الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 28، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع حديث أنس رضي الله عنه الناهي عن تمني الموت عند نزول البلاء، مؤكداً أن الصبر والاحتساب خير للعبد. كما يستدل بالحديث على تحريم قتل النفس بسبب الضيق، مستشهداً بالوعيد الشديد الوارد في السنة لمن يقتل نفسه.
يبين المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نهى عن أمر شرع بديلاً مباحاً، كما في دعاء المريض بدلاً من تمني الموت، وقول «انظرنا» بدلاً من «راعنا»، وبيان الحل في بيع التمر بتجنب الربا. وتظهر هذه القاعدة في القرآن والسنة مراعاةً لمصالح العباد وسداً للذرائع.
يشرح المقطع أهمية تقديم البدائل المباحة عند سد باب الحرام كما في بيع التمر الرديء وشراء الجيد، ويبين أن الدعاء بطول العمر يجب تقييده بالطاعة. كما يرد على إشكال تمني مريم للموت بأنه ليس استعجالاً بل تمني الموت قبل الفتنة، مع قاعدة أن شرع من قبلنا ليس حجة إلا بموافقة شرعنا.
يختتم المتحدث النقاش حول الموت مشيراً إلى أن عبارة "قبل هذا" غير محددة زمنياً، ويؤكد عدم وجود تعارض بين الآية القرآنية والحديث النبوي. ثم ينهي الجلسة بخاتمة مختصرة لهذا الباب.
الحمد لله محمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب الصبر، الحديث السادس عشر: وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لابد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي». متفق عليه. ووجه الشاهد من ذكر هذا الحديث في باب الصبر: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن تمني الموت لضر نزل بالإنسان، لأن من تمنى الموت لضر نزل به ليس عنده صبر، ليس عنده صبر، والواجب أن يصبر الإنسان على الضر مهما كان هذا الضر أليما أو شديدا، وأن يحتسب الأجر من الله، فإن هذا الأمر خير له من أي ناحية، خير له كما جاء في بعض الأحاديث: «لعله يستعتب»، ومعنى يستعتب: يعني يرجع إلى الله سبحانه وتعالى ويتوب إلى الله عز وجل، فما بقي من عمره يكون سببا لنقائه ولذهاب خطاياه وسيئاته، فلذلك نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن تمني الموت، عن تمني الموت. وهذا الحديث فيه فوائد عدة، من هذه الفوائد: أنه إذا نهي عن تمني الموت بالقول، فمن باب أولى أنهى بل والتحريم الأكيد من أن يقتل المسلم نفسه لضر نزل به، سواء كان هذا الضر مرضا أو ضائقة من الضائقات الدنيوية أو إلى غير ذلك، فلا يجوز للإنسان أن يقتل، أن يقتل نفسه، وقد جاء الوعيد الشديد في ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تحسى سما فقتل نفسه فهو يتحساه يوم القيامة في نار جهنم خالدا مخلدا فيها، ومن طعن نفسه فإنه يأتي يوم القيامة وفي يده حديدة يطعن نفسه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها». فالأمر لله عز وجل، فلا يجوز للإنسان أن يتمنى الموت أو أن يقتل نفسه. ومن فوائد هذا الحديث أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا نهى عن شيء يذكر بديله من الأمور المباحة، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما نهى، لما نهى من أصابه الضر عن تمني الموت، ذكر له بديلا يقوله هذا المصاب وهو أمر مباح، ماذا يقول؟ يقول هذا المصاب: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي»، رد الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم البديل: لا تتمن الموت، طيب، ماذا أقول؟ تقول هذا الذكر وهذا الدعاء، وهذا الدعاء: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرة»، إذن لربما الحياة في قدر الله عز وجل تكون خيرا لك كما تقدم، تستغفر، تتوب، تكفر سيئاتك، ترفع درجاتك، فيكون هذا المرض أو ذاك المصاب سببا لرفع درجاتك وحط سيئاتك، فهذا خير عظيم، وتقول: «توفني إذا كانت الوفاة خيرا لي»، إذا كانت الوفاة خيرا لي بأن هذا المرض لا أتحمله ولا أطيقه، فتوفني إذا رأيت يا رب أن هذا خيرا لي. فإذا أتى بالبديل، وهذا كثير في القرآن والسنة، مثال ذلك في القرآن: قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾، نهى هم عن هذه اللفظة لأن اليهود يستخدمون هذه اللفظة استخداما سيئا، فيريدون بها من الرعونة والشدة، ولكن المؤمنين يريدون بهذه اللفظة الانتظار، راعنا يعني انظرنا، فنهاهم ربنا عز وجل، نهى المؤمنين أن يقولوا هذه اللفظة، ثم أتى بالبديل، أتى بالبديل: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾، بذل، لما تقول راعنا لأن اليهود يستخدمونها استخداما سيئا، فأنت أيها المؤمن ائت بلفظة بمعنى هذه الكلمة وليس فيها معنى آخر سيئة، وهي لفظة انظرنا. وكذلك جاء في السنة أيضا: لما نهى النبي صلى الله عليه وعلى الله وسلم عن بيع التمر الصاع بالصاعين مثلا، معك صاع من التمر جيد، نوع ممتاز، ومع آخر صاعان من التمر الردي، فأنت تريد التمر الجيد، تقول له: سأعطيك هذين الصاعين الرديئين وأعطني هذا الصاع الجيد، هذا لا يجوز، هذا ربا، طيب، ايش الحل؟ أنا الآن أريد هذا الصاع الجيد، ما أريد الرديء، أريد الجيد، وما عندي مال، إذا ايش أفعل؟ أتى النبي صلى الله عليه وسلم بماذا؟ بالبديل، فقال له: «بع التمر يعني الرديء بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا أي تمرا جيدا»، فالحل أنك تبيع التمر الرديء، فالصاعان مثلا قد يكون ثمنهما مثلا على سبيل المثال ثلاثة آلاف، طيب، والصاع الجيد سعره ثلاثة آلاف لأنه صاع واحد وهو جيد، فإذا أتى بالبديل، وهكذا ينبغي للداعي إلى الله عز وجل إذا سد بابا على الناس وهذا الباب حرمته ظاهرة، فيفتح لهم أبوابا مباحة، أبوابا جائزة، ولا يقتصر على المنع فقط، هذا من أسلوب القرآن، من أسلوب القرآن، وكذلك من أسلوب السنة، فهذا أيضا من فوائد هذا الحديث. ومن فوائد هذا الحديث أيضا: أنه ينبغي للإنسان إذا دعا لشخص بطول العمر أن يقيد هذا، ما تقول له: أطال الله في عمرك وتسكت، لأن قد إطالة العمر لا تفيد هذا الإنسان، لا تنفعه، بل يضره هذا الطول، فتقيد ذلك بقولك: أطال الله بقاءك على طاعته، أطال الله عمرك على طاعته، هكذا ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في فوائد هذا الحديث، في فوائد هذا الحديث. طيب، أورد الشيخ ابن عثيمين أيضا إشكالا قد يرد في أذهان بعض الناس، وهو قول مريم ابنة عمران: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾، هل هذا يعارض النهي عن تمني الموت؟ الجواب: لا، فأجاب الشيخ ابن عثيمين على هذا الإشكال بجوابين: الجواب الأول: أن يقال، وهذه قاعدة عامة: أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا إلا إذا جاء ما يوافقه من شرعنا، إذا أقره شرعنا فهو شرع لنا، أما إذا لم يقره فلا شك أن العمل بشرعنا لا بشرع من قبلنا، هذا جواب. والجواب الثاني: أن قول مريم هذا ليس تمنيا للموت والاستعجال في ذلك، فمريم لم تتمن الموت، لكنها تمنت الموت قبل هذه الفتنة، قبل هذه الفتنة، قالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾، وتمني الموت قبل الفتنة ليس فيه استعجال، لأنها تمنت أن ماذا؟ تموت قبل هذا، وهذا عام مطلق، قد يكون مئة سنة، قد يكون ألف سنة، فهذا ليس فيه تمني استعجال الموت، وإنما فيه تمني الموت قبل وقوع هذه الفتنة، قبل وقوع هذه الفتنة، فالفتنة قد وقعت، فهي ما تمنت الموت الآن، ما قالت: يا ليتني ميت الآن، يا ليتني ميت الآن، لو قالت: يا ليتني ميت الآن، نعم هذا فيه استعجال لتمني الموت، لكن قالت: يا ليتني ميت قبل هذا، وقبل هذا مبهم، قد يكون عشر سنين، قد يكون مئة سنة، قد يكون ألف سنة، فليس هناك إشكال بين الآية وبين الحديث. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.