08 تفسير سورة قريش من التفسير الميسر

الدرس في 08 تفسير سورة قريش من التفسير الميسر، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير سورة قريش وبيان نعم الله على قريش

يفسر هذا الفصل سورة قريش ويبين نعم الله على قريش بإيلافهم رحلات التجارة وإطعامهم من جوع وأمنهم من خوف. يشير إلى أن شكر هذه النعم يكون بعبادة رب العزة سبحانه وتعالى.

نعم الله على قريش ووجوب شكرها

يذكر هذا الفصل نعم الله على قريش بإيلافهم رحلات التجارة وإطعامهم من جوع وأمنهم من خوف، ويبين أن شكر هذه النعم يكون بعبادة الله وطاعته. يشير إلى أن الله يعد النعم ويدكر بها لعباده.

اصطفاء الله لقريش وفضلهم

يشرح هذا الفصل اصطفاء الله لقريش وفضلهم، حيث يبين أن الله اصطفاهم ليزدادوا طاعته ويعبدوه. يشير إلى أن الاصطفاء يمنحهم مكانة بين الناس ويزيدهم قربًا من الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال هو -ألف رحمه الله تعالى- عند قول الله جل وعلا: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، فهذه السورة سورة مكية، يذكر الله عز وجل فيها قريش بنعمة أو بنعمتين أو ثلاث، أولًا اعتيادهم الرحلة، ثم إطعامهم من جوع، وأيضًا العمل الذي وجدوه، فهذه النعمة أو هذه النعمة تحتاج إلى شكر، وشكرها هو عبادة رب العزة سبحانه وتعالى: «فليعبدوا رب هذا البيت». قال المؤلف رحمه الله: «أعجبوا لإلف قريش وأمنهم واستقامة مصالحهم وانتظام رحلتيهم في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام وتيسير ذلك لجلب ما يحتاجون إليه». ولإلف قريش أي لإتلافهم، هذا التفسير خاصة من جعل سورة قريش مرتبطة بالفيل، فذكرهم الله عز وجل أولًا بحادثة الفيل التي حصلت، وكيف فعل الله عز وجل بهم، ومن ذلك أو من تلك الحادثة أصبحت هناك أشياء كثيرة تحصلت عليها قريش، وهم سكان الحرم، فأول شيء أن هذا العمر جعل قريش ترتص وتتآلف وتتقوى بعد أن كانوا قد تفرقوا وتشتتوا في الجبال وفي غيرها من الأماكن، هربًا من أبرهة وجيشه. فلما أهلكهم الله اعتلفت قريش وتقوت؛ لأنهم أهل الحرب. وأيضًا صارت لهم مكانة عند العرب، ولهذا سيأتي هذا الأمن الذي لقوه بعد ذلك، ليس أمنًا فقط في بلادهم، بل أمنًا حتى في أسفارهم، فإن الناس بعد تلك الحادثة وقروا قريشًا وهابوهم وعظموهم، حتى إن الرجل يكون شاطرًا أو يكون قاطعًا للطريق، فإذا عرف أن هؤلاء من أهل قريش وأهل الحرب لا يستطيع أن يكلمهم، هذا أمنًا عظيمًا جعله الله لأهل قريش. فقوله: «لإيلاف قريش» أي لإتلاف، أو يقال لإيلاف قريش أي أنهم تجمعوا لأجل رحلتهم رحلة الشتاء والصيف، فجعل الله عز وجل إلفهم وأيضًا قوتهم في هذه الرحلات، فألف بينهم في رحلتيهم رحلة الشتاء والصيف وجمعهم؛ لأن الإلاف هو الجمع، فجمعهم على ذلك. وفسرها بعض العلماء وأهل التفسير على أن إلافهم أي عودهم وألفهم هذه الرحلة، وهذا من نعمة الله عز وجل عليهم. «لإيلاف قريش» أي جمعهم وكذلك عودهم رحلة الشتاء والصيف لأجل أن يأتوا ببضائع إلى بلادهم، فهذا التعليف وهذا التعويد هي نعمة من الله عز وجل أنه فتح لهم الطرق، يرحل الواحد منهم إلى الشام، إلى فلسطين، وكذلك في الصيف يرحلون إلى اليمن، يأخذون منها البضائع وأيضًا ما عند أهل اليمن، فهذه نعمة أنعم الله عز وجل بها على قريش. وقريش لها فضائل عظيمة، ومن تلك الفضائل أن الله عز وجل اصطفاها من كنانة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»، النبي عليه الصلاة والسلام خيار ابن خيار ابن خيار، فكان أشرف قبيلة عند الناس وعند العرب قبيلة قريش؛ لأنهم أهل الحرب، فلهذا كانت لها الفضائل العظيمة. وليس هذا في ذكر فضائلها، فإنما هذا متعلق بهذا، أنا متعلق بذكر فضائلها بشيء من ذكر فضائلها والمكانة التي جعلها الله عز وجل لأهل قريش. فما هو الجزاء؟ قال: «فليعبدوا رب هذا البيت»، هذا شكر لنعمة الله عز وجل عليهم أن يعبدوا رب هذا البيت الذي من أجله يعظموا، ومن أجله رفعوا عند الناس، ووقرهم الناس، وجعلت لهم المكانة، فهذا لأجل هذا البيت العظيم الذي حماه الله، فصار الناس يعظمون أهل الحرم، فبدل أن تعظموهم فقط، أعبدوا الله، أعبدوا رب هذا البيت؛ فهو صاحب النعمة، وهو الذي جعل لكم هذه الأمور. فقال: «فليعبدوا رب هذا البيت»، قال: فليشكروا وليعبدوا رب هذا البيت الذي يعتزون به، وهو الكعبة، وبسببه نالوا الشرف والرفعة، وليوحدوه ويخلصوا له العبادة. وقوله جل وعلا: «الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف»، الذي أطعمهم من جوع شديد، وآمنهم من فزع وخوف عظيم، هذا الخوف قيل: إنه المراد من يقول إن السورتين مرتبطتين، هذا الخوف هو ما حصل لهم من هذا الطاغية الحبشي الذي أراد أن يغزو الكعبة، فدمره الله وأهلكه، ولم تقم له بعد ذلك قائمة، حتى إنه يقال إن ولده بعده أسلم. قال: «الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف»، إن الله عز وجل يمتن أيضًا بنعمة عظيمة فوق أمن قريش واجتماعهم وإتلافهم، وما يحصل من الخير في رحلتهم في الشتاء والصيف، وما يحصل من تعظيم الناس لهم ووقارهم وأمن الطريق أيضًا، كذلك أنه أطعمهم من جوع، يسر لهم هذه الأطعمة التي يأتون بها من بلاد بعيدة. وأيضًا جعل لهم مواسم وأسواقًا، كانت مكة تعتبر موسمًا وسوقًا للناس، يأتون ويجلبون فيها البضائع في عكاظ وذي المجاز وذي المجنة، هذه أسواق كانت للعرب يأتون بها في مواسم الحج، وكذلك في مواسم العمرة، فهي أسواق طول العام، ويأتي ويجلب الناس فيها بالبضائع، ولهذا حصلت هذه رحلة الشتاء والصيف لأجل جلب هذه البضائع إلى هذه الأسواق، فأطعمهم بعد أن كانوا جياعًا، وأمنهم بعد أن كانوا على خوف عظيم، فصاروا أهل أمن، سواء كان في الحرم، أمنهم في الحرب، كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾، أي إن من حول الحرم الناس يقتلون ويغتالون، وتحصل بينهم الحروب، لكن إذا دخلوا الحرم لا يستطيع أحد أن يكلم الآخر، حتى إن الرجل ليلقى قاتل أبيه فلا يكلمه، وهذا من الأمن الذي جعله الله في مكة، حرسها الله، فلهذا ذكر الله عز وجل قريشًا بهذه النعم العظيمة، وشكر هذه النعم أن يعبدوه سبحانه وتعالى. فربنا جل وعلا يعد النعم ويدكر بها، ويدكر أيضًا بعبادته وطاعته، قال الله عز وجل لموسى: ﴿يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، هذا الاصطفاء يحتاج إلى شكر عظيم، ومن شكر الله عز وجل له، قال: «فخذ ما آتيتك» أي من التوراة، وعلم الناس هذا الكتاب الذي أعطيتك إياه. وقال أيضًا الله عز وجل لمريم: ﴿يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ * يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، إن هذا الاصطفاء نعمة عظيمة تحتاج إلى شكر، ولهذا شكرها قنوتك ودوام طاعتك لله جل وعلا. فلهذا فإن ربنا جل وعلا من نعمه أنه يصطفي بعض الناس، يفضلهم ويجعل لهم مكانة بين الناس، وليس ذلك إلا لأجل أن يعبدوه جل وعلا ويزدادوا في طاعته سبحانه وتعالى، فهذا خلاصة ما يذكر في هذه السورة، فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.