شرح كتاب التوحيد 214

شرح كتاب التوحيد 214

الدرس في شرح كتاب التوحيد 214، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وجوب التحاكم إلى شرع الله وذم حكم الجاهلية

يشرح المقطع وجوب التحاكم إلى شرع الله وذم حكم الجاهلية، ويبين معنى الجاهلية وذم التحاكم إلى غير شرع الله. الإسلام أعطى المرأة حقها في الميراث على خلاف ما كان عليه أمر الجاهلية.

تفسير آية أفحكم الجاهلية يبغون وبيان حكم الجاهلية

يفسر المقطع الآية الكريمة على أنها إشارة إلى الرجوع إلى حكم الجاهلية أو حكم الجهل الذي يخالف حكم الله. يوضح أن كل حكم يخالف الشريعة هو حكم جاهلي، وأن حكم الله هو الأحسن والأكمل لقوم يوقنون.

التحاكم إلى شرع الله وعلاقته باليقين ومراتب الدين

يشرح المقطع أهمية التحاكم إلى شرع الله وعلاقته بدرجة اليقين لدى المسلم. يبين أن اليقين يؤثر على استجابة المسلم لحكم الله، ويتدرج المسلم في مراتب الدين من الإسلام إلى الإيمان والإحسان عند التحاكم إلى شرع الله.

ختام الدرس والدعاء والصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام تواضع المتحدث واعترافه بقدرة الله تعالى، ويُنهي بالتأكيد على علم الله تعالى.

