كتاب المساجد ومواضع الصلاة 97

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 97

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 97، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح حديث أبي قتادة في نعاس النبي على راحلته

يروي أبو قتادة كيف نعس النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات على راحلته وكاد يسقط، فدعمه دون إيقاظه حتى اعتدل. يبين المحدث أسانيد الحديث وآداب التعرف بالكنية.

قصة نوم النبي وأصحابه عن صلاة الفجر وحكم التفريط

نام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى طلعت الشمس، فصلوا الفجر بعد الاستيقاظ ووضح النبي أن النوم ليس تفريطاً. دعا النبي لأبي قتادة بالحفظ لمتابعته الليل.

حكم ترك الصلاة ناسياً أو نائماً وأوقات الصلوات

من نام عن الصلاة بغير تعمد فهو معذور، ووقت العشاء ينتهي بنصف الليل، وقضاء الفائتة يكون عند الاستيقاظ. يوضح المقطع أحكام قضاء الصلوات الفائتة.

خاتمة المجلس والصلاة على النبي

يختتم المتحدث المجلس بالوقوف عند هذا الحد ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه. دعاء ختامي للمجلس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: وهذا حديث طويل، ولهذا سنقرأه ونعلق عليه مباشرة. قال: وحدثنا شيبان بن فروخ، وهو محمد الأيلي البصري، قال: حدثنا سليمان، يعني ابن المغيرة، وهو القيسي أبو سعيد البصري. قال ابن معين: فيه ثقة ثقة. وقال شعبة: هو سيد أهل البصرة. وقد أخرج له البخاري مقروناً وتعليقاً. قال: حدثنا ثابت، وهو ابن أسلم البناني أبو محمد البصري، كان من عباد أهل البصرة، بل قيل: لم يكن في زمنه أعبد منه. قال الذهبي: كان رأساً في العلم والعمل، وهو من أثبت الناس في أنس رضي الله عنه، وكان أنس يثني عليه، يقول: إن ثابتاً من مفاتيح الخير. وقد ذكره ابن عدي في كتابه الكامل في الضعفاء، واعتذر بأنه رويت عنه بعض الأحاديث المنكرة، وكان السبب في ذلك هو من بعض الرواة الضعفاء الذين رووا عن ثابت، وليس النكار من جهة ثابت رحمه الله. قال: عن عبد الله بن رباح، وهو أنصاري أيضاً أبو خالد، عن أبي قتادة، وهو الحارث بن ربعي الأنصاري على المشهور، مختلف في اسمه، وهذا هو الأشهر أنه الحارث بن ربعي، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شهد أحداً وما بعدها. قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم، وتأتون الماء إن شاء الله غداً». وهذا فيه علم من علامات نبوته عليه الصلاة والسلام، إذ أخبر بذلك وحصل كما أخبر عليه الصلاة والسلام، وسيأتي أنهم مشوا ووصلوا إلى هذا الماء الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد، يعني لا يلتفت أحد إلى أحد. قال أبو قتادة: فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير حتى بهر الليل، يعني انتصف، وأنا إلى جنبه. قال: فنعس رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنعاس بدايات النوم أو أول ما يسقط النوم على الإنسان يبدأ بالنعاس. قال: فمال عن راحلته، مال يعني إلى أحد جانبيه وهو ناعس، يكاد أن يسقط. قال: فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل. دعمته يعني أنه أمسك النبي عليه الصلاة والسلام واستند به حتى أقامه، كالدعامة التي تكون تحت الجدار الذي يخاف منه السقوط، والمعنى أنه أقام النبي عليه الصلاة والسلام حتى اعتدل على راحلته. قال: من غير أن أوقظه، يعني من نومه ومن نعاسه. قال: حتى اعتدل على راحلته. قال: ثم سار حتى تهور الليل، يعني ذهب أكثر الليل. قال: مال عن راحلته. قال: فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته. قال: ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر، مال ميلة هي أشد من الميلتين الأوليين، حتى كاد ينجفل، يعني يسقط. قال: فأتيته فدعمته، فرفع رأسه فقال: «من هذا؟» قلت: أبو قتادة. وهذا فيه أن من سئل: من هذا؟ إذا رأى إنساناً شخصاً مثلاً في الليل، أو إذا طرق عليه الباب فقال: من؟ فإنه يذكر اسمه أو كنيته إذا كان مشهوراً بها، فيقول: أنا فلان، أو أبو فلان. ما يقول: أنا، أنا، ما تميز، ما تميزك عن غيرك، لكن تذكر اسمك أو كنيتك. قال: قلت: أبو قتادة. قال: «متى كان هذا مسيرك مني؟» قال: قلت: ما زال هذا مسيري منذ الليلة. قال: «حفظك الله بما حفظت به نبيه». وهذه فضيلة لأبي قتادة أن دعا له النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الدعوة، أن يحفظه الله جل وعلا، وهذا من باب المجازاة والمكافأة لكونه طول الليل وهو يراقب النبي عليه الصلاة والسلام، وحفظ النبي صلى الله عليه وسلم من السقوط عن راحلته، فكافأه النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الدعاء، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه». قال: ثم قال: «هل ترانا نخفى على الناس؟» ثم قال: «هل ترى من أحد؟» قلت: هذا راكب. ثم قلت: هذا راكب آخر، حتى اجتمعنا، فكنا سبعة ركب، والركب جمع راكب، كالصحب جمع صاحب. قال: فما لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطريق، فوضع رأسه، ثم قال: «احفظوا علينا صلاتنا»، يعني صلاة الصبح، أي راقبوا الوقت وانتبهوا ألا يضيع علينا وقت الصلاة. قال: فكان أول من استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشمس في ظهره، يعني أيقظه حرارة الشمس. قال: فقمنا فزعين، فقال: «اركبوا». فركبنا، فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل، ثم دعا بميضاء كانت معي فيها شيء من ماء. الميضاء: الوعاء أو الإناء الذي يتوضأ به. قال: فتوضأ منها وضوءاً دون وضوء، يعني وضوءاً خفيفاً مع إسباغ الوضوء. قال: وبقي فيها من ماء. ثم قال لأبي قتادة: «احفظ علينا ميضأتك، فسيكون لها نبأ»، يعني سيكون لها شأن وخبر، وكان الأمر كذلك كما ذكر الإمام النووي رحمه الله. قال: ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم صلى الغداة. وهذا فيه أن الصلاة الفائتة بنوم أو نسيان يشرع الأذان لها، يشرع الأذان لها، وأيضاً يشرع أن يصلي السنة القبلية قبلها إن كانت لها راتبة قبلية كالفجر، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل بلالاً يؤذن، ثم ركع ركعتين، وهي ركعتا الفجر، ثم صلى الفجر بعدها. قال: ثم صلى الغداة، الغداة يعني صلاة الفجر، فيه جواز تسمية صلاة الفجر بالغداة. قال: فصنع كما كان يصنع كل يوم، يعني في صلاته. والإمام النووي استدل بهذه اللفظة على مشروعية القنوت في صلاة الصبح، في قوله: فصنع كما يصنع كل يوم، قال: ومن ذلك القنوت في صلاة الصبح. وهذا فيه نظر، فللصحيح أن القنوت في صلاة الصبح غير ثابت، وإنما الذي ثبت من قنوت النبي صلى الله عليه وسلم في الصبح في قنوت النوازل، قنط شهراً ثم ترك، كما قال أنس رضي الله تعالى عنه. وأما حديث أنس: «ما زال يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا»، فهو حديث ضعيف بل منكر، فلا حجة فيه على مشروعية القنوت في صلاة الصبح. قال: وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبنا معه. قال: فجعل بعضنا يهمس إلى بعض، يعني يكلم بعضهم بعضاً بصوت منخفض: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ يعني يقول بعضهم لبعض: ما هي الكفارة على ما حصل منا من هذا التفريط، أن نمنا حتى خرج وقت الصلاة؟ قال: ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما لكم في أسوة؟» ثم قال: «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى». فدل هذا على أن من نام من غير تقصد وتعمد لترك الصلاة فإنه معذور، فإنه معذور بنومه، ولا يؤاخذ لو حصل له شيء من النوم والغفلة به عن الصلاة حتى خرج وقتها، وإنما المؤاخذة والتفريط فيمن فعل ذلك متعمداً، أو كان مستيقظاً وذاكراً للصلاة فلم يصل الصلاة حتى خرج وقتها، هذا الذي يستحق الإثم والمؤاخذة. وقوله: «من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى»، استدل به أهل العلم على أن كل صلاة ينتهي وقتها بمجيء الصلاة التي بعدها، إلا صلاة الفجر بالإجماع، فإن وقتها ينتهي بطلوع الشمس، فإن وقتها ينتهي بطلوع الشمس. واستدل به كذلك الجمهور على أن وقت صلاة العشاء يمتد إلى قبل الفجر، أن وقت صلاة العشاء يمتد إلى قبل الفجر، فجعلوا لصلاة العشاء وقتين: وقت اختيار، وهذا إلى نصف الليل، ووقت اضطرار، وهو إلى قبل الفجر. واستدل بهذا الحديث: «من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى». والصحيح أن وقت صلاة العشاء ينتهي إلى نصف الليل، ينتهي إلى نصف الليل، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ووقت العشاء إلى نصف الليل». وأما هذا الحديث فإنه لم يسق لبيان الأوقات، ما سيق هذا الحديث لبيان أوقات الصلاة، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن من نام عن الصلاة من غير تفريط، من غير تعمد وتقصد للتخلف عن الصلاة، فهذا ليس عليه شيء، ليس عليه مؤاخذة، وليس عليه إثم. نعم، وإنما تحصل المؤاخذة لمن ترك الصلاة متعمداً ذاكراً، ليس له عذر في ترك الصلاة حتى ينتهي وقتها، حتى ينتهي وقتها. قال: «فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها». فمن فعل ذلك يعني نام، نام عن الصلاة حتى خرج وقتها، فليصلها حين ينتبه، يعني إذا استيقظ من نومه فيقوم ويصل هذه الصلاة التي نام عنها. ويدل على ذلك أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: «من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها». وكذا فعله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، وفي حديث أبي هريرة لما استيقظ من حر الشمس قام وصلى الصبح. إذن يصلي الإنسان الصلاة الفائتة بنوم متى ما استيقظ، يكون يصلي. وقوله: «فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها»، يعني يصلي صلاة الغد في وقتها، يصلي صلاة الغد في وقتها، وليس المراد أنه يقضي هذه الصلاة الفائتة في اليوم الثاني في وقتها، يعني إذا جاء الفجر اليوم الثاني يصلي الفجر مرتين، المرة الأولى قضاءً لصلاة الفجر بالأمس التي نام عنها، ثم يصلي الصلاة الحاضرة. لا، ليس هذا المراد. المراد أنه إذا كان من الغد صلى الصلاة في وقتها، أي صلاة الغد، كالعادة، كالعادة أنه يصليها في وقتها. ومن فهم أنه يقضي الصلاة الفائتة في وقتها من الغد فيصليها، فهذا ليس بصحيح، وليس هذا المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: «فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها»، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، ما قضى صلاة الصبح هذه التي فاتته في اليوم الثاني، وإنما صلاها حين استيقظ، ثم نبه أنه إذا كان اليوم الثاني يصلي الصلاة في وقتها كالعادة، يصليها في وقتها كالعادة. فقوله: «فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها» يعني صلاة الغد يصليها في وقتها المعتاد. طيب، إن شاء الله نقف هنا لأن الحديث طويل، ونكمل ما تبقى بإذن الله في المجلس القادم. طيب، إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.