الدرس في كتاب الطهارة 30، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل كيفية التعامل مع المني إذا أصاب ثوب المصلي، حيث كانت عائشة تفركه من ثوب النبي ﷺ ويصلي فيه بعد ذلك. يُظهر الحديث أن غسل مكان المني يكفي.
يتناول هذا الفصل اختلاف أهل العلم في طهارة المني، حيث يرى البعض نجاسته والبعض الآخر طهارته استنادًا إلى روايات عن عائشة. يُستدل على طهارة المني بفركه من ثوب النبي ﷺ.
يوجب المني الغسل إذا خرج بشهوة ولذة وتدفق، ويختلف الحكم بحسب الحالات المختلفة لنزوله. غسل الثوب من المني يكون من باب النظافة.
يتضمن هذا الفصل الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام، ويقرن ذلك بالتأكيد على علم الله تعالى. يُنهي العبارة بالصلاة عليه وعلى آله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري الخشيري رحمه الله: حدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي، قال: أخبرنا خالد بن عبد الله، وهو الواسطي الطحان، عن خالد، وهو الحذاء، خالد بن مهران أبو المنازل -قيل له الحذاء ليس لأجل صناعة الحذاء، إنما كان يجلس عند من يصنعها فلقب بالحذاء- قال: عن أبي معشر، وهو زياد بن كليب التميمي، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، أن رجلًا نزل بعائشة، أصبح يغسل ثوبًا، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته -يعني إن رأيت المني- أن تغسل مكانه، فإن لم ترَ نضحت حوله. ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا، فيصلي فيه. قالوا: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: حدثنا أبي عن الأعمش سليمان، المهراني أبو محمد الكوفي، عن إبراهيم، عن الأسود، وهمام، عن عائشة في المني، قالت: كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ. قالوا: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا حماد، عن ابن زيد، عن هشام بن حسان. وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبدة بن سليمان، قال: حدثنا ابن أبي عروبة، جميعًا، أن أبا معشر... وحدثنا... -يعني تحويل السند، لأن أبا بكر بن أبي شيبة من مشايخ الإمام مسلم، فهو الآن يذكر هذا الحديث من طرق أخرى ومن مشايخ آخرين، قتيبة بن سعيد من مشايخه، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي من مشايخه- وهكذا أيضًا أبو بكر بن أبي شيبة. قالوا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة. وحدثني محمد بن حاتم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مهدي بن ميمون، عن واصل الأحدب. وحدثني ابن حاتم، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا إسرائيل، عن منصور ومغيرة -كل هؤلاء عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة في حديث مني من ثوب رسول الله ﷺ، نحو حديث خالد، عن أبي معشر-. كل هؤلاء عن إبراهيم -من هؤلاء هشام بن حسان، وأبو معشر، ومغيرة، وواصل الأحدب- نعم، كل هؤلاء رووا عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. هذا يسمى ماذا عند أهل الحديث؟ متابعة تامة. لماذا؟ لأنهم تتابعوا من روى عن إبراهيم، كلهم يتابعون بعضهم بعضًا في الرواية عن إبراهيم -يعني عن شيخ واحد- وإذا كانت المتابعة في الشيخ نفسه، فهذا يسمى متابعة تامة. قالوا: حدثني محمد بن حاتم، قال: حدثنا معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة بنحو حديثهم. قالوا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن بشر، عن عمر بن ميمون، قال: سألت سليمان بن يسار عن المني يصيب ثوب الرجل، أيغسله أم يغسل الثوب؟ قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه. قالوا: حدثنا أبو كامل الجحدري، قال: حدثنا عبد الواحد -يعني ابن زياد-. وحدثنا أبو كريب، قال: أخبرنا المبارك -هو عبد الله أبو المبارك الإمام الفقيه المجاهد المحدث العابد- رحمه الله. قيل فيه: لم يفقه الصحابة رضي الله عنهم إلا بشرف الصحبة، لما كان عنده من أعمال عظيمة من عبادة وعلم وجهاد ونفقة وصدقة. كان ينفق على كثير من أهل الحديث، ويقول: لولا أنتم لما اتجرت. وكان ذاكرًا عظيمًا، ربما أخذ أهل مجلس كثيرًا منهم إلى الحج في نفقته، ينفق عليهم في ذهابهم وفي مأكلهم وفي مرجعهم، رحمه الله. قال: وابن أبي زائدة، كلهم عن عمر بن ميمون بهذا الإسناد. أما ابن أبي زائدة، فحديثه كما قال ابن بشر: أن رسول الله ﷺ كان يغسل المني. وأما ابن المبارك وعبد الواحد، في حديثهما: قالت: كنت أغسله من ثوب رسول الله ﷺ. قال: وحدثنا أحمد بن جواس الحنفي أبو عاصم، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن شبيب بن غرقدة، عن عبد الله بن شهاب الخولاني، قال: كنت نازلًا على عائشة، فاحتلمت في ثوبي، فغسلته بما في الماء، فرأتني جارية لعائشة، فأخبرتها، فبعثت إلي عائشة، فقالت: ما حملك على ما صنعت بثوبيك؟ قلت: رأيت ما يرى النائم في منامه. قالت: هل رأيت فيهما شيئًا؟ قلت: لا. قالت: فلو رأيت شيئًا غسلته. لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفره. هذا الحديث في رواياته فيه بيان حكم المني. والمني: الماء الذي يخرج من الرجل بتدفق وشهوة ولذة، ويعقبه فتور، ويخرج عند الجماع أو عند الاحتلام. والماء الذي يخرج من الرجل على أربعة أقسام: البول، والمذي، والودي، والمني. البول معروف، وهو نجس. والودي: هو ماء أبيض يخرج بعد البول، وهو أيضًا نجس. والمذي: ماء رقيق يخرج عند التفكير بالشهوة أو عند المداعبة، وهو كذلك نجس؛ لأمر النبي ﷺ بغسله في حديث علي رضي الله عنه. والرابع هو المني، وهو كما سمعنا وصفه: ماء أبيض غليظ، وله رائحة كرائحة الطلع -طلع النخل-. وفي هذا الحديث عائشة رضي الله عنها أخبرت أن النبي ﷺ كان يصيبه المني في ثوبه. في بعض الروايات: أنه كان يغسله. وفي بعضها: أنها كانت تفركه فركًا -تفركه بمعنى تدركه بأصابعها-. وهذا إذا كان يابسًا، فإنه يفرك. وإذا كان رطبًا، فإنه يغسل. واختلف أهل العلم في حكم المني: هل هو طاهر أم نجس؟ فذهب الإمام مالك وأبو حنيفة إلى نجاسة المني، واستدلوا بهذه الرواية التي فيها الغسل. وذهب الإمام أحمد رحمه الله والإمام الشافعي، وقول جماعة كثير من أهل الحديث، إلى طهارة المني وأنه طاهر. وهذا هو الصحيح؛ واستدلوا بالروايات التي فيها فركه: «كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا، فيصلي فيه». ولو كان نجسًا لم يكتفَ فيه بالفرك، لو كان نجسًا لوجب غسله بالماء. فلما اكتفي بإزالته بالفرك، دل هذا على أنه ليس بنجس. وأما غسل الموضع الذي أصابه المني من الثوب -كما في الرواية الأخرى- فهذا من باب النظافة، كما يغسل الثوب من المخاط والبزاق، وهي طاهرة باتفاق. إنما تغسل من باب النظافة. كذلك أيضًا يغسل الثوب من المني إذا كان رطبًا من باب النظافة، ليس من باب إزالة النجاسة. وأما بالنسبة للغسل، فإن نزول المني يوجب الغسل، بخلاف البول والمذي والودي، هذه ثلاثة توجب الوضوء. أما المني، فهو الوحيد الذي يوجب الغسل إذا خرج بالوصف المذكور: بشهوة ولذة وتدفق، وعقبه فتور، فإنه يجب الغسل بعده. قول النبي ﷺ: «إنما الماء من الماء». لكن لنزول المني أحوال، ممكن نجعلها في ثلاثة أحوال. الحالة الأولى: أن يحتلم ويرى الماء، يحتلم في منامه ويرى بعد ذلك المني، فهذا يجب عليه الغسل باتفاق. والحالة الثانية: أن يحتلم ولا يرى الماء، يحتلم في منامه، فيقوم، ليس هناك أي أثر للمني، فهذا لا يجب عليه الغسل اتفاقًا. والحالة الثالثة: أن يرى الماء ولا يذكر احتلامًا، أن يرى الماء ولا يذكر احتلامًا، هذا فيه الخلاف: هل يجب عليه الغسل في هذه الحالة أم لا؟ والصواب فيها التفصيل: إن كان في هذا الماء صفات المني، وجب عليه الغسل. وأما إن كان صفاته ليست كصفات المني، فإنه لا يجب عليه الغسل. فالعبرة بنزول الماء، ليس به الاحتلام. قد يحتلم الإنسان، لكن ما يجد ماءً، ولا يرى شيئًا من المني، هذا لا يجب عليه الغسل. لكن إذا رأى الماء، وإن لم يذكر احتلامًا، وهو متأكد أن هذا الماء مني، واجب عليه أن يغتسل؛ لقول النبي ﷺ: «إنما الماء من الماء». وأدل عليه أيضًا قول عائشة رضي الله عنها لهذا الرجل حين غسل ثوبيه: «فلما سألته، قال: رأيت ما يرى النائم في منامه -يعني من احتلامه- قالت: هل رأيت فيهما شيئًا؟ -يعني في ثوبيك- قال: قلت: لا. قالت: فلو رأيت شيئًا غسلته -لو رأيت شيئًا غسلته- معنى ذلك: إذا لم ترَ شيئًا، لا يلزمك غسل الثوب. وتطهير الثوب أو تنظيفه على هذا التفصيل، كذلك إن كان رطبًا فإنه يغسل، وإن كان يابسًا فإنه يفرك، ويصلي فيه. فالثوب طاهر، الثوب الذي يصيبه المني طاهر. وهذا في السابق كان الغالب أن الواحد ما يجد إلا ثوبًا واحدًا، أو قد يحصل ذلك للإنسان إذا كان في سفر أو شيء من ذلك. فعلى هذا التفصيل: إن كان رطبًا غسله، وإن كان يابسًا فركه، وصلى فيه. وأما إن كان عنده أكثر من ثوب، الأمر بهذا واسع. حالة رابعة: لا احتلام ولا ماء، هذا ما عليه شيء. تذكر احتلامه ولم يرَ الماء، ما عليه شيء. العبرة بوجود الماء. ومن مرب الذي يخرج منه المني لمرض أو برد أو حمل ثقيل، هذا يجب عليه الوضوء؛ يجب عليه الوضوء، لا يجب عليه الغسل؛ لأنه لا يخرج بهذا الوصف: بشهوة ولذة وتدفق، إنما يخرج بغير شعور، فهذا يجب الوضوء في هذه الحال. والله تعالى أعلم. صلى الله عليه وسلم، ونبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.