقيقة في تطبيق القواعد الفقهية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله آل وصحبه ومن والاه. قال الناظم رحمه الله: باب الأمر. قال: وحده استدعاء فعل واجب بالقول ممن كان دون الطالب. باب الأمر هو من الأبواب المهمة في أصول الفقه، بل هو من أهم الأبواب في أصول الفقه. وكذلك باب النهي، وباب الأمر يدخل فيه الواجب والمستحب، وباب النهي يدخل فيه التحريم والمكروه، وبينهما المباحات. فالأحكام الخمسة كلها في هذا الباب أو في هذين البابين. وهذا يدل على أهميتهما؛ لأن هذا مناط التكليف، وأيضًا أمر التكليف في هذين البابين، فلهذا صار أكثر معنى من أكثر الأبواب أهمية في هذا العلم. الأمر هنا معنى المراد به الأمر مفرد، وجمعه أوامر. وبمعنى الأمر هو الشأن، والأمور هي الشؤون. وإلى الله ترجع الأمور. قال: وحده استدعاء فعل واجب بالقول ممن كان دون الطالب. أي تعريف هذا الأمر، باب الأمر تعريفه أنه استدعاء فعل واجب. المراد بالاستدعاء هو الطلب، والسين والتاء تعني للطلب والدعاء والنداء. والطلب استدعاء فعل واجب، والفعل يشمل القول والفعل. استدعاء فعل سواء كان قولًا أو عملًا، فهو يدخل في الفعل. وحده استدعاء فعل واجب؛ لأن الأمر يفيده. كما سيأتي، فالأمر يفيد الوجوب، والأصل أن هذا الأمر هو الذي أفاد الوجوب. فقال المؤلف رحمه الله: بالقول ممن كان دون الطالب. هذا هو الأمر، فالأمر يكون على وجه الاستعلاء. فقال: بالقول ممن كان دون الطالب. وكما ذكر الشيخ خنام، قوله: بالقول يخرج الإشارة. وقوله: ممن كان دون الطالب، أن يكون الطالب الذي استدعى أعلى من المطلوب. فلهذا يقولون: إن الأمر هو استدعاء فعل واجب بالقول على جهة الاستعلاء. فلا يعرفونه إلا على جهة الاستعلاء؛ لأنه هذا يكون أمرًا، يعني يكون من الأعلى إلى الأدنى. هذا يكون أمرًا. وأما إن كان مساويًا، فيسمونه التماسًا. وأما إذا كان توجيه الأمر إلى أعلى، فهو يعتبر دعاءً. قوله: أنه استدعاء فعل؛ لأن النهي هو استدعاء ترك. أخرج النهي بقوله: استدعاء فعل. أخرج النهي؛ لأنه استدعاء ترك. وأخرج بقوله: واجب، بما ليس بواجب، ويقتضيه الأمر، مثل المندوب أو المستحب أو المباح، فيخرجه بقوله: واجب. الأمر للوجوب، وإنما إذا جاءت قرينة تصرف عن هذا الظاهر، وهذه القرينة ممكن أن تكون نصًا، كما سيأتي، أو حتى سياق الكلام. أحيانًا من سياق الكلام يعرف أن الأمر هنا ليس للوجوب. قوله هنا: بالقول، يخرج الإشارة والكتابة. لكن هذا من باب الاصطلاح؛ أنه ليس بواجب من باب الاصطلاح. وإلا قد يكون في الشرع يعتبر واجبًا. قوله: ممن كان دون الطالب، لابد أن يكون الآمر أعلى من المأمور. لكن هذه العبارة التي ذكرها المؤلف ليست محررة؛ لأن قوله: ممن كان دون الطالب، معنى أنه يكون الآمر أعلى والطالب أدنى. لكن قد يحصل العكس؛ قد يحصل مثلًا أن الأدنى يأمر الأعلى استدلالًا، أو مثلًا عقوبة يريد أن يعاقبه، أو يريد مثلًا أن يستفزه، وغير ذلك من هذه الأشياء. قد يأمره بكذا. مثلًا ما يكون مثلًا يأتي رجل سفيه ظالم يأمر رجلًا عالما يقول له: افعل كذا. هذا أمر، لكنه معنى هذا يعتبر أمرًا، وهو من الدون إلى الأعلى. وإنه يعتبر في اللغة أمرًا. لكن لهذا الأمر قال العلماء: إنه يقال على وجه الاستعلاء. على وجه الاستعلاء، لا يقال من دون الطالب، وإنما يقال على وجه الاستعلاء. أي الأمر نفسه بذاته يكون على وجه الاستعلاء، على أن الأمر أعلى من الطالب، أو الأمر أعلى من المأمور به، أو المأمور. لكنه يأمره على وجه الاستعلاء، فهذا يكون أمرًا على وجه الاستعلاء. التعريف الصحيح للأمر: أنه استدعاء فعل على وجه الاستعلاء، بصيغة معروفة أو معلومة. أنا استدعاء أمر على وجه الاستعلاء، على وجه الاستعلاء في صيغة معلومة ومخصوصة، صيغة مخصوصة أو معلومة أو معروفة. لأن الأمر هنا يكون كيف نعرف الأمر؟ نعرف الأمر بصيغته. نعرف الأمر بصيغته، الصيغة التي يتكلم بها المتكلم أو يكتب بها الكاتب. فلهذا فالصيغة مهمة. وسيأتي إن شاء الله أن الأمر له صيغة أصلية، وله أيضًا صيغة فرعية. لهذا قال المؤلف هنا: بصيغة فعل. فالوجوب حقق حيث القرينة انتفت وأطلق. فعلى هذا الأمر بصيغة افعل، هذه صيغة الأصل. أصل الصيغ في الأمر هو صيغة افعل. وليس معنى كلام المؤلف أنه ليس له صيغة إلا افعل. لا يأخذ هذا من كلام المؤلف، وإن كان كلامه يفيد الحصر بصيغة فعل. فالوجوب حقق، لكن أراد أنه أن الأمر له صيغة. صرحًا لمن قال أن الأمر ليس له صيغة. ولهذا هناك مذهب من مذاهب المتكلمين أن الأمر ليس له صيغة. بل عندهم الأمر والنهي والتمني والاستفهام وغيرها من هذه الأشياء كلها عندهم سواء. هذا كلام باطل لا يقبله لا في اللغة ولا في العقل. كيف يكون الأمر والنهي واحدًا؟ ليش هم يقولون هذا؟ يريدون أن يثبتوا قولهم أن الله عز وجل لا يتكلم، وإنما هو كلام نفسي. فإذا كان كلامًا نفسيًا، الكلام النفسي إنما يعبر عنه، فيقولون: ليس له صيغة أصلا، ليس له صيغة، وإنما يعبر عنه بالصيغ. فهذا هم الذي أرادوا أن يصلوا له. لكن هذا الكلام باطل. بل الأمر له صيغة، وهي صيغة أصلية، وهي افعل، وله صيغ فرعية. قال: فالوجوب حقق حيث القرينة انتفت وأطلق. أي إذا أطلق الأمر وانتفت القرينة التي تصرفه، فالأمر يفيد الوجوب. فالأمر للوجوب إذا أطلق، ما وجدت قرينة صارفة تصرف اللفظة عن ظاهرها، أو تصرف هذا الأمر عن ظاهره. وهذا الذي عليه أكثر الأصوليين، بخلاف من قال: إن الأمر لا يفيد الوجوب. أن الله عز وجل قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فلو أن الأمر ليس للوجوب، لما قال رب العالمين سبحانه وتعالى هذا، أو لما وعد أوعد هذا الوعيد الشديد. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». فجعل هنا فعل الأمر على الاستطاعة. وليس معنى ذلك أن الأمر ليس للوجوب، وإنما جعله الله جعله النبي صلى الله عليه وسلم على الاستطاعة. وهذا معنى أنه يجب ما لم تستطع، إذا لم تستطع فهذا لا يجب عليك. وهذا مثل قول الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. فإذا كان ليس باستطاعتك فعل ذلك، فهو ليس واجبًا عليك. أن ليس الاستطاعة هنا على وجه مثلًا الكسل، وإنما المراد بها عدم القدرة. عدم القدرة. ولهذا من شروط التكليف القدرة. أن إذا كان يستطيع على الصلاة، يستطيع على الصيام، يستطيع على الحج، فأوجب عليك. لكن إذا لم يستطيع، إذا لم يستطيع على الحج، لا يجب عليك. من استطاع إليه سبيلًا. لا يستطيع أن يصوم، لا يستطيع أن يصوم لأجل مرض، لأجل كذا، هذا لا يجب عليك. لا يستطيع أن يصلي لأجل مثلًا أنه مغمى عليه، أو لأجل أنه لا يستطيع، معنى ذهب عقله، وغير ذلك من هذه الأشياء التي إذا انتفت الاستطاعة، فإنه ينتفي الوجوب. خلاصة كلام المؤلف هنا يريد أن الأمر يفيد الوجوب إذا جاءت صيغة الوجوب. لكن متى يكون هذا؟ إذا انتفت إذا انتفت القرينة التي تصرفه عن ظاهره، فأطلق الأمر وانتفت القرينة. وهذا أدلته كثيرة كما قلنا. قاعدة الأمر يفيد الوجوب، قاعدة كلية أصولية عليها أكثر من ألف دليل. أنا أدلتها كثيرة. وأما من قال: إن الأصل في الأمر هو الاستحباب، فهذا كلام غير صحيح. وهناك بعض التفريقات من بعض كلام العلماء في هذا الشأن. فمن ذلك مثلًا يقولون: إن الأمر الأصل أنه يفيد الوجوب إذا كان في الأمور التعبدية. وأما إذا كان في الأمور العادية، لا يفيد الوجوب. وهذا الغالب أنه لا دليل عليه. هذا لا دليل عليه صريح. وإن كان الشيخ كأنه يرجح هذا القول. لكن الحق يقال: أنه لا دليل عليه. فكم من أمر جاء في العادات، وأوجبه كثير من أهل العلم. وأوجبه كثير من أهل العلم. مثل مثلًا الأكل باليمين. الأكل باليمين جاءت الأوامر به، لكن كثير من أهل العلم لا يرون الأكل باليمين واجبًا بسبب هذه القاعدة التي عندنا أن الأمر إذا كان في الأمور العادية يكون للاستحباب. لكن هذا غير صحيح. النبي صلى الله عليه وسلم رفع يد الجارية التي أرادت أن تأكل بشمالها، أو أرادت لم تسمها أيضًا دعا على ذلك الرجل الذي قال: ما أستطيع. وهذا يدل على الوجوب. أن لو كان الأمر عاديًا لما دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم. لما قال له: كل بيمينك. قال: لا أستطيع. قال: لا استطعت. فما منعه إلا الكبر. فلو كان الأمر عاديًا لما دعا عليه النبي عليه الصلاة والسلام. أنا أمر استحباب إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل. فلهذا فهذه القاعدة على إطلاقها ليست صحيحة. وإنما إذا دلت قرينة على ذلك، من سياق الحديث، من سياق كذا، ممكن من قواعد أخرى تصرف اللفظ هذا عن ظاهره. والحق يقال: أن أحيانًا ما تجد هناك صارف صريح، ما تجد صارف صريح في الأمر. لكن أيضًا فوق هذا ما تجد من يقول بالوجوب بمسائل كثيرة. بل تجد كثيرًا منهم من يصرح بالإباحة مثلًا أو بالاستحباب. وهذا قد يخرج عن هذه القاعدة. ولهذا الشخص يستنبط هذا القول. مثل هذه الأمور مثلًا الآن لبس النعل مثلًا. لبس النعل لبس النعل اليمنى قبل اليسرى، هذا فيه أوامر أيضًا. كذلك لبس النعل. معنى جاء النهي عن لبس النعل قائمًا. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس النعل قائمًا. لكن هذا الحديث حمله كثير من العلماء على الإرشاد. على الإرشاد؛ لأن جاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه لبس نعله قائمًا. وهكذا إذا كان هناك صارفًا صرف هذا الوجوب. أيضًا الأمر في لبس النعل جاءت بعض الأوامر في لبس النعل. لكن جاءت أحاديث أخرى بجواز الاحتفاء. بل قال بعض الصحابة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالاحتفاء. أحيانًا يأمرنا بالاحتفاء. الاحتفاء معناها ترك النعل، ترك لباس النعل. وجاء في الحديث: «انتعلوا؛ فإنه لا يزال الرجل راكبًا ما تعل». فهذه الأوامر تحمل على الاستحباب. لكن دلت الأدلة على الاستحباب. لكن كما قلنا بعض الأشياء لم يأت فيها دليل على صرف الأمر صرف الأمر عن ظاهره. ليس هناك ما يدل على ذلك. أيضًا كذلك النهي فيحمله كثير من العلماء على الكراهة. وليس هناك دليل يصرف اللفظ أو يصرف النهي عن ظاهره. فلهذا في الأولى للإنسان أن يكون مع العلماء. الأصل أنه على القاعدة أن الأمر يفيد الوجوب. لكن إذا رأى أن العلماء خرجوا عن هذه القاعدة، وإن كان لم يتبين له صريحًا، فقال بعض العلماء قد يكون ليس صريحًا. لكنه لو تفكر الشخص واستنبط، لا رأى كلام العلماء صحيحًا، أو أنهم يخرجون عن هذه القاعدة أحيانًا.