الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 78، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا الفصل خطورة إشاعة الفاحشة وتأثيرها على المجتمع، ويحذر من نشر الشائعات والأكاذيب دون التأكد من صحتها. يستشهد بآيات القرآن والأحاديث النبوية التي تنذر بعذاب من يشيع الفاحشة.
ينصح هذا الفصل بالتأني وعدم العجلة في نشر الأخبار، ويحذر من التسرع في ذكر عيوب الآخرين دون النظر إلى عيوب النفس. يشير إلى أهمية إصلاح العيوب الشخصية قبل انتقاد الآخرين.
يُحذر هذا الفصل من مناداة الناس بألقاب يكرهونها، ويستدل على ذلك بالآية الكريمة ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. ينبه إلى أن فعل ذلك يعد مخالفة لما أمر به الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب من سمع بفاحشة فأفشاها. قال حدثنا محمد، ومن محمد غالبًا إذا أطلقه البخاري الظهلي، قال حدثنا محمد، من المثنى أبو موسى العنزي، قال حدثنا وهب بن جرير، قال حدثنا أبي، قال سمعت يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن مرتد بن عبد الله عن حسان بن كريب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: القائل الفاحشة والذي يشيع بها في الإثم سواء. قال الإمام الألباني رحمه الله: قال حدثنا محمد، قال حدثنا بشر بن محمد، قال حدثنا عبد الله، قال حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن شبيل بن عوف، وشبيل بن عوف ممن ذكره في الصحابة، قال حدثنا أبي، قال: كان يقال من سمع بفاحشة فأفشاها فهو فيها كالذي أبداها. ففي هذين الأثرين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وشبيل بن عوف، أن القائل للفاحشة والذي يشيع بها في الإثم سواء، أي الذي يحدث قول الفاحشة ويبدأ بها، والذي يشيع هذا القول الفاحش، كلاهما في الإثم سواء. من يرمي غيره مثلًا في عرضه، فلان مثلًا زاني أو زنا، ثم يأتي الآخر ويشيع هذا الخبر، فكلاهما في الإثم سواء، القائل والمشيع. وهكذا غير ذلك من الطعن في الأعراض، إذا رمى غيره وأشاع أو قال في غيره ما هو بريء منه، فإنه آثم، والذي يشيع هذا الخبر كذلك آثم. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فالله توعد من أشاع الفاحشة في أهل الإيمان، سواء كانت الفاحشة قولًا أو فعلًا. فعلًا كزنا أو لواط أو غير ذلك، وقولًا كاتهام في عرضه وفي دينه، وأنه قال كذا وهو لم يقل، فهذا كذلك مما يدخل في الإثم أو إشاعة فتنة، ويهيج الأسباب التي تشتعل فيها نار الفتنة، من نشر أشياء وتوزيع ملازم وأوراق، فإن هذا من إشاعة الفاحشة، تكون فيها هتك الأعراض وطعن، وهي أكاذيب والافتراءات، فهذا من إشاعة الفاحشة، القائل الفاحشة والذي يشيع بها في الإثم سواء. قال: وكان يقال من سمع بفاحشة فأفشاها فهو فيها كالذي أبداها، أي كالذي ابتدأها، الذي سعى في نشرها وفي شيوعها، فأنت لا تكن ممن يسعى في نشر الفاحشة وممن يشيع الفاحشة، بل ينبغي أن تكون ممن يبتعد عن ذلك ويسعى في إخماد نار الفتنة وعدم إشاعة الفاحشة بين أهل الإيمان. قال حدثنا محمد، قال حدثنا قبيصة، قال حدثنا حجاج عن ابن جريج، عن عطاء، وابن جريج مدلس، لكنه قال: إذا قلت قال عطاء فهو مما سمعته منه. وبعض أهل العلم حمل ذلك على سماع ابن جريج من عطاء، سواء قال ابن جريج: قال عطاء أو عن عطاء، سواء قال أو عن، لأن كلاهما ليست من الصيغ التي فيها التصريح بالسمع، فلهذا قبلت العنعنة إذا رواها عن عطاء. وهذا الذي يذهب إليه الشيخ الألباني رحمه الله. عن عطاء أنه كان يرى النكال على من أشاع الزنا، يقول: أشاع الفاحشة ولا فرق، يعني يرى عقوبة وتعزير من يرى أو من يشيع الزنا، ويقول: أشاع الفاحشة، ولو لم يكن هو الذي ابتدأ هذا القول، لكن هو ممن أشاع، فإنه كذلك يعاقب. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام في حادثة الإفك أقام الحد عليه الصلاة والسلام على من تكلم وأشاع هذا الخبر، يعني من قذف عائشة رضي الله عنها مما برأها الله سبحانه وتعالى منه من فوق سبع سماوات. وذلك لأن أعراض المسلمين عظيمة، إن أموالكم وأعراضكم ودماءكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، فلهذا شرع الله سبحانه وتعالى هذه الحدود حماية لهذه الأعراض ألا تنتهك، وألا كذلك يتعرض لها بسوء. فالذي يرمي غيره بزنا فإنه يقال له: هاتي شهودك، وإلا فالحد حد القذف، وهذا صيانة للأعراض. وهكذا كذلك إذا كان هذا في الزنا، فكيف لمن يرمي غيره بأنه من أهل البدع، وهو من أهل السنة على السنة واستقامة، فيأتي ويتهمه في عرضه ويرميه بالحزبية، وهذا كذلك من هتك الأعراض الذي لا ينبغي لمسلم أن يرمي به أخاه المسلم بغير حق وبغير حجة ولا برهان، وإنما مجرد أكاذيب ومجرد شائعات، قال: فلان وقال فلان، فالله المستعان. قال: باب العياب، قال حدثنا محمد، قال حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا سفيان عن عمران بن ضبيان عن أبي يحيى حكيم بن سعد، قال سمعت عليًا يقول: لا تكونوا عجولًا مذايع، وهو جمع مذياع، يعني ممن أذاع الشيء، والمراد الذين يشيعون الفاحشة، لا تكونوا ممن يتعجل، ممن عنده عجل وسرعة. عجولًا مذايع، احذروا من ذلك، وهذا حال كثير من الناس، ما إن يسمع خبرًا مباشرة ينشره هنا وهنا وهنا، ما تجد عنده تأني ولا تعقل في الأمور، بل عنده عجلة وتسرع، وهذا عاقبة أمره أحد أمرين، الذي يتعجل في الأمور وتسرع بين أمرين، إما الندم، وهذا إذا أذعن نفسه للحق أن يندم بعد ذلك ويرجع ويتوب عما حصل منه، وإما أن يتعصب ويركب الهوى رأسه ويبقى على ما هو فيه حتى يقع في الضلال بسبب العجلة. فينبغي للمسلم أن يتأنى ولا يتعجل في نقل الأخبار وإشاعة الفواحش والأقوال، كما قال رضي الله تعالى عنه: لا تكونوا عجولًا مذايع. كم من أقوال ربما تقال وهي أكاذيب وهي افتراءات باطلة، ينشرها من كان في قلبه مرض، ينشرها أمراض القلوب أو مرض القلوب، كما كان يفعل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، إذا كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وجد بعض أهل النفاق الذين ينشرون الكلام الباطل والكذب حتى يشيع الفاحشة في أوساط أهل الإيمان ويزعزع صفوفهم. فكيف بهذه الأزمنة؟ كيف بهذه الأزمنة؟ لا يؤمن أبدًا من وجود بعض المرضى الذين يبثون الأقاويل ويبثون الأكاذيب لنصرة أهوائهم ولإثارة الفتن في أوساط أهل الحق. فينبغي للمسلم أن يتريث وأن يتعقل وأن لا يتعجل، يترك الأمور لأهل العلم، العلماء الحمد لله موجودون، والأمور بأيديهم، وهم ينظرون فيما يقع ويحصل، فلماذا العجلة ولماذا التسرع؟ ولكن البعض يركبه الهوى، يريد أن ينتصر لهذا القول لأن هذا القول يرتضيه ويشفي غيظه وغليله، فلهذا تجده ينشر كل ما يساعد في بث ونشر هذا القول، فإذا جاء كلام أهل العلم رده، لماذا؟ لأنه لا يقبل هواه، هواه لا يقبل هذا القول قول أهل العلم، وإنما يقبل القول الآخر، فتجده يتعصب لذلك القول الذي أشاعه وأذاعه، فيأبى إلا أن يصر على الباطل. قال: لا تكونوا عجولًا مذايع بذرًا، والبذر جمع بذور، الذي لا يستطيع أن يكتم سره، أي المفشون للأسرار، أي لا تكون ممن هذه أخلاقه، بذر الذي لا يستر ويحفظ الأسرار، إذا أخبر بسر أذاعه وأشاعه، رغم ما يقال له: هذا سر لا تخبر به أحد، ثم ما تدري إلا ويقوم أمام الآلاف من الناس ويقول: والله فلان قال كذا وكذا وكذا، هكذا يشيع هذا السر ولا يبالي، هذا ما عنده أمانة، هذا يعتبر خائن، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: الرجل إذا حدثك بحديث ثم التفت فهي أمانة، إذا التفت فقط فاعتبر هذا الكلام أمانة وسر، فكيف إذا قال لك: لا تحدث به أحد واحفظ هذا الكلام، فهذا أولى أن تحفظه وأن تكون أمينًا على هذا الكلام. قال: لا تكونوا عجولًا مذايع بذرًا، فإن من ورائكم بلاءً مبرحًا، قال: البرح بفتح الباء وسكون الراء، الشدة والشر والعذاب الشديد والمشقة، قال: مملحًا في بعض الطرق، مكلحًا، أي يكلح الناس لشدته، والكلوح العبوس، وأمورًا متماحلة ردحًا، متماحلة أي طويلة، وردح وردح أي جمع رداح، وهو الجمل المثقل الحملًا، والمعنى أن وراءكم فتن ثقيلة عظيمة. فإن من ورائكم بلاءً مبرحًا مملحًا وأمورًا متماحلة ردحًا، يعني وراءكم أمور عظيمة ينبغي أن تنظروا فيها وأن تحسبوا لها، لكن هذا يعقله من كان عنده تأني في الأمور وعدم عجلة، أما الذي يستعجل فتجده يندم بعد ذلك، أو يستمر على باطله، فهو ينشر الأخبار ويشيعها ولا ينظر إلى عاقبة هذه الأخبار التي ينشرها ويبثها، وما تدري إلا وحصلت فتن عظيمة وتمزق بسببها أهل الحق بسبب هذه الأخبار، وهذه المذايع الذي يذيعها هؤلاء المرضى. فينبغي للمسلم أن يكون عنده التأني، وفي التأني السلامة، وفي العجلة الندامة. قال حدثنا بشر بن محمد، قال حدثنا عبد الله، قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس، قال: إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوب نفسك. قال شيخ الألباني رحمه الله: هذا ضعيف الإسناد، أبو يحيى وهو القتات الضعيف، لكن معناه صحيح، أنك إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