التعليق على حاشية الدمياطي 8

الدرس في التعليق على حاشية الدمياطي 8، ألقاها

تعريف الجهل وأقسامه

الجهل هو تصور الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع، وقد يكون بسيطا أو مركبا. الجهل البسيط هو عدم العلم بالشيء أو عدم القدرة على الحكم عليه.

الجهل المركب واعتقاد أهل السنة

الجهل المركب هو تصور الشيء على خلاف حقيقته مع حكم خاطئ عليه، وأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء. الأشاعرة يختلفون معهم في اعتقادهم أن الحوادث حادثة بعد أن لم تكن.

العلم الضروري وطرق تحصيله

العلم الضروري يحصل بدون نظر أو استدلال، ويتم تحصيله عبر الحواس أو العقل أو التجربة أو الوجدان أو التواتر. هذا النوع من العلم لا يشمل التقليد.

خاتمة وتسبيح

المقطع يشير إلى خاتمة الحديث بإظهار تعظيم الله تعالى والإقرار بعلمه الأعلى، متبوعًا بتسبيح الله والاستغفار والتوبة إليه.

التفريغ النصي الكامل

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: «والجهل تصور الشيء»، أي إدراكه على خلاف ما هو به في الواقع، كإدراك الفلاسفة أن العالم -وهو ما سوى الله تعالى- قديم. وبعضهم وصف هذا الجهل بالمركب، وجعل البسيط عدم العلم بالشيء، كعدم علمنا بما تحت الأرضين وبما في بطون البحار. وعلى ما ذكره المصنف، لا يسمى هذا جهلا. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا-. ثم أما بعد، قوله -رحمه الله تعالى-: «والجاهل تصور الشيء»، أي إدراكه على خلاف ما هو به. تقدم معنى أمس أن الإدراك يطلق باعتبار معنيين: باعتبار معنى التصور، وباعتبار معنى المعرفة. فالإدراك تصور ومعرفة. إن كان فيه إثبات لأحد الحكمين سمي معرفة، وإن كان خاليا من أحد الحكمين سمي تصورا. لذا في قوله -رحمه الله-: «والجاهل تصور الشيء على خلاف ما هو به»، هذا باعتبار ماذا؟ قد يكون التصور الخالي عن الحكم. هذا معنى من معاني الجاهل الذي هو الجاهل البسيط. الجاهل البسيط الذي هو خال عن التصور. إنسان يسأل إنسانا عن حكم مسألة، يتصور المسألة ثم لا يستطيع أن يميزها، فيقول: «الله أعلم». يسأله عن شيء لم يره، يحاول أن يتصوره ثم لا يستطيع أن يميز، فلا يستطيع أن يحكم، فيقول: «الله أعلم»، «لا أدري»، «ما أدري». هذا جهل إيش؟ جهل بسيط. والجهل قد يكون تصورا مع حكم، لكن على خلاف الواقع. فإذا كان على خلاف الواقع، هو الذي يسمونه بالجهل المركب، لأنه يكون من جهلين: جهل في التصور، وجهل في الحكم. فهو جهل مركب بهذين الاعتبارين. قوله -رحمه الله-: «كإدراك الفلاسفة أن العالم -وهو ما سوى الله تعالى- قديم». وهو إدراك الفلاسفة، يعني كإدراك الفلاسفة. الفلاسفة حصل لهم إدراك، تصور لماذا؟ العالم، ما هو العالم الذي هو سوى الله -تبارك وتعالى- بأنه قديم. ما معنى قديم؟ أي أنه أزلي، أزلي لا أول له، باعتبار جنسه وأفراده. والعلماء -علماء الإسلام- مجمعون على تكفير الفلاسفة القائلين بهذا القول، لأنهم بهذا القول أثبتوا شريكا مع الله -جل وعلا- في هذا الوصف، أي الوصف بالقدم والأزلية. وقوله -رحمه الله-: «وبعضهم وصف هذا الجهل» -أي الذي حصل من الفلاسفة الذين يلقبون أنفسهم بأنهم الحكماء- «بالجهل المركب». لماذا هو جهل مركب؟ لأنه نتج عن جهلين: أولا جهل في التصور، والثاني الجهل في الحكم. تصور أن العالم الموجود أزلي، هذا تصور صحيح أو خاطئ؟ خاطئ. ونتج عنه حكم خاطئ، ما هو القول والحكم؟ بأن العالم قديم أزلي كأزلية الله -جل وعلا-. فجهلهم مركب لأنه نتج عن جهلين. قال: «وجعل البسيط عدم العلم بالشيء»، كعدم علمنا بما تحت الأراضين وبما في بطون البحار. هذا عندهم يسمى جهلا. قال: «وعلى ما ذكره المصنف لا يسمى هذا جهلا». لماذا لا يسمى جهلا؟ لأن الجهل كما مر معنا: العلم فيما مر معنا فيما من شأنه أن يعلم. هل هذا من شأنه أن يعلم؟ لا. إذا جهله لا يعد جهلا إصطلاحا. قال صاحب الحاشية: قوله «الجهل تصور الشيء»، وما أحسن قوله في تعريف العلم: «معرفة». وهنا في الجهل: «تصور». فإنه ليس بمعرفة أصلا، وإنما هو حصول الشيء في الذهن. قوله: «على خلاف ما»، أي على حال ووصف مخالفة للحال والوصف الذي هو به في الواقع. أي أن الجهل هذا حقيقة على خلاف ما هو به، أي على خلاف الذي هو به في الواقع. فهو تصور شيء على خلاف ما هو به. يأتي مثلا إنسان جاهل، يقول له مثلا إنسان -سواء في المسائل الشرعية أو في غير المسائل الشرعية- يأتي إنسان يقال له مثلا: من أين تشرق الشمس؟ يقوم هنا ويشير مثلا إلى الجنوب أو إلى الغرب بدون أن يعلم. هذا جاهل، جاهل مركب. أو يأتي إنسان يسأل عن مسألة، يسأل عن مسألة مثلا من المسائل: ما حكم صيام يوم عرفة؟ يقول: «ليس بمستحب». واضح. جماعة، لا. هذا جاهل، جاهل في التصور، وجاهل في الحكم. فكما قال: على أي حال، الموصوف المخالف للحال والوصف -سواء كان شرعيا أو كان حسيا أو كان واقعيا- قال: «الذي هو»، يعني والوصف الذي هو به، أي ذلك الشيء المرتسم به في الواقع. قوله: «قديم»، أي بذاته وصفاته، أو بذاته دون صفاته. وتفصيل عندهم، وقد كفروا بتلك العقيدة. طيب، يعني سواء قالوا بأن العالم قديم باعتبار ذاته، وإن كانت صفاته حادثة، أو قيل بأن العالم قديم باعتبار ذاته وصفاته. الكل كلام باطل، إذ لا أزلي سوى الله -تبارك وتعالى- بذاته وصفاته -جل وعلا-. مع التنبيه أن ما عليه أهل السنة والجماعة هو ما حققه شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في هذه المسألة، في مسألة تسلسل الحوادث: هل لها أول أم ليس لها أول؟ أما باعتبار أفرادها وأحادها، فإنه ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بعدم. والله -تبارك وتعالى- خالق كل شيء، وما سوى الله فهو مخلوق، ووجد بعد أن لم يكن موجودا. هذا باعتبار الأفراد. أما باعتبار جنس الحوادث، فإنها لا أول لها. ومعنى لا أول لها، أي باعتبار المدة الزمانية. إذ ما من مدة زمانية يفرضها العقل إلا ويفرض العقل مدة قبلها، حتى تنتهي إلى الأول الذي ليس قبله شيء -سبحانه وتعالى- فهو الأول. ربنا -تبارك وتعالى- الذي ليس قبله شيء، ومخلوقه خلق بقوله -جل وعلا-: «فَيَكُونُ». فهذا هو التفصيل الذي عليه أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، فلا إفراط ولا تفريط. بخلاف الأشاعرة، الأشاعرة يقولون بأن الحوادث -باعتبار جنسها وأفرادها- حادثة بعد أن لم تكن. بل توصلوا بعد ذلك إلى أن أفعال الله -تبارك وتعالى- حادثة بعد أن لم تكن. إذن لا يجوز أن يوصف الله -تبارك وتعالى- بالصفات الفعلية، لأنه حادث، وكل حادث فهو مخلوق. واضح. جماعة، فالصواب ما ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- ونقله عن جماهير أهل السنة والجماعة. قوله: «وبعضهم»، أي العلماء. قوله: «بالمركب»، إنما كان مركبا لأنه جاهل بالحكم، وجاهل بأنه جاهل. ولذلك قيل: «جَهِلتَ وَما تَدري بِأَنَّكَ جاهِلٌ وَما لِيَ بِأَن تَدري بِأَنَّكَ لا تَدري». وهذه كما يقال: الرجل فيه مصيبتان: مصيبة بالجهل، ومصيبة أخرى بأنه لا يدري بأنه جاهل. مصيبة أخرى بأنه جاهل. وإن كنت تدري فترك مصيبة، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم. قال: «قال حمار الحكيم يوما لو أنصف الدهر كنت أركب لأنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب». طبعا الآن فيه طرافة، إذ أن الحمار قد عرف بالبلادة، عرف بالغباء. كما يقال، ويصف بعض العلماء بأنه من أبلد الحيوانات. ومع هذا يقول هذا الشعر. قال: «حمار الحكيم»، والحكيم يطلق على من؟ يطلق على الفلاسفة أو على المتكلمين، فلاسفة متكلمين، يقول: حكماء. خاصة الفلاسفة الحكماء. فتكلم الشاعر ونطق الشاعر بلسان هذا الحمار بأنه قال: «قال حمار الحكيم يوما»، ماذا قال؟ كأنه تضجر، يرى من يركب عليه يعني جاهل، جاهل فوق جاهل. فيقول: كأنه يقول: سبحان الله، أنا لأني بليد صرت مركوبة، وهذا أبلد مني، ومع هذا هو راكب. إذا خاطب ماذا خاطب بهذا الخطاب؟ فقال كما قال الشاعر عن ذلك الحمار: «قال حمار الحكيم يوما لو أنصف الدهر كنت أركب لأنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب». بعض أهل العلم أتى بطريفة فقال: لما كان حمارا وغبيا قال ماذا؟ قال: «الدهر». فجعل الرافع الخافض من الدهر. «لو أنصف الدهر». واضح. جماعة. وقال بعضهم: هذا قد يكون بيتا من أبيات شعراء القدامى. وتعرفون أنهم كانوا يعيدون النوائب على ماذا؟ على الدهر. ما يحدث الإنسان من نوائب على الدهر. فعلى كل، نسبة الحوادث إلى الدهر -من خير أو شر- لا يجوز، لأن الله -جل وعلا- هو الذي يحدث في خلقه ما شاء. ولا يجوز كذلك سب الدهر، لأنه يلزم منه سب من سخر هذا الدهر، فهو خلق من مخلوقات الله -جل وعلا-. لذا بعض أهل العلم حاول أن يعدل البيت فقال: «قال حمار الحكيم يوما لو أنصفوني كنت أركب لأنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب». فالحاصل أن فيه ذم لماذا؟ فيه ذم للجهل المركب. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: «والعلم الضروري ما لا يقع عن نظر واستدلال»، كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، وهي السمع والبصر واللمس والشم والذوق. فإنه يحصل بمجرد إحساس بها من غير نظر واستدلال. قال صاحب الحاشية: ما لم يقع، أي علم ما لم يقع إلى آخره، فلا يقال: التعريف غير مانع لتناوله التقليت مع أنه ليس علما. يعني الآن العلم الضروري قال: «ما لا يقع عن نظر واستدلال». اعترض عليه بقولهم: بأن العام يصل إلى العلم من غير نظر ولا استدلال، يقلد شيخه، يقلد إمامه من غير نظر أو استدلال. هل هذا العلم يسمى علما يقينيا؟ واضح. جماعة. قالوا: إذن تعريف فيه ما فيه، لأنه يلزم من ذلك أن يكون علم المقلد علما ضروريا. قالوا: الأمر ليس كذلك، والأمر ليس كذلك، لأن المقلد -مقلد- لا يقال فيه بأنه عالم. فضل: أن يكون علمه الذي وصل إليه علما ضروريا. فقالوا: معناه أن النفس أدركته بمجرد التوجه إليه، كالعلم بأن الكل أعظم من الجزء، أو بالحواس الظاهرة. وأن توقف -وإن توقف- على حدث أو تجربة. فالأول كالعلم بأن نور القمر مستفاد من نور الشمس. والثاني كالعلم بأن السقمونيا مسهلة. هذا نوع من أنواع النبات كانوا يستخدمونه كمسهل للبطن. أو توقف على وجدان، كالعلم بأن فيك جوعا أو عطشا. أو توقف على تواتر. كثير وجد، أي وجدان. وجدان، أي وجد. إنسان جائع، والجوع علم ضروري أنه يحتاج إلى ماذا؟ يعني إنسان إذا شعر بالجوع، هذا علم ضروري أنه صار جائعا. عطش، بمجرد أن يجد العطش يشعر بأنه عطشان. هذا علم ضروري، لكن يستفيد عن طريق إيش؟ الوجدان. قال: وقد يكون بالحواس، وقد يكون بالخبر المتواتر، وقد يكون كذلك بالتجربة، وقد يكون كذلك بالعقل. بالحواس مثل ما تقدم، مثل ما تقدم ذكره: كأن يعلم الإنسان مثلا بأن السماء تشرق من المشرق، وأن هذه جهة المشرق، وخلف جهة المغرب. وهكذا. والعقل: الكل أكبر من الجزء. والتجربة مثل ما ذكر في السقمونيا، وغيرها من أشياء ثبت في التجربة. والتواتر كالخبر بوجود مكة. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على