  • 20 جمادى الآخرة 1445هـ - 01/01/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وقوله تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية وهو في معرض كلامه على الآيات والأحاديث المتعلقة بوجوب التحاكم إلى شرع الله. وأشرنا في دروس سابقة ما علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد، إذ أن من مقتضى إفراد الله جل وعلا بالوحدانية فينبغي أيضًا أن يفرد بالحكم، إن الحكم إلا لله، وكما أن الله جل وعلا حكمه نافذ في ملكوته فينبغي أيضًا أن يكون حكمه ماض في خلقه. ولهذا أورد المؤلف الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هذا الباب في كتاب التوحيد، وأشار بهذه الآيات لهذه المسألة. وهنا رحمه الله تعالى أورد لنا هذه الآية: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾، وهنا الهمزة همزة استنكار، وربنا جل وعلا ينكر على أمثال هؤلاء ما قد تجاسروا عليه، وهم بقيامهم بالتحاكم إلى غير شرعه. أفحكم الجاهلية؟ والجاهلية القاعدة فيها كما أشار إلى ذلكم العلماء كشيخ الإسلام وغيره أن الجاهلية إنما تذكر بوصف الذنب، أي أمر وصف بالجاهلية فهو مذموم شرعًا. ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، «إنك امرؤ فيك جاهلية»، «أربع من أمر الجاهلية»، فلا تذكر الجاهلية إلا بالذنب. وكهذه الآية: ﴿أفحكم الجاهلية﴾، فهذا ورد على مورد الذنب لهذا الحكم. فما معنى هنا: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾؟ للعلماء في ذلكم عدة تفاسير. التفسير الأول في قوله تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾، أي أن هؤلاء يريدون أن يرجعوا إلى حكم الجاهلية. والجاهلية هنا باعتبار ما كان قبل الإسلام، ما كان قبل البعثة كل ما كان قبل البعثة فهو جاهلي. ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾، أي هؤلاء يريدون يا محمد أن يرجعوا إلى ما كان عليه أمر الجاهلية في مسألة التحاكم والتنازع كما كان عليه الأسلاف من الرجوع إلى التقاليد والعادات والأعراف، هذا هو حكم الجاهلية. وللأسف نجد أن هذه الظاهرة لا زالت موجودة حتى في مثل هذه الأزمان، أن من الناس بل طوائف من الناس من لربما يريد أن يرجع إلى حكم الجاهلية الأولى بحد زعمهم أن ذلك من التمسك بما كان عليه التراث الأول. كحال من يريد الآن الرجوع إلى الحكم الفرعوني أو الآشوري أو البابلي، يرجعون إلى تلكم الأحكام والأعراف والأسلاف التي مضت وانقضت يريدون أن يرجعوا إليها. وحتى في مجتمعاتنا تجد أن من الناس من لربما يريد أن يرجع إلى مسألة من مسائل الجاهلية في حكمه، مثل على سبيل المثال من ينادي بأن المرأة لا حق لها في الميراث، هذه سنة الجاهلية. نعم، سنة الجاهلية، كان الأوائل من أهل الجاهلية قبل البعثة لا يعطون للمرأة شيئًا، ليس لها حظ من التركة ولا من الورث. من أين يأتيها الورث وهي ما تقاتل ولا تأخذ بأسباب العزة والمكانة وتسترد حقها بقوتها؟ من أين لها المال من مال الورث؟ فلهذا يحرمونها حرمانًا كليًا إجباريًا إلزاميًا، ولا تتفوه بكلمة بشيء يسمى حقها من الميراث. فلما جاء الإسلام بهذه المنة وبهذه الملة أعطى للمرأة حقها كاملًا مكملًا من الورث. فلما يأتي من يأتي الآن ويشيع بين الناس على ما نعطي المرأة الظروف صعبة والمرأة تجلس عزها زوجها ويقوم بها إخوانها وأبوها ما لها شيء، يقول: يا عبد الله، أفحكم الجاهلية تبغي؟ تريد أن ترجع الناس إلى ما كانوا عليه من أمر الجاهلية؟ أو كذلك من صور ذلك من ينادي بالربا، من ينادي بالربا كما تفعل أصحاب هذه المنشآت ما يسمى بالبنوك الربوية، ادفع وخذ منا قرض على أن ترابي تزيد، هذا حكم الجاهلية. هذا الذي أشار إليه نبينا، قال: «أكل أموال الربا تحت قدمي»، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن ذلك من فعل أهل الجاهلية. ولهذا تجد أن من الناس شعر بهذا أو لم يشعر حين ينادي ببعض الأحكام هو في الحقيقة يريد أن يرجع إلى حكم الجاهلية. ولهذا هذه الآية تتنزل على أمثال هؤلاء: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾ تريدون. والمعنى الثاني من تفسير الآية أن الجاهلية هنا بمعنى الجهل، فيكون معنى الآية: أفحكم أهل الجهل تريدون؟ وحكم الجهل ما هو؟ حكم الجهل كما قال العلماء كالإمام السعدي وغيره في تفسيره أن حكم الجهل هنا هو كل حكم يخالف حكم الله المنزل على رسوله، كل حكم كل حكم خالف حكم الله الذي أنزله الله على رسوله هذا حكم الجهل. ويدخل في ذلك ما كان في الماضي ويدخل في ذلك ما كان في الحاضر، مثل القوانين والدساتير التي جاء أصحابها ينازعون فيها شرع الله جل وعلا، يقال: هذا حكم الجاهلية لأنه قائم على الجهل. وكل حكم ولو كان من يظن أنه جاء في يا أخيك ما من أمر الجهل، هذا دستور عصري جاء في هذه القرون المتأخرة عام ألفين آخر صيحة من صيحات القوانين الوضعية، يقال: هذا جاهلي جاهلي من حيث أنه مبني على الجهل. لا، هناك علم ليس له أثار من علم، هذه القوانين من تأمل فيه وقد أشرنا فيه دروس سابقة كيف أنه اجتمعت على ظلم على جور على خروج عن معنى العلم، لأنها من زبالة أذهان البشر. ومن هذا الذي يستطيع أن يعلم مراد البشر إلا من خلق البشر سبحانه؟ سبحانه وتعالى. وبهذا تعلم بهذا الوصف أن كل حكم بخلاف حكم الله هو حكم جهل، حكم ظلم وجور وخارج عن العلم. ويقابل حكم الله وصفه هو العلم وهو النور وهو الهدى وهو العدل وهو القسط. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾، إذا علمنا أن الحكم الجاهلية يحمل على المعنى الأول أو على المعنى الثاني، وكلاهما يسعه التفسير. ثم قال سبحانه: ﴿ومن أحسن من الله حكما﴾، الجواب: لا أحد، لا أحد أحسن من الله حكمًا. ألا يعلم من خلق؟ الله عز وجل هو الذي أوجدنا هو الذي خلقنا وهو الذي أنزل الشريعة التي تصلحنا في كل شؤوننا، ليس فقط في شؤون العبادة والتعبد في دور المساجد فقط، بل في كل حياتنا في كل شيء. حتى ذلك اليهودي الذي أخذته الدهشة حتى قال لسلمان: «قال يا سلمان إن دينكم علمكم كل شيء حتى الخراءة»، تدخل إلى آداب الخلاء، تأتي معك الشريعة في بيان الآداب والأوراد والأذكار والمنهيات والممنوعات والتفاصيل داخل دورة المياه، أي شريعة هذه؟ فربنا خلقنا وأوجدنا وأتى بهذه الشريعة العامة التي ما تركت لنا شيئًا ما تركت لنا شيئًا. فمن أحسن من الله حكم سبحانه وتعالى؟ أحد لا أحد. ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿لقوم يوقنون﴾، أي من كان موقنًا، وهم أهل الإسلام أهل الإيمان هم أهل اليقين والاعتقاد، هؤلاء يعلمون ينبغي أن يعلموا أن حكم الله جل وعلا هو الحكم الكامل الشامل الذي ينبغي أن نرضخ له جميعًا. فدل ذلكم على أن من لم يرضخ لحكم الله خرج من دائرة اليقين وأصبح في دائرة الشك كحال المنافقين، المنافق والذي يرتاب هو الذي يتشكك في حكم الله وحكم رسوله. وأما المؤمن يعلم أن هذا الشرع على العين والرأس، وأن الله جل وعلا إنما أنزله إلينا لكي نتحاكم إليه. وهذه الآية كذلكم: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾، مسألة عظيمة بها نعلم على أن الناس في باب اليقين يتفاوتون، ليس كلنا على يقين واحد، منهم من قد بلغ إلى اليقين مبلغًا عظيمًا، ومنهم من هو دون ذلك. حينها ستعلم أن من عظم يقينه بالله سيزداد إذعانًا لحكم الله، ومن قل يقينه قل يقينه وضعف حين يظهر ذلك في تحاكمه إلى شرع الله. فهناك تلازم بين الاستجابة لحكم الله مع اليقين. ولهذا تجد الناس نعم من الناس من يرضى بشرع الله من يرضى بحكم الله، لكن لحسب يقينك أنت يا عبد الله. فإذا كان المسلم قد بلغ من اليقين مبلغًا عظيمًا أن هذا هو حكم الله الشامل الكامل الأفضل الأحسن، حين لا يتحاكم إليه ويستبعده بنتائج أخباره، يؤمن يوقن ما عنده أدنى شك. لكن بخلاف بعض من المسلمين من قل يقينه، يعلم أن هذا شرع الله لكن لضعف يقينه يكون حكم أخذ من شرع الله هكذا ليس بذاك، يا أخذ يقول: خلاص هذا حكم الله، يا أخي رضينا بحكم الله خلاص، لكن فرق. ولهذا تأمل يا عبد الله في هذه الآية العظيمة التي أمر الله جل وعلا فيها بأن نصل إلى درجة اليقين إزاء أحكامه وحكمه، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾، هذه الآية تأمل فيها يا عبد الله ليس فقط كمعلومات بل كحياة. إذا تنازعت في قضية وليست مقصود بالقضايا السياسية كما يصير بعض أهل الجماعات ما سمع بمسألة التحاكم حصر الموضوع في السياسة لا، ليس الأمر كذلك، حكم الله جل وعلا سياسيًا أمنيًا اقتصاديًا اجتماعيًا في كل شيء، حتى وأنت في بيتك مع أهلك تتحاكم إلى شرع الله كما أثر عن بعض الصحابة أنهم يجعلون من يدرس الصبيان من الحكام، أثر هذا عن عبد الله بن مسعود. في كل شيء تتحاكم إلى شرع الله، حينما تتنازع يا عبد الله في قضية ما، ما المطلوب منك؟ قال سبحانه وتعالى: لا تدخل في الإيمان الذي يريده الله من العباد حتى يحكمك، تتحاكم إلى شرع الله، هذه المرتبة عبر عنها جماعة من العلماء بأنها مرتبة الإسلام: «حتى يحكموك فيما شجر بينهم»، انتهينا. لا واصل، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت، لأن في هذه القضية قد يكون هناك منتصر ومنهزم غالب ومغلوب، فبعض الناس يرجع من هذه القضية وقد خسر فيها، طيب هل تحاكمك كافي؟ لا، أكمل، وهو أن بعد التحاكم إن وقع أن الحكم عليك وهو حكم الشرع عليك، ما ينبغي أن تجعل في قلبك حرج وضيق، وهذه مرتبة الإيمان. ثم قال ربنا: «ويسلموا تسليمًا»، هذا الأصل أن قلبك ينشرح سواء كان الحكم لك أو عليه، وهذه درجة الإحسان كما أشار العلماء. فعند التحاكم لشرع الله تظهر عندك ثلاثة مراتب: الإسلام وهو التحاكم، الإيمان عدم الحرج، ثم انشراح الصدر وهو الإحسان. فانظر يا عبد الله إلى التلازم بين هذه القضية وبين ما نعيش، فكل ينظر. ولهذا كما استفيد في هذه الآية: ﴿ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾، على قدر يقينك ستعلم حسن الإسلام في تشريعاته التي أنزلها الله للعباد، هذا الذي يذكر في هذه الآية من مسائل وأحكام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.