المحاضرة بعنوان وقفات مع حديث إذا دخلت العشر أحيا ليله، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر حيث كان يحيي ليله بالعبادة، ويوقظ أهله، ويشد مئزره جدًّا في الطاعة. ويبين العلماء أن إحياء الليل يشمل ما يحتاجه المعتكف من ضروريات، مع النهي عن إحيائه كله من أوله إلى آخره.
يبيّن المقطع أن إحياء النبي ﷺ لليل يعني معظمه، وكان يقضيه في القيام والتهجد وقراءة القرآن والذكر، لا في اللهو. كما يبرز حرصه على أهله بإيقاظهم للصلاة والأمر بالطاعة اقتداءً بالآية الكريمة.
زار النبي صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة ليلاً وحثهما على الصلاة، مظهراً حرصه على أهله. وفسر العلماء قوله "وشد مئزره" بأنه كناية عن الجد في الطاعة أو عن اعتزال النساء في الاعتكاف.
يؤكد المقطع على أهمية اتباع المسلم لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لينال أجر الاقتداء وفضل الاتباع. ويختتم بالدعاء بأن يوفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فنأخذ وقفات مع حديث نبوي من أحاديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو ما أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا دخلت العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد مئزره». هذا اللفظ في الصحيحين. فمن هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه يجتهد في هذه العشر ما لا يجتهد في غيرها. فمن اجتهاده عليه الصلاة والسلام أنه كان يحيي ليله. قال العلماء: وإحياء الليل يشمل ما يحتاجه المعتكف من أكل أو شرب أو قضاء حاجة أو إلى غير ذلك مما يحتاجه المعتكف. وقالوا ذلك لأنه قد جاء النهي عن النبي عليه الصلاة والسلام في إحياء الليل كله، أي من أوله إلى آخره. وإنما قولها رضي الله تعالى عنها: «أحيا ليله» يعني غالب ليله، فيشمل ذلك ما يحتاج إليه عليه الصلاة والسلام كغيره من البشر من أكل أو شرب أو قضاء حاجة أو إلى غير ذلك. لكن بماذا كان يحيي هذا الليل؟ لا يحييه بما عليه كثير من الناس من القيل والقال، أو من اللهو واللعب، أو من كذلك الأمور التي لا نفع منها، وإنما كان يحيي ليله بالقيام والتهجد، وبقراءة القرآن، وبذكر الله سبحانه وتعالى. فهذا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام: أحيا ليله، وأيقظ أهله. وهذا فيه اعتناء النبي عليه الصلاة والسلام بأهله، والأهل يشمل الأزواج ويشمل كذلك الأبناء. فالله عز وجل قد قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾. فالمسلم ينبغي عليه أن يحرص على أهله، وأن يتفقدهم، وأن يعينهم على طاعة الله سبحانه وتعالى، فينظر ما عليه أهله من الطاعة ومن الاستقامة ومن الوقوف عند حدود الله سبحانه وتعالى، يوقظهم للصلاة إذا غفلوا، وهكذا يرشدهم إلى الخير إذا مالوا، وإلى غير ذلك. فالنبي عليه الصلاة والسلام أتى ذات ليلة بيت علي رضي الله تعالى عنه، فطرق الباب وقال: «ألا تصليان؟» يخاطب ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. فهذا فيه حرص النبي عليه الصلاة والسلام على الاعتناء بأهله وذريته. ثم قالت رضي الله تعالى عنها: «وشد مئزره». قال العلماء: شد المئزر فسر بتفسيرين، وكلاهما يشمله اللفظ. التفسير الأول: شد مئزره كناية عن الجد والاجتهاد، فإن الشخص إذا أراد أن ينطلق أو أراد أن يعمل عملًا يجد فيه يشد مئزره حتى لا يفلت عليه. وهكذا هذا اللفظ كناية على الجد والاجتهاد في طاعة الله سبحانه وتعالى. وذكروا تفسيرًا آخر حسيًا، وهو قالوا: شد المئزر كناية على عدم مباشرة النساء، أي كناية على اعتزال النساء. فلقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، وكما تقدم معنا أن من شروط الاعتكاف عدم مباشرة النساء، لقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. فهذا حديث عظيم ينبغي على المسلم أن يقتدي بنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لينال أجر الاقتداء، ولينال كذلك فضل الاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.