الدرس في شرح كتاب التوحيد 240، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ينهى النبي عن سب الدهر لأن الله هو الدهر الذي يقلب الليل والنهار، وسب الدهر يعتبر إيذاءً لله. يشرح المقطع معنى السب والفرق بين الأذية والمضرة لله.
سب الدهر يتضمن مفاسد عدة، منها الوقوع في الشرك ومسبة الله سبحانه وتعالى والإساءة إلى من قدر الأشياء المكروهة. يرى ابن القيم أن سب الدهر يدور بين أمرين: إما الوقوع في الشرك أو مسبة الله.
الدهر ليس من أسماء الله لأنه اسم جامد ولا يتضمن كمالًا، وسبه يعتبر سبًا لله. ذكر ثلاثة أسباب لعدم اعتبار الدهر اسمًا من أسماء الله، وهي عدم تضمنه كمالًا إسميًا جامدًا وعدم صحة عبارة الكفار بتحميل الدهر الهلاك.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الله تعالى: «يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار». وفي رواية: «لا تسب الدهر، فإن الله هو الدهر». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث تحت هذا الباب: «باب من سب الدهر فقد آذى الله». وأشرنا أولًا للآية التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في أول استدلالاته: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، وأشرنا إلى ما يتعلق بمسائلها. وها هو الآن يثني بهذا الحديث الصحيح: «يؤذيني ابن آدم»، وهو حديث قدسي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح هذا الحديث، نعم، بهذا اللفظ رواه الإمام البخاري رحمه الله، وجاء هذا الحديث أيضًا في صحيح مسلم، لكن بلفظ مقارب، إذ في رواية مسلم فيه: قال الله: «يؤذيني ابن آدم، يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا». هذه رواية مسلم. قال الله فيها: «ذين بن آدم يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإنما أو فإني أنا الدهر، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، فإذا شئت قَبَطُتُهُمَا». وجاء كذلكم في مسند الإمام أحمد هذا النهي بلفظ كذلكم قريب، وفيه قال الله: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسب الدهر، فإن الله عز وجل قال: أنا الدهر، الأيام والليالي أُجَدِّدُهَا وَأُبْلِيْهَا وَآتِي بِمُلُوكِ بَعْدَ مُلُوكٍ». وهذا الحديث أورده الألباني رحمه الله تعالى في «الصحيحة». فهذه الألفاظ وهذه روايات الماثلة أمامنا كلها تصب في هذا المصب، ألا وهو النهي عن مسبة الدهر. وفي هذا الحديث الذي بين أيدينا قال الله جل في علاء: «يؤذيني ابن آدم»، يؤذيني قد مضى معنا ما يتعلق بمسألة الأذى لله، وبيَّن ما هو الفرق بين الأذية والمضرة، فلا إعادة لذلكم. «يؤذيني ابن آدم»، ابن آدم يشمل الجميع، يشمل الجميع الذكر والأنثى، فالكل عليه أن يلتزم بهذا الحكم، فلا يسب الدهر. قال: «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر»، مر معنا ومضى أن السب هو بمعنى التنقص، هذا هو حقيقة السب، التنقص، فيدخل فيه الشتم والذم والعيب واللعن، كل هذه من أصوى من صور التنقص، فتدخل في مسمى السب، وهي درجات. وقد كان من طبيعة العرب كما أسلفنا أنهم كانوا ينسبون حصول الحوادث إلى الدهر، ولا زال الناس يعبرون بهذه التعابير، كان يقولون: هذه من قوارع الدهر، ويقول قائلهم: هذه أو أبادهم الدهر، فيحينون الحوادث والأفعال إلى الدهر، فإذا صار منه ما صار من الأمور التي يكرهونها أقبل عليه سبًا، أقبل عليه شكوى، اللعن على هذا الدهر، أو كما جاء في الحديث: «يا خيبة الدهر»، ونحو ذلك من الألفاظ التي يذكرونها في بيان تنقصهم للدهر. وقد أشار ابن القيم رحمه الله تعالى أن مسبة الدهر حاوت على ثلاثة مفاسد عظيمة. مسبة الدهر حاوت واحتوت على ثلاثة مفاسد عظيمة، أولاها: أن فيها السب والشتم واللعن واللعن لخلق من خلق الله، بأمر ما صدر منه، الدهر هو خلق من خلق الله، الزمان خلق من خلق الله، الأيام والليالي والأعوام، فهي من خلق الله، أبليها وأجددها كما جاء في رواية أحمد: «أجددها وأبليها أقلبها كيف شاء»، خلق من خلقه، فلما أنت تقبل إلى هذا المخلوق من خلق الله فتنهال عليه سبًا وشتمًا ولعنًا، كيف هذا؟ المسلم لا يلعن، ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان، هذا إذا كان لعنك لا يجوز في حق من تسبب في أذيتك، لا يجوز إذا كان متسببًا، فما ظنك بالذي ما تسبب في شيء؟ الأيام تنضي، يقلب الله الليل والنهار، تجري على حلة، ليس لها علاقة بما يقدر عليك من الآلام والأوجاع، فلما تسب الدهر فحينها قمت يا عبد الله بسبب مخلوق ليس هو متسبب حقيقي في شيء مما أنت فيه، هذه مفسدة عظيمة. ثانيًا من مسبة الدهر: أن ذلك يتضمن الشرك، وجه الشرك في ذلكم أن الإنسان ما سب الدهر إلا لما اعتقد أن هذا الأمر الذي وقع فيه من شر إنما كان بأمر الدهر، بأمر الزمن، ويكأن الدهر يتصرف في الكون، ولهذا يسبه، ولهذا يشتمه، فهذا يتضمن به الإشراك بالله جل وعلا. المفسدة الثالثة: أن حقيقة السب الذي سبه الإنسان للدهر إن لم يكن في الدهر -وهذا صحيح- ليس للدهر، إذن هو واقع في من؟ واقع في الذي قدر عليك هذه الأشياء المكروهة، ومن الذي قدر عليك هذه الأشياء المكروهة؟ هو الله، هو الله سبحانه وتعالى، فكأن الذي سب الدهر هو في الحقيقة قد سب الله، شعر بهذا أو لم يشعر، فهذه المفسدة الثالثة. ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: على أن سب الدهر يدور بين أمرين اثنين لا ثالث لهما، إما أنه يقع في الشرك، أو أنه يقع في مسبة الله. فالذي يسب الدهر ويلعن الدهر ويلعن الزمان والمكان وإلى غير ذلكم من أنواع الأزمنة هو في الحقيقة يدور بين أمرين، إما يدور على أمر الشرك، وهذا إذ اعتقد أن الدهر يضر وينفع، وأن الدهر هو الذي يوقع الأشياء بما أراده، هذا يتضمن شركًا في الربوبية إذ اعتقد ذلكم. أو حاله كحال كثير من الناس -حاشا أن أعتقد هذا- بل أعتقد أن هذه الأشياء التي وقعت إنما بتقدير الله، بتقدير الله، طبعًا حين إذا عرفت أن ذلك بتقدير الله، فعلى ما تسب الدهر؟ هل الدهر سبب؟ الدهر ليس سببًا، فحقيقة سبك للدهر وراجع لله عز وجل، لأن الدهر ليس سببًا في وقوع الحوادث، وما جعلها الله سببًا لذلكم. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أن سبب الدهر يعود بين أمرين اثنين، إما أنه ساب لله، وإما أنه قد أشرك مع الله. بهذا نعلم إخواني في الله خطورة هذا الباب، ولهذا التفصير عند العلماء في حق من سب الدهر أنه إما يقع فيه الشرك الأكبر إن كان عن اعتقاد، وإما أن يقع في الشرك الأصغر إن كان بلفظه دون اعتقاد، فالأمر ليس بالسهل. وقد بر معنى أن الشرك الأصغر أقل ما يقال فيه أنه من كبائر الذنوب، الشرك الأصغر أقل ما يقال فيه أنه من كبائر الذنوب، فلا يستهين المرء بهذه الألفاظ التي نسمعها، إما عن طريق الشعر، إما عن طريق النثر: «يا خيبة الدهر»، أو «الله يلعن هذه الساعة»، أو «الله يلعن هذا اليوم»، وتسمع اللعن العظيم من أين هذا اللعن؟ لمن؟ لليوم، اليوم ما الذي صنع لك؟ تأمل ما الذي صنع لك؟ أنت بين أمرين، إما أن تظن أن اليوم هو الذي قدر عليك هذا فأنت مشرك، تلعن اليوم، تلعن الساعة، كما يسمع من بعض العامة يلعن ويلعن ما ترك زمانًا إلا ولعنها، سأله: لما تلعن الزمان؟ إن كنت تعتقد أن هذا الذي ابتليت به كان من قضاء وقدر هذا الزمان فأنت مشرك، وإن اعتقدت أنه بتقدير الله، إذن وأن الزمن سبب -الصحيح أن الزمن ليس سببًا- وإنما هو يدور ليل ونهار، ليل ونهار، اليوم وليلة، ويمشي، ليس هو حول خلق، وليس هو حول فعل، وليس هو حول سبب، فمن سب الزمن أو الساعة أو اليوم باعتقاد أنها سبب، قل يا عبد الله: لا تكذب على نفسك، أنت في الحقيقة سببت ربك، لأنه الذي قدر عليك هذا الضيق الذي أنت الآن تئن وتشتكي منه. ولهذا ينبغي إخواني في الله أن يتأدب الجميع ويتمثل بهذا الحكم الشرعي: لا تسب الدهر، لا تسب الدهر، لا تلعن زمانًا، لا يومًا، ولا ليلًا، ولا عامًا. وفي قوله عليه الصلاة والسلام قال الله: «وأنا الدهر»، أنا الدهر، هل معنى ذلكم أن الله عز وجل من أسمائه الدهر؟ نعم، ذهب جماعة من أهل العلم كما ذهب إلى ذلك ابن حزم، وهكذا نعيم، نحمد وجماعة من أهل العلم من ذهبوا إلى أن من أسماء الله الدهر، لهذا الحديث: «فأنا الدهر»، فقالوا: فالله هو الدهر من أسماء الله الدهر. والصحيح: لا، ما الذي يتحدث؟ والصحيح: لا، لأن الدهر إخواني في الله لا يعد اسمًا من أسماء الله لأمور ثلاث نذكرها اختصارًا. الأمر الأول: القاعدة في باب الأسماء والصفات أن تعلم أن أسماء الله كلها حسنة، كلها حسنة، ولله الأسماء الحسنى، حسنة، من حسنها أنها تتضمن الكمال، تتضمن الكمال، الغفور، الرحيم، الرحمن، الودود، السلام، لكن إذا جئت إلى كلمة الدهر تجد أن كلمة الدهر -وهذا الاسم- ما يتضمن كمالًا، لأنه اسم جامد، اسم جامد غير مشتق، غير مشتق، فقال العلماء: الدهر لا يتلاءم مع أسماء الله الحسنى من هذه الحيثية، ما سمعتم أن الأصل في أسماء الله أن تكون حسنة تتضمن كمالًا، والدهر اسم جامد ما يتصرف منه، فلا له الحسن والكمال. ثانيًا: لو كان الدهر اسمًا من أسماء الله، فهل أخطأ الكفار الذين حكى الله عنهم في الآية السابقة التي مرت معنا في درس أمس: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾؟ إذا قلنا أن الدهر اسم من أسماء الله، فيكون هؤلاء الكفار ما أخطأوا، وما يهلكنا إلا الدهر، وما يهلكنا إلا الله، لأن الدهر على قولكم إذا كان اسمًا من أسماء الله، إذا ما هناك خطأ، وهل هذا صحيح؟ لا، كان هذا الكلام من الكفار باب من أبواب كفرهم وشركهم، لأن الدهر ليس هو الله جل وعلا. ثالثًا وأخيرًا: الدهر ليس اسمًا من أسماء الله لأن هذا الحديث أشار إلى أمرين مختلفين، فقال الله: «أنا الدهر، أقلب الليل والنهار»، فالله جل وعلا ذكر مقلبًا وذكر مقلبًا، من المقلب؟ هو الله، أقلب الليل والنهار، وما هو المقلب؟ هو الليل والنهار، وهو الدهر، فعندي الله جل وعلا وهو المقلب للزمان، وعندي المقلب وهو الزمان، الزمان وهو دهر يتقلب، من الذي يقلب؟ هو الله، فعندي مقلب وعندي مقلب، فكيف نجعل المقلب هو المقلب؟ والمقلب هو المقلب؟ ما يمكن هذا، ما يمكن هذا تناقض، فأنا الدهر أقلب الليل والنهار، فدل على أن الدهر ليس هو الله، وليس اسمًا من أسماء الله. فقول الله: «وأنا الدهر»، أي: أنا أقلب الدهر، أوضح ذلك في الأحاديث الأخرى: «أقلب الليل والنهار». ولهذا صحيح من أقوال جماهير العلماء أن الدهر ليس اسمًا من أسماء الله لهذه الأمور الثلاثة: الدهر ليس يتضمن كمالًا بالإسم الجامد، الثاني: لو كان الدهر اسمًا من أسماء الله لكانت عبارة الكفار صحيحة: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، وليس بصواب، والأمر الثالث: أن الحديث أشار إلى مقلب ومقلب، فالله هو الذي يقلب، والزمان هو المقلب، فلا يكون هذا هو نفسه ذاك، ففرق بين هذا، بين الفاعل وبين المفعول، هذا خلاص ما أذكره في هذا الباب من مسائل الأحكام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.