الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 73، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع حكم تكفير أهل القبلة بذنب أو عمل، ويوضح أن التكفير لا يكون إلا بالاستحلال. الذنوب والمعاصي لا تكفر صاحبها إلا إذا استحلها.
يفسر المقطع مفهوم الكفر بالعمل المحض ويتناول تفسير آية الحكم بغير ما أنزل الله، موضحا أن السلف فسروها بالكفر الأصغر وليس الأكبر.
يشرح المقطع تفسير آية الحكم بما أنزل الله ويبين أنواع الكفر، مستشهدا بأقوال السلف والنبي، ويوضح أن الأعمال لا تكفر صاحبها إلا إذا ارتبطت بالاعتقاد.
يرد المقطع على إنكار السرورية لعبارة عدم تكفير أهل القبلة بذنب، ويبين أن هذه العبارة صحيحة وتدل على أن الذنوب لا تكفر إلا بالاستحلال.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما بعد، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «قال ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بعمل». وهذه العبارة دائما يطلقها العلماء، ولا شك أنهم يريدون بذنب الذنب الذي هو غير الشرك والكفر، أي الكبيرة من كبار الذنوب التي ليست بشرك ولا بكفر، فهذه لا تخرج العبد عن دين الله جل وعلا، ولا يجوز تكفير أحد بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل. وكما قال أيضا الإمام الطحاوي: «ما لم يستحله»، أي ما لم يستحل هذا الذنب، فإذا استحله صاحبه كفر، إذا قال أن هذا حلال وهو يعلم أنه حرام أو معلوم من الدين بالضرورة، فهذا يكفر، أن يقول مثلا بحل الخمر، حل الزنا، وغيرها من هذه الأشياء المعلومة من الدين بالضرورة، فالذي يستحل لها يقول حلال، أو يفعل فعلا يدل على أنه أراد أنه حلال، معنى ذلك مثلا يعقد العقد مثل الزواج، مثلا يتزوج بأحد محارمه فيعقد عقدا، فهذا يدل على استحلال، أن هذا ليس عملا فقط، وإنما هو قول، فتحليل نكاح هذه المرأة يعتبر استحلالا، فليس الاستحلال إلا بهذا الاعتقاد، أو يتكلم به بلسانه، إما يعتقد هذا الاعتقاد أن هذا حلال، أو يتكلم به بلسانه فيقول أن هذا حلال، فيعتبر كافرا. وليس فعل المعصية أو الإقرار عليها استحلالا، ولا أيضا كذلك المجاهرة بها، كما قاله بعض المعاصرين من السرورية، فتجدهم يقولون أن المجاهرة بالمعصية صورة من صور الاستحلال، وهذا ليس صحيحا. ومما يدل على هذه الفقرة، وهو قولهم: «لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب»، هي قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، فربنا جل وعلا يغفر ما دون الشرك، فمن أشرك به فلا يغفره الله عز وجل له، ويدخل في الشرك أيضا الكفر والنفاق، وكل ما أخرج عن الإسلام لا يغفره الله، وأما ما كان داخل الإسلام فإنه تحت مشيئة الله عز وجل ومغفرته، فلهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. وأما قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾، فهذه الآية المراد بها إما الاستحلال، أن يستحل قتل أخيه المسلم، سواء كان استحلالا بقلبه أو بقوله، فيستحل له فيقول هذا دمه حلال، أو يجز لنفسه قتله، فهذا يعتبر تحليل الحرام. وقد قال العلماء كالشيخ الإسلام رحمه الله: «ومن حلل الحرام المجمع عليه أو بدل الشرع فهو كافر بالله»، كما قال رحمه الله، فالذي يحل الحرام المجمع عليه يعتبر كافرا. وأما إذا فعل المعصية، فإنسان عندنا يشرب الخمر ومدمن فيها، ورجل آخر لا يشربها لكن يقول هذه الخمر إنما تنشط العقول، ولا يأتي الشرع بتحريم ما ينشط العقول، فالآن ذاك الذي يشربها ويدمن فيها لا زال في حضيرة الإسلام، وأما هذا الذي يقول أنها حلال وأنها تنشيط وكذا فهو كافر وإن لم يشربها. وأيضا كذلك الذي يحلل الزنا، يحلل غيرها من هذه الأمور المجمع عليها، أو يقول مثلا مثل الباطنية أن الصلاة ليس المراد بها هذه الصلاة، وإنما مقصود بها شيء آخر، الصوم كتم الأسرار، والصلاة دفع الأمانة، وغيرها من هذا الهراء الذي يقوله الباطنية وغيرهم، فإن هذا أيضا من الكفر بالله جل وعلا، لأنه إنكار لشريعة ثبتت بأدلة كثيرة لا تحتمل الشك أبدا. فلهذا قال: «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بعمل»، فلا يخرجه إلا اعتقاد أو تحليل، وإلا العمل المحض لا يخرجه عن الإسلام. بعض السرورية، معنى السرورية: هؤلاء فرقة من الفرق التي ظهرت في هذا الزمان وتكثر بين المسلمين، تكثر بين الحكام، وأيضا تهيج الناس على الانقلابات وعلى الفوضى وغيرها، وقيل لهم سرورية لأنهم أتباع محمد بن سرور بن زين العابدين السوري، ويقال لهم قطبية لأنهم تبع لسيد قطب، فهؤلاء قالوا بأن الكفر قد يكون بالعمل المحض، قد يكون بالعمل المحض، واستدلوا بالحكم بغير ما أنزل الله، وهذا كلام باطل. معنى استدلوا بقول الله عز وجل: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وهذه الآية حملها السلف على الكفر دون كفر، هذا الكفر ليس الأكبر، وإنما كفر أصغر، وحملها على الكفر الأكبر لا يستقيم على هذه الآية، لأن قوله: «ومن لم يحكم» من هنا تفيد العموم، ومن لم يحكم أي كل واحد حكم بغير شرع الله فهو كافر. ومن ذلك مثلا الأب، لو أخرج بناته مثلا الكبار التي يجب عليها التستر، أخرجهن بدون الحجاب، أو كذلك جاء بخمر في بيته، أو جعل دعار في بيته، فمعنى ذلك أنه يعتبر كافر على هذا القول، لأنه داخل في هذه الآية: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فهذا لم يحكم بما أنزل الله. وأيضا كذلك لو أتى بمنكرات في بيته يعتبر أيضا كافر، وهذا تكسير لأمة، ولهذا استدل الخوارج في هذه الآية، كما قال الإمام أحمد وغيره: أن الخوارج استدلوا بهذه الآية على كفر الناس، واستحلوا السيف، وهم فهموا هذه الآية بالخطأ. وسبحان الله، تجد بعض المولعين بالتكفير إلى الآن يقولون أن هذه الآية ليس فيها إلا كفر واحد، وهو الكفر المخرج من الملة، ويحملون هذه الآية على الحكم، وهذا خطأ وتقصير في فهم الآية. والسلف لما فهموا هذه الآية عرفوا أن الكفر هنا ليس الكفر المخرج من الملة، ولهذا لم يأت عن السلف في تفسير هذه الآية إلا تفسيرين اثنين، التفسير الأول ما جاء عن ابن عباس وبعض تلاميذه، طاوس ومجاهد، كان يقول ابن عباس: «ليس الكفر الذي تذهبون إليه»، ليس الكفر الذي تعلمونه والذي يخرج من الملة، وهكذا قال مجاهد، وقال طاوس وغيره من أئمة السلف. والقول الثاني في تفسير هذه الآية ما قاله بعض السلف كأبي عبيد وقاس بن سلام وغيره: أن المراد بهذه الآية أهل الكتاب، وأن عدم الحكم بغير ما أنزل الله هو دأب أهل الكتاب، وصفة من صفات أهل الكتاب، فكأنه يقول الله عز وجل: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، أي أولئك اليهود الكافرون، من صفاتهم أنهم لا يحكمون بشرع الله، ولا يحكمون بما أنزل الله، بخلاف أهل الإيمان، فإنهم يحكمون بما أنزل الله، لكن لو حكموا بغير ما أنزل الله فإن فيهم صفة من صفات الكفار، فلكن لا يدل على أنهم من الكفار. فلهذا فهذه الآية كما قلنا تدل على أن الكفر أنواع وليس كفرا واحدا، وهنا الكفر الذي ذكره كفر دون كفر، أي كفر أصغر كما سماه العلماء. وبهذا جاءت النصوص، مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «سباب المسلم فسق وقتاله كفر»، قتاله كفر، فسمى القتال كفرا، أي كفرا ليس مخرجا من الملة، كفر دون كفر. وأيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»، وقال أيضا النبي عليه الصلاة والسلام: «من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، «فهو به كفر»، وغيرها من النصوص التي جاءت حملها على هذا المعنى. وقد صرح الإمام العجري، وكذلك الإمام بن منده وغيره من أئمة السنة، قالوا: ليس هناك عمل يكفر به صاحبه، أي العمل المحض، إلا الصلاة، إلا الصلاة، الصلاة التي حصل فيها خلاف، وهي عمل المحض، أما غير الصلاة فلا يكفر صاحبه إذا كان عملا محضا، إلا إذا كان متعلقا بالقلب. الآن بعض هؤلاء القطبية وغيرهم يقولون مثلا السجود لصنم أو السجود لإنسان أو كذا، أو رمي المصحف أو إهانة المصحف، قالوا هذا عمل، وبإجماع العلماء أنه كفر، فهذا خطأ منهم، صحيح أنه كفر بالله جل وعلا، لكن ليس هو عملا محضا، ليس هو عملا محضا لا يتعلق بالاعتقاد. لأن الذي يهين المصحف أو يدوس المصحف متعمدا، فلا شك أنه لم يعظم الله عز وجل ولم يعظم هذا المصحف، بل أهانه، فهذا ليس في قلبه إسلام أصلا. فلهذا يفرق العلماء مثلا بين إنسان أخطأ ما رأى القرآن فداسه، وإنسان تعمد ذلك، فلا شك أن بينهما فرقا، فلماذا جاء هذا الفرق؟ لأن من يتعمد هذا يفعل ذلك بما وقع في قلبه من إهانة دين الله جل وعلا. وهكذا الذي يسجد لصنم، هل يسجد بدون اعتقاد؟ هذا الذي يسجد لصنم أو يسجد لقبر، هل يسجد بغير اعتقاد؟ أو يسجد أنه يعتقد أن هذا الشخص يستحق السجود، أو هذا الصنم يستحق السجود، أو هذا القبر يستحق أن يسجد له كسجوده لله؟ فهذا كله يتعلق بالاعتقاد، فهذا عمل متعلق بالاعتقاد. فليس هناك عمل مجرد عمل مجرد يكون كفرا إلا الصلاة كما ذكر بعض السلف رحمة الله عليه. فلهذا فهذه العبارة، لأن هذه العبارة قد طالها جماعة من العلماء، والآن تجد القطبية السرورية ينكرون هذه العبارة: «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ولا نخرج عن الإسلام بعمل»، يقولون هذه ليست صحيحة، وإنما هي من كلام المرجئة، وهذا كلام باطل. فهذه العبارة قد قالها كثير من أهل السنة، كثير من أهل السنة ودونوها في كتبهم، وهم يريدون أن الذنب غير الشرك لا يكفر صاحبه إلا بالاستحلال.