الدرس في كتاب الطهارة 30، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
التيمم يكون بالوجه والكفين، وهناك اختلاف في ترتيب مسحهما، لكن الترتيب ليس بشرط لصحة التيمم. يُشترط أن يكون على صعيد له غبار.
يتم التيمم بضربة واحدة للوجه والكفين، ونية المسح مهمة. يُشدد على أن مسح اليدين يكون إلى الكفين وليس المرفقين.
إذا عجز الإنسان عن الوضوء أو التيمم لعدم وجود الماء أو التراب أو لمرض، يجوز له الصلاة بدون طهور، ولا تسقط الصلاة عنه ما دام قادرًا على الشعور بنفسه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. شيئًا جعله معنا ثالثًا، وهو عدم الاستطاعة، الاستيعاب أعضاء الوضوء، وهو في الحقيقة ضابط لخشية الضرر، ولأجل هذا كان قول أكثر أهل العلم في ذكر هذين السببين. طيب، قال المالكية: رحمه الله تعالى، وأعضاؤه الوجه، ثم الكفان. هذه المسألة الثالثة من مسائل باب التيمم، في ذكر أعضاء التيمم. أعضاء التيمم الوجه، ثم الكفان، كما نَقَلَ رحمه الله تعالى. وقد دلت الأدلة الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ذلك، منها ما جاء في الصحيحين في حديث عمران، في حديث عمار، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبره، قال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا»، فضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ومسح ظاهر كفيه وباطنهما، ومسح وجهه. فدل على أن أعضاء التيمم الوجه والكفان. وهل قوله رحمه الله: «الوجه ثم الكفان»، يعني الترتيب؟ على هذا الوجه، ظاهره يوهم ذلك، لكن ليس كذلك مما سيأتي إن شاء الله في كلامه، فإنه لم يَشْتَرِطْ ذلك في ذكر كيفية المسح، وهو الصحيح. فقد اختلف أهل العلم: أيهما يبدأ؟ هل بالكفين أو بالوجه؟ وذلك لأنه جاء في حديث عمار الابتداء بالكفين، وجاء في الصحيحين الابتداء بالوجه. ما هو الحديث الذي جاء بالابتداء بالوجه؟ استخضر، نعم. غير حديث عمار، هل يوجد غير حديث عمار؟ أظن أنه جاء من حديث أبي هريرة في هذا المعنى. واستدل من استدل من أهل العلم على القول الثاني: هو الابتداء بالوجه. والصواب أنه لا يشترط الترتيب، هذا الذي رجحه الشيخ رحمه الله في كتاب الفتاوى. لكن ما هو الصحيح في الترتيب؟ نحن قلنا: لا يشترط، ليس بشرط، يعني به يصح التيمم. لكن ما هو الصحيح؟ الصحيح الابتداء بالكفين ثم الوجه، هذا هو الصحيح لما دل عليه حديث عمار، لأنه صريح، قال: «ثم مسح وجهه»، و«ثم» تفيد الترتيب والتعقيب. بخلاف «الواو»، فالروايات الأخرى فيها «الواو»، و«الواو» لا تفيد الترتيب، بل تفيد الاقتران، بغض النظر عن أن يكون هذا المذكور قبل أو بعد. فإذن، الصحيح أن الأولى والأفضل والأكمل أن يبدأ بالكفين، ثم يمسح الوجه، وإن خالف بذلك فلا بأس بهذا. وهنا مسألة، وهو ما اشتهر عند بعض الشافعية وغيرهم من مسح اليدين إلى المرفقين، هذا مما لم يرد به حديث صحيح صريح. أما الآية في إطلاق اليدين، ليس فيها ذكر اليدين إلى المرفقين، لأن اليد في اللغة إذا أطلقت، فيراد بها الكفان فقط. ودليل ذلك آيات أخرى، قال الله عز وجل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ما تقطع اليد؟ بيّنتها السنة، تقطع اليد من أين؟ من المرفق أو من الرسغ؟ من الرسغ. وهكذا كذلك في التيمم. وقد بيّنت السنة ذلك، وروي في ذلك أحاديث، لكنها ضعيفة. قال رحمه الله: «يمسحهما مرة واحدة بضربة، ناويا مسميا». وهذه المسألة الرابعة من مسائل هذا الباب، وهي في ذكر كيفية المسح. قال: «يمسحهما مرة واحدة بضربة، ناويا مسميا». فقوله: «يمسحهما مرة واحدة»، يعني الكفين كما جاء في حديث عمار، ظاهرهما وباطنهما بضربة واحدة، ليس بضربات، ولا ثلاث مرات، بل مرة واحدة كما جاء في حديث عمار. وما ورد من غير هذا فهو ضعيف لا يصح. وقوله: «ناويا»، يعني ينوي. عموم الحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، و«إنما الأعمال بالنيات». وعلى قاعدة ابن القيم رحمه الله، بل وعلى قاعدة أهل العلم التي مرت معنا: أن النية إنما تشرع بالعبادة لماذا؟ لتمييز بين العادة من العبادة، والثاني العبادة من العبادة. والتيمم عبادة ليست موجودة إلا في هذا الدين، ليست موجودة لا عند اليهود ولا عند النصارى، بل موجودة في دين الإسلام فقط، وليس مثلها عبادة أخرى، وليس مثلها عادة، فهي لا تلتبس لا بعبادة ولا بعادة. فلهذا كان القول الصحيح فيها أنها لا تحتاج لنية، مجرد أن يضرب يده الأرض ويمسح وجهه، فإن ذلك يدل أنه توجه لفعل ماذا؟ فعل التيمم. وقوله: «مسميا»، يعني تقول: «بسم الله»، قياسًا على ما ورد في الوضوء، هذا هو قول أكثر أهل العلم. وبقي شيء، وهو من كيفيته: أن يضرب ضربة واحدة على الصعيد، والصعيد هو الأرض الذي له غبار. ودليله ما جاء في صحيح مسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا»، قال: «وتربتها لنا طهور». فقوله: «تربتها» يدل على أن الذي يطهر به من الأرض هو ما له غبار. ولهذا كان القول الصحيح من أهل العلم أنه لا يصح التيمم بما ليس فيه غبار، بل لا بد أن يكون هناك غبار. وهنا تأتي مسألة، فإذا لم يوجد الماء ولم يوجد الغبار، فما الذي يصنع الإنسان؟ هل يترك الصلاة؟ الجواب: لا، بل يصلي بغير طهور، يصلي بغير طهور. لكن ما يمسح على الجدار، مثل هذا الغلاف الرخام، تمسح عليه وتتيمم ما يجد. ولا يصح التيمم بهذا، هذا مثل الرجل المكتوف الذي يريد أن يصلي، لا يستطيع يتوضأ ولا يتيمم. وما هو الدليل على ذلك؟ دليله كما قال العلماء حديث عائشة، فهو دليل. فابن الطهورين، فإن عائشة رضي الله عنها حين أضاعت القلادة كما في الصحيحين، ولم يفرض التيمم بعد، ولم يكن عندهم ماء، فصلّوا صلاة بغير ماء، ثم نزلت عليهم آية التيمم. فكان ما كان حتى قال من قال: «ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر». الشاهد من هذا يستدل العلماء بهذا الحديث على جواز الصلاة بغير وضوء ولا تيمم عند فقدهما، أو عند عدم الاستطاعة لهما، مثل ما سبق، أو الرجل المكتوف، أو عند الرجل المحجوز، الرجل المريض الذي لا يستطيع أن يمس الماء، ولا يستطيع أن يحرك يديه لمس التراب، ومع ذلك ما تسقط عنه الصلاة، ما دام يستطيع يصلي ويشعر بنفسه، فإنه يصلي. فإن نكتفي بهذا القدر، ونكمل ما تبقى في درس لاحق، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.