الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 19، الدرس التاسع عشر:من(29ـ معاجل المحظور قبل آنه*قد باء بالخسران مع حرمانه...مع ما له من ثواب الله الذي لا يقدر على وصفه والله المستعان). ألقاها
يتناول المقطع قاعدة فقهية مهمة وهي أن من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه، وتطبيقاتها في مسائل الميراث والوصية والعتق. كما يشرح معاملة المتعجلين للمحظورات بالحرمان في الدنيا والآخرة.
يتم التطرق إلى تطبيقات القاعدة في مسائل الأسرة والميراث، مثل الطلاق في مرض الموت ووراثة الزوجة، وتحريم لبس الحرير وشرب الخمر في الآخرة لمن تعجلها في الدنيا. يُظهر المقطع كيف أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه.
يشرح المقطع بعض الاستثناءات على القواعد الشرعية، مثل حالة أم الولد التي تقتل سيدها وتعتق، والمرأة التي تحيض بسبب دواء ولا تقضي الصلاة. يُظهر المقطع حالات استثنائية تُراعى فيها ظروف معينة وتُطبق فيها أحكام شرعية مختلفة.
يتناول المقطع قول بعض الناس إن من يريد إسقاط التكاليف عنه يمكنه أن يجن نفسه، مستدلين بأن المجنون ليس عليه تكاليف. يُناقش صحة هذا القول وأثره الشرعي.
قال رحمه الله: معاجل المحظور قبل آنه قد باء بالخسران مع حرمانه. قال في الشرح: هذا معنى قولهم «من استعجل شيئا قبل آوانه عوقب بحرمانه». من استعجل شيئا قبل آوانه، يعني قبل وقته المحدد له، عوقب بحرمانه، يعني عوقب بحرمان هذا الشيء، وحرمان كذلك ثمرته. وهذه من أهل العلم من قال: هي ضابط وليس بقاعدة، ومنهم من لم يقبلها. والصحيح أنها قاعدة صغيرة، ويعبر عنها بعض أهل العلم بقولهم «المعاملة بنقيض القصد الفاسد». المعاملة بنقيض القصد الفاسد، القصد الفاسد. طيب، قال: وهذا عام في أحكام الدنيا والآخرة. ومعنى القاعدة ظاهر: من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه، يعني الذي يستعجل الشيء قبل وقته الشرعي الذي حدده الشرع، فإنه يعاقب بحرمان هذا الشيء، يحرم هذا الشيء. قال: ويدخل فيها مسائل كثيرة. قال: ومنها إذا قتل مورثه، أو من أوصى له بشيء، أو قتل العبد المدبر سيده، فإنه يحرم الميراث والوصية والعتق. هذا الآن من فروع هذه القاعدة. قال: من قتل مورثه، يعني إذا استعجل الوارث فقتل مورثه، فإنه يحرم من الميراث، يحرم من الميراث. لا شيء قبل أوانه. يعلم مثلا الآن أن أباه عنده أموال كثيرة، عنده ملايين، وهو يطمع في هذه الملايين، فيقول: الله متى أموت الوالد حتى نرث منه الملايين؟ فيستعجل فيقتله، فحكم الشرع أنه لا يرث منه. لماذا؟ يعامل بنقيض قصده. ويدل على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس للقاتل من الميراث شيء». رواه الترمذي وأبو داود، وهو صحيح لغيره كما في الإرواء. ليس للقاتل من الميراث شيء. وهذا دليل أيضا على هذه القاعدة؛ لما تعجل الوارث الإرث فقتل مورثه، حكم الشرع بحرمانه من الميراث. فإذا كان هذا القتل عمدا فهو لا يرث باتفاق العلماء. وإذا كان القتل خطأ ففيه خلاف، والصواب كذلك أنه لا يرث، وهو قول الجمهور، سواء كان القتل عمدا أو خطأ، فليس له من الميراث شيء. أخرجه أبو داود والترمذي. قال: أو من أوصى له بشيء، كذلك إذا تعجل الموصى له فقتل الموصى. إنسان مثلا أوصى له شخص بمال، قال: مثلا إذا مت فهذا المال لفلان، أو هذه الأرض لفلان. فهذا الموصى له تعجل الوصية فقتل الموصى، أو قتل الموصى له الموصى، فالحكم أنه لا يرث ولا يعطى من الوصية شيء، يحرم من الوصية. واستدل العلماء بالقياس؛ حكمه حكم قتل المورث، الوارث لمورثه. كما أن الوارث لا يرث إذا قتل مورثه، فكذلك الموصى له لا يرث إذا قتل الموصى. قال: أو قتل العبد المدبر سيده، فإنه يحرم العتق. العبد المدبر هو الذي يعلق عتقه بموت سيده، يقال: يقول السيد لعبده «إذا مت فأنت حر»، هذا يقال له العبد المدبر. فالآن العبد هذا يريد الحرية، فيقول: متى سيموت السيد حتى أصبح حر؟ فيتعجل الحرية فيقتل سيده، فالحكم أنه يبقى ولا يعتق، يحرم من العتق، لأنه تعجل العتق بقتل سيده، فيحرم منه، يعامل بنقيض قصده وفعله. قال: ومنها المطلق في مرض موته، فإن زوجته تريث منه ولو خرجت من العدة. المطلق في مرض موته يعني إنسان مرض مرض شديد، كما يقال مرض الموت، فأراد أن يحرم زوجته من الميراث. ولابد من هذا القيد، يقال المطلق في مرض موته إذا قصد حرمانها من الميراث، وهذا هو الغالب؛ أنه ما يسوي يطلقها في مرض موت إلا وهو يقصد حرمانها. قال: فإن زوجته تريث منه ولو خرجت من العدة، يعني إذا طلقها مثلا وكان قصده أن يحرمها من الميراث، فإنه يعامل بنقيض قصده، فترث ولو خرجت من العدة. وهذا قول جمهور الصحابة والسلف وفقهاء المذاهب؛ أنه إذا أراد حرمانها من الميراث فإنها ترث. واستدلوا بأن عثمان رضي الله تعالى عنه ورث تماضر الكلبية من عبد الرحمن بن عوف لما طلقها وأراد حرمانها من الميراث، طلقها في مرض الموت. ولم يخالف من الصحابة إلا عبد الله بن الزبير. قال: وكذلك في أحكام الآخرة، فمن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة. كذلك أيضا مما يتعلق بهذه القاعدة أحكام الآخرة؛ فمن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة. لماذا؟ لأنه تعجل الشيء قبل أوانه. فنحن في الدنيا نهينا عن لبس الحرير، كما في حديث حذيفة في الصحيحين، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير في الدنيا. «لا تلبسوا الحرير في الدنيا؛ فإنما يلبسه في الدنيا من لا خلاق له». فالذي يتعجل فيلبسه في الدنيا، فإنه يحرمه يوم القيامة، لا يلبسه يوم القيامة، ويحرمه لباس الحرير في الآخرة. وهكذا من شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة؛ كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. يتعجل الخمر وقد نهى عنها في الدنيا، فإذا شربها فإنه يحرم خمر الجنة، يحرم خمر الجنة. فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الجنة «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»؟ وأيضا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾. فالجواب كما قال بعض أهل العلم: هو أن الذي يلبس الحرير في الدنيا ويشرب الخمر في الدنيا يحرم شهيته في الآخرة، يحرم شهيته في الآخرة، فلا يشتهي لبس الحرير ولا شرب الخمر، فيكون هذا حرمانه. أو يقال أيضا: أن الآية والحديث على ظاهره وعلى عمومه، ويخص منه من لبس الحرير في الدنيا أو شرب الخمر في الدنيا، فإنه يحرمها يوم القيامة، ولا يتمكن من استعمالها. قال: وكما أن المتعجل للمحظور يعاقب بالحرمان، فمن ترك شيئا لله تهواه نفسه عوضه الله خيرا منه في الدنيا والآخرة. يعني يقول رحمه الله: الذي يتعجل المحظور يعاقب بالحرمان يوم القيامة. وهكذا العكس: الذي يترك شيئا تهواه نفسه في الدنيا لله سبحانه وتعالى، فإنه يعوضه يوم القيامة، يعوضه يوم القيامة. فالإنسان قد يهوى بعض الشهوات والملذات، سواء كان من أكل أو شرب أو نكاح أو غير ذلك، يتركه لله سبحانه وتعالى. والنتيجة أن الله سبحانه وتعالى يعوضه في الآخرة يعوضه بخير منه. قال: فمن ترك معاصي الله ونفسه تشتهيها عوضه الله إيمانا في قلبه، وسعة وانشراحا، وبركة في رزقه، وصحة في بدنه، مع ما له من ثواب الله الذي لا يقدر على وصفه. يقول: من ترك معاصي الله ونفسه تشتهيها، يعني تركها وهو يشتهيها، نفسه تريدها تطلبها، لكن تركها لله سبحانه وتعالى. كان من نتائج ذلك أن عوضه الله سبحانه وتعالى إيمانا في قلبه، يجد إيمانا قويا في قلبه. وهكذا يجد سعة وانشراحا في صدره بسبب ثباته على الإيمان وعلى الحق، وتركه للمعاصي. وهكذا كذلك بركة في رزقه؛ يبارك الله سبحانه وتعالى في الرزق، لأن من أسباب الرزق التقوى، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب. فيبارك الله سبحانه وتعالى في رزقه. وهكذا أيضا يجعل له في بدنه صحة وعافية. ومع ما له في الآخرة من الثواب العظيم بسبب تركه لما اشتهته نفسه مما حرم الله سبحانه وتعالى في الدنيا. طيب، هنا استثنى أهل العلم رحمهم الله مما يتعلق بهذه القاعدة في مسألة العتق. قلنا أن العبد المدبر إذا قتل سيده فإنه يحرم من العتق. قال العلماء: إلا أم الولد؛ فأم الولد إذا قتلت سيدها فإنها لا تحرم من العتق، بل تعتق بكل حال. لماذا؟ لأنه لا يمكن أن تنتقل إلى ملك الغير. أم الولد يعني التي ولدت سيدها، يقال لها أم ولد. وحكمها أنها تعتق بموت السيد، تصبح حرة بعد موت سيدها. فإذا قتلته، هل تصبح حرة أم لا؟ على الأصل في القاعدة: هي لا تصبح حرة، ولا تعتق. لكن هذا الأصل خرجت منه أم الولد باتفاق العلماء؛ لأنهم لا يمكن أن يملكها أحد بعد موت السيد، لا يمكن أن ينتقل عتقها إلى أحد، بل لابد أن تعتق وتكون حرة ولو قتلت سيدها. وهكذا أيضا ذكر أهل العلم مما يستثنى: إذا شربت المرأة دواء فحاضت، يعني دواء يأتي بالحيض، فحاضت فخرج وقت الصلاة، هل عليها قضاء؟ الجواب: ليس عليها قضاء. وقول جمهور العلماء: إذا تعمدت ذلك تتأثم، وإذا كان لغير قصد فما عليها شيء، ليس عليها إثم. ومع ذلك ما تقضي؛ لأن الحيض عذر مانع من الصلاة، ولو قصدته. وهكذا أيضا قالوا: من ألقى نفسه من مكان مرتفع فانكسرت قدمه، فصلى جالسا، قال: أنا سأكسر قدمي حتى أصلي جالسا، تعبت في القيام. فألقى نفسه وكسرت قدمه، هل له أن يصلي جالسا؟ الجواب: نعم يصلي جالسا، وما يستطيع القيام، فهذا استثناء وليس عليه قضاء. وكذلك أيضا قالوا: من أراد أن يسقط عنه التكاليف، فقال: المجنون ليس عليه التكاليف، وأنا سأجن ففعل شيء حتى أصبح مجنونا، فإنه كذلك لا شيء عليه، فسقط عنه التكاليف.