كتاب الطهارة 5

كتاب الطهارة 5

الدرس في كتاب الطهارة 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح حديث عقبة بن عامر حول فضل الوضوء والصلاة

المقطع يشرح حديثين نبويين حول فضل الوضوء والصلاة، حيث يبين النبي صلى الله عليه وسلم فضل من يتوضأ ويصلي ركعتين أو يذكر الله بعد الوضوء. كما يتطرق المقطع إلى شرح بعض مصطلحات الرواية وشرح حال بعض الرواة.

فضل الوضوء وصلاة ركعتين بعده وإحسان الوضوء

ذكر حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن من توضأ وأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين بقلب حاضر وجبت له الجنة إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع. وشرح معنى إحسان الوضوء وإقبال القلب على الصلاة.

الدعاء بعد الوضوء وأثره على دخول الجنة

الدعاء بعد الوضوء يفتح أبواب الجنة، والعمل الصالح يرجى به دخول الجنة، لكن لا يجزم لأحد بالجنة إلا بشهادة الله أو رسوله. ويستحب أن يقول المسلم بعد الوضوء أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

التفريغ النصي الكامل

الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام أهل الحديث، الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله: حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وهو إمام من أئمة الجرح والتعديل، كان يقول: لأن يكون الناس خصمي يوم القيامة أحب إلي من أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم خصمي، يقول: لما لم تذب عن سنتي. ومعنى هذا أنه كان يتكلم في الرجال دفاعًا عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وحفاظًا لدينه من أن يدخل فيه ما ليس منه. وليس كلام أهل العلم في الرجال تشفيًا أو تشهيًا، وإنما قربة إلى الله جل وعلا، ودفاعًا عن دينه، وكذلك حفظًا من دخول شيء ليس منه، أو كذلك أيضًا من اقتراف الناس بالمتكلم فيه. فكما قال بعض أهل العلم: كلام العالم في الرجل فيه فائدة له، وفائدة لغيره. أما الفائدة التي له فهو التخفيف عنه من الذنوب، من ذنوب المغترين به والمتبعين له على باطل. فلما يتكلم فيه ويحذر منه ويقل أتباعه، هذا تخفيف من الذنوب التي يتحملها بمن تبعه على باطل. والفائدة الثانية هي تحذير الناس من الاغترار به. قال رحمه الله: حدثنا معاوية بن صالح عن ربيعة -يعني ابن يزيد- عن أبي إدريس الخولاني، وهو عائذ الله بن عبد الله، عن عقبة بن عامر. حاء، ما معنى حاء؟ تحويل السند أو اختصار الحديث أو صح الحديث؟ لا، اختصار حدثنا. أما يكون بمعنى تحويل السند أو اختصار الحديث أو اختصار حدثنا، ويعرف ذلك على حسب استعمالها في الجملة. فإن كان ذكرها بعد أن يقول: قال رسول الله، حاء يعني الحديث. وإذا حول السند بأن روى عن بعض مشايخ الآخرين، فهذا تحويل السند. وإن ذكرها في أثناء الرواية، رواية تلميذ عن شيخه، فقال حاء، معنى اختصار حدثنا. قال: وحدثني أبو عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة بن عامر، قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا يحدث الناس، فأدركت من قوله: ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة. قال: فقلت: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود. فنظرت فإذا عمر، قال: إني قد رأيتك جئت آنفًا. قال: ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. قال رحمه الله: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، واسمه عبد الله بن محمد بن إبراهيم. صح، أبو بكر بن أبي شيبة، اسمه عبد الله بن محمد بن إبراهيم، أخوه أو أخوه، اسمهما عثمان والقاسم. عثمان، ما حاله؟ ثقة من رجال البخاري ومسلم، والقاسم ضعيف. قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن جبير بن نوفير بن مالك الحضرمي عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فذكر مثله، غير أنه قال: من توضأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. هذا الحديث حديث عمر رضي الله عنه، ذكر عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه أنه كان عليهم رعاية الإبل، فجاءت نوبتي. ومعنى هذا أنهم كانوا يتناوبون في رعاية الإبل، يجتمع الجماعة ممن عندهم إبل فيجعلون كل يوم عند واحد يقوم برعايتها. فجاء اليوم الذي عند عقبة رضي الله عنه، فروحها بعشي -يعني رجع من رعايتها في آخر النهار أو وسط النهار- قال: فأدركت رسول الله قائمًا يحدث الناس، فأدركت من قوله -يعني مما سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام- ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة. ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، مر معنى أن إحسان الوضوء يكون بالإتيان بالواجب والمستحب، فيعطي كل عضو حقه من الغسل مع الإتيان بمستحبات وآداب الوضوء. قال: ثم يقوم فيصلي ركعتين -يعني بعد أن يتوضأ وضوءًا تامًا كاملًا قد أحسن فيه- يقوم فيصلي ركعتين بعده، مقبل عليهما بقلبه ووجهه -يعني يصليهما بخشوع وحضور قلب، بخشوع وحضور قلب، مقبل عليهما بقلبه ووجهه، بقلبه ويكون الخشوع، ووجهه ويكون الخضوع والذل لله سبحانه وتعالى- والمعنى أنه يصليها بحضور قلب، متأملًا لما يقول وما يقرأ وما يفعل. قال: إلا وجبت له الجنة. وقوله: إلا وجبت له الجنة، قد يقول: قال -يعني إذا صلى هذه الصلاة على هذا الوصف يكون له الجنة وإن فعل ما فعل-. الجواب: لا، هذا الحديث وما كان مثله مما فيه أن من فعل كذا وكذا فله الجنة، هذا محمول على أنه إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع. إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع فإن الأحكام التي وردت بأن من فعل كذا وكذا فله الجنة، ونحو ذلك من الثواب والأجر، هذه متعلقة بوجود الشروط وانتفاء الموانع. أما إذا وجد مانع فإن لا يتحقق هذا الحكم وهذا الأجر. فمن صلى هذه الصلاة على هذا الوصف وهو يشرك في عبادة الله ما نفعته؛ لأن هذا مانع من موانع قبول العمل. وكذلك أيضًا من تحقق هذا الأجر والحكم الذي ذكر في هذا الحديث، وقس على ذلك في سائر الأحاديث التي هي نحو هذا الحديث، فلا يتحقق ما فيها إلا بتوفر الشروط وانتفاء الموانع. قال: فقلت: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود. قال: فنظرت فإذا عمر -أي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه- فقال: إني قد رأيتك جئت آنفًا. قال: قال -ما منكم من أحد- أي قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء. إسباغ الوضوء أيضًا إعطاء كل عضو حقه من الغسل. قال: ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء -أي أنه إذا قال هذا الذكر بعد أن يسبغ الوضوء وينتهي منه كان له هذا الأجر العظيم فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء- ومعنى هذا أنه من أهل الجنة. ومعنى هذا أنه من أهل الجنة وأن هذا العمل من الأعمال التي تدخله الجنة، وهذا كما سبق إلى توفر الشروط وانتفت الموانع. ففي هذا الحديث أن الإنسان ربما يفوته شيء من العلم بسبب انشغاله بأمر من الأمور المباحة من العمل أو التكسب أو طلب الرزق أو نحو ذلك. فقد يفوته شيء من العلم الذي يدركه غيره ويسمعه غيره. فعقبة رضي الله عنه فاته هذا الحديث ما سمعه من نبي عليه الصلاة والسلام وإنما سمعه من عمر رضي الله تعالى عنه بسبب انشغاله برعاية الإبل، بخلاف من كان متفرغًا تفرغًا كاملًا فإنه ربما يدرك من العلم ما هو أكثر من غيره ممن يكون عنده شيء من المشاغل والأعمال. وفيه كذلك أيضًا فضيلة إحسان الوضوء، وصلاة ركعتين بعده، أن ذلك من أسباب دخول الجنة إذا صلاها بحضور قلب، وكذلك أيضًا بخشوع القلب وخضوع الجوارح. وفيه كذلك أيضًا استحباب الاتيان بهذا الذكر بعد الوضوء: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله، فإنه إذا قال ذلك بعد إسباغ الوضوء فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. وجاء عند الترمذي زيادة على ما ورد في هذا الحديث أن يقول: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، وحسنها بعض أهل العلم، الشيخ الألباني رحمه الله، وإن كان بعض أهل العلم يضعفها. وهكذا أيضًا زيادة على هذا أيضًا مما يستحب أن يقوله المسلم بعد الوضوء ما جاء عند الإمام النسائي في قوله عليه الصلاة والسلام بعد الفراغ من الوضوء: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك وأتوب إليك. هذا أيضًا مما يستحب الاتيان به بعد الوضوء. فيكون أكمل الدعاء أن تأتي بهذا الدعاء: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك وأتوب إليك. وهذه الزيادة أو الدعاء الذي عند الإمام النسائي صححه الشيخ الألباني رحمه الله، فيكون هذا من أكمل ما يقوله المسلم بعد الفراغ من الوضوء. وفي هذا الحديث كذلك بيان أن الجنة لها أبواب، دليل على أن الجنة لها أبواب، قال: إلا فتحت له أبواب الجنة. وأن أبوابها ثمانية، وأن أبوابها ثمانية. وفيه كذلك أيضًا دليل على وجود الجنة، وأن الجنة موجودة ومخلوقة الآن كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، خلافًا لمن أنكر ذلك كالمعتزلة وغيرهم. كما يدل على ذلك هذا الحديث: إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية -يعني بعد أن يأتي بهذا الدعاء الذي يقوله بعد الفراغ من الوضوء فتحت له أبواب الجنة الثمانية- يعني في هذا الوقت وفي ذلك الحين. معنى أنها موجودة الآن ومخلوقة، وأبوابها تفتح لمن أتى بهذا الدعاء بعد إسباغ الوضوء، وهذا دليل ظاهر على وجودها. وكذلك أيضًا فيه أن المسلم ينال هذه الفضيلة العظيمة، ومع ذلك فلا يجزم له بالجنة، لا يجزم له بأنه من أهل الجنة، لكن هذا العمل مما يرجى له به دخول الجنة. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم لا يشهدون لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد له الله جل وعلا أو رسوله، لكن يرجون للمحسن ويخافون على المسيء. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.