الدرس في كتاب الصيام 35، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
تذكر عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم شهراً كاملاً سوى رمضان، ولم يفطر شهراً كاملاً حتى يصوم منه، واستمر على ذلك حتى وفاته، ويروى هذا الحديث بعدة أسانيد عن عبد الله بن شقيق.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم النفل بشكل متقطع فيصوم حتى يُظن أنه لا يفطر، ويفطر حتى يُظن أنه لا يصوم، ولم يكمل صيام شهر كامل سوى رمضان، وكان أكثر صيامه في شعبان حيث كان يصومه كله أو إلا قليلاً، ويحرص على صيام أيام من كل شهر ويكثر من الصيام في شعبان لرفع الأعمال فيه وتهيؤاً لرمضان مع الاقتصاد في الصيام.
يؤكد المقطع أن مواصلة المسلم لعمل صالح وإن قل أفضل من الإكثار الذي يتبعه انقطاع، لأن الاستمرار على الطاعة مستحب وأثره أعظم، ويختتم الدرس بالدعاء للنبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: قال حدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي النيسابوري، كان يلقب بريحانة نيسابور، وهو ثقة ثبت. قال أخبرنا يزيد بن زريع، وهو أبو معاوية البصري، كان يلقب بريحانة البصرة، وهو أيضا ثقة. عن سعيد الجريري، وهو أبو مسعود، ثقة إلا أنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، فمن سمع منه قبل الاختلاط فروايته مقبولة كحمد بن سلمة والثوري وابن علية، ومن روى عنه بعد الاختلاط فروايته مردودة. قال عن عبد الله بن شقيق: قال قلت لعائشة رضي الله عنها: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرا معلوما سوى رمضان؟ قالت: والله ما صام شهرا معلوما سوى رمضان حتى مضى لوجهه، ولا أفطره حتى يصيب منه. قال وحدثنا عبيد الله بن معاذ، قال حدثنا أبي، قال حدثنا حماد وابن الحسن عن عبد الله بن شقيق، قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرا كله؟ قالت: ما علمته صام شهرا كله إلا رمضان، ولا أفطره كله حتى يصوم منه، حتى مضى لسبيله صلى الله عليه وسلم. قال وحدثني أبو الربيع الزهراني، وهو نعيم بن سليمان العتكي، قال حدثنا حماد، وهو حماد بن زيد بن درهم، عن أيوب، وهو أيوب بن كيسان المتقن، قال: عن أيوب وهشام عن محمد عن عبد الله بن شقيق. قال حماد: وأظن أيوب قد سمعه من عبد الله بن شقيق. قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن صوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: «كان يصوم حتى نقول قد صام، قد صام، ويفطر حتى نقول قد أفطر، قد أفطر». قالت: «وما رأيته صام شهرا كاملا منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان». قال وحدثنا قتيبة، قال حدثنا حماد عن أيوب عن عبد الله بن شقيق، قال: قال: سألت عائشة رضي الله عنها بمثله، ولم يذكر في الإسناد هشاما ولا محمدا. قال حدثنا يحيى بن يحيى، قال قرأت على مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيت في شهر أكثر منه صياما في شعبان». قال وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد جميعا عن ابن عيينة، قال أبو بكر: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي أسد عن أبي سلمة، قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: «كان يصوم حتى نقول قد صام، ويفطر حتى نقول لقد أفطر، ولم أره صائما من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلا». هذا الحديث برواياته تخبر عائشة رضي الله عنها عن هدي النبي عليه الصلاة والسلام في صيام النفل، فسئلت: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرا كاملا سوى رمضان؟ يعني غير رمضان، هل كان يصوم شهرا كاملا من بقية شهور السنة؟ فأخبرت أنها ما رأت النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شهرا كاملا إلا رمضان، ولا يفوته شيء من الصيام في غيره من الشهور، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على أن يكون له نصيب من الصيام من كل شهر، كان يحرص أن يكون له نصيب من الصيام من كل شهر، فلا يفوته شهر من الشهور إلا ويصوم فيه، لكن ما كان يصوم شهرا كاملا إلا رمضان، ويكثر من الصيام في شعبان، يكثر من الصيام في شعبان حتى إنه كان يصوم شعبان كله إلا قليلا، يعني أكثره، بمعنى أنه كان يصوم أكثره، وقولها: كان يصوم شعبان، كان يصوم شعبان كله، تفسرها الرواية الأخرى في قولها: إلا قليلا، بمعنى أنه كان يصوم أكثر شهر شعبان. وسبب ذلك كما ذكر أهل العلم هو كون الأعمال ترفع في شهر شعبان، وكذلك أيضا كون شعبان قبل رمضان، فصيامه كالتهيؤ بالنافلة لأداء الفريضة، فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام في شهر شعبان. وهكذا أيضا كان هديه عليه الصلاة والسلام الاقتصاد في الصيام، فيصوم أحيانا ويفطر أحيانا، فإذا صام قالوا: قد صام، قد صام، وإذا أفطر قالوا: قد أفطر، قد أفطر، بمعنى أنه كان يصوم في بعض الأحيان ويفطر في بعض الأحيان، فلا يسرد الصيام ولا كذلك يقطع الصيام بالكلية، بل يصوم أحيانا ويفطر أحيانا. وسيأتي معنى أن كون المسلم يعمل عملا صالحا ويستمر عليه ولو كان قليلا، هذا أمر مطلوب وأمر حسن، الاستمرار على الطاعة والعبادة وإن كانت قليلة فهذا أفضل من الإكثار الذي يعقبه الانقطاع، يعقبه الانقطاع وعدم الاستمرار. طيب، نكتفي بهذا القدر، إلى هنا، صلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.