الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن السجود من خصائص الألوهية التي اختص الله بها، مستدلاً بالآية التي تأمر بالركوع والسجود لعبادة الرب وحده. ويُذكر أن سجود الأمم السابقة لغير الله فُسِّر إما سجود تحية أو جائزاً في شرائعهم وحرُم في شريعتنا، مع استشهاد بقصة معاذ بن جبل الذي رفض السجود للأساقفة.
بيّن النبي ﷺ أن السجود عبادة لا تجوز لغير الله، ولو كانت لغيره لأمر المرأة بالسجود لزوجها لعظم حقه، ومن سجد لغير الله قاصداً فهو مشرك. كما أن التوكل من خصائص الألوهية القلبية، فمن توكل على غير الله فقد أشرك به.
يبيّن المقطع أن التوكل على غير الله في تسيير الأمور وتدبيرها شرك لاعتقاد النفع والضر في غيره، وأن التوبة العبادية (الندم والرجوع) لا تكون إلا لله وحده. كما أن الحلف بغير الله تعظيماً كتعظيمه شرك أكبر، مستدلاً بأحاديث النبي ﷺ في النهي عن الحلف بغير الله.
أشار المؤلف إلى جملة من المسائل التي تختص بألوهية الله وحقه في العبادة، مؤكداً وجوب صرفها له وحده. وسيتم استكمال بقية ما ذكره في درس قادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله الإمام المقريزي: "ومن خصائص الألوهية السجود، فمن سجد لغيره فقد جبهه به". من خصائص الألوهية لله عز وجل التي اختص بها سبحانه وتعالى، ولا تكون لغيره، من ذلك السجود؛ فهو الذي يستحق أن يسجد له، وذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، وأن الله هو العلي الكبير. وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فالسجود عبادة من العبادات العظيمة التي يجب على المسلم أن يجعلها لله. وما ذكر في الأمم السابقة من السجود لغير الله، مثل سجود الملائكة لآدم، ومثل سجود إخوة يوسف ليوسف، وغير ذلك، فإن هذا تأوله بعض العلماء على أن هذا السجود سجود تحية، وليس السجود إلى الأرض، وإنما هو السجود تحية؛ إذ كانت التحية تسمى سجودًا، والتحية بالانحناء. وقيل: إن هذا سجود، لكنه كان في شريعتهم جائزًا، وأما في شريعتنا فإنه لا يجوز. ولهذا لما رأى معاذ أنهم يسجدون لبعض الأساقفة في الشام، فقال لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، أنت أحق بالسجود، أنت أحق بالسجود لك منهم". فقال عليه الصلاة والسلام: "لا يسجد إلا لله، لا يسجد إلا لله، ولو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقها عليه، لعظم حقها عليه". فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام حرم السجود لغير الله، ولأن السجود عبادة، فلهذا في ديننا لا يجوز أن يسجد لغير الله جل وعلا، حتى وإن قيل أن السجود الذي حصل في الأمم السابقة بمعنى هذا السجود فهو شرع لهم، وأما في شرعنا فلا يجوز أن يسجد لأحد، وخاصة إذا كان السجود سجود تعظيم وعبادة. وأما مثلاً من لم يعلم، فسجد لله عند قبر أو عند صنم أو عند كذا، فهو لا يعلم أو لا يشعر، فهذا ليس عليه شيء، كما ذكرنا في قصة أنس مع عمر؛ كان عمر يقول له: "يا أنس، القبر، القبر"، فكان ينظر إلى القبر، ثم تنبه على أنه أراد القبر، فابتعد منه. فلهذا من خصائص الألوهية السجود لله جل وعلا، فلا يجوز أن يسجد لغيره، ومن سجد لغيره طاعة أو عبادة أو أقصد قصد هذا الغير، فهذا يعتبر مشركًا، يعتبر مشركًا. قالوا: ومنها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به. أيضًا التوكل من خصائص الألوهية، وهي من الأعمال القلبية التي لا يجوز أن يشرك بها أحد غير الله جل وعلا. فمن أشرك مع الله عز وجل في التوكل أحدًا فهو مشرك. فمن توكل على غير الله، أي اعتمد عليه في تسيير الأمور وأيضًا في تدبيرها، فإنه مشرك؛ لأنه اعتقد في غير الله جل وعلا النفع والضر. قالوا: ومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به. عن التوبة التي هي العبادة، وليس المراد به العفو فقط، أو الصلح، أو كذلك المسامحة والاعتذار، فهذا يكون بين الناس. لكن التوبة التي هي الندم، وأيضًا التوبة التي تكون لله، وهي توبة العبادة والرجوع إليه سبحانه وتعالى، فهذه لا تكون إلا لله. قالوا: ومنها الحلف باسمه تعظيماً، فمن حلف بغيره فقد شبهه به. وهنا قال: "باسمه تعظيماً"، لأجل أن يخرج ما لم يكن تعظيماً. فإن كان يعظمه كتعظيم الله جل وعلا فهو شرك أكبر، كما قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال، كما في حديث عبدالله بن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي: «من حلف بغير الله فقد أشرك». وإن كان الحديث فيه انقطاع، لكنه جاء من طريق أخرى، من طريق سالم، أعني به، وفيه: «من حلف بغير الله»، قال النبي عليه الصلاة والسلام فيه قولاً شديداً، والقول الشديد هذا هو أنه مشرك. وأيضاً قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت». فهذه بعض ما ذكره المؤلف من الأمور التي تختص بالإلهية، أو بألوهية الله جل وعلا، والتي لابد أن تصرف لله سبحانه وتعالى. وإن شاء الله نكمل في درس لاحق بقية ما ذكره، والحمد لله رب العالمين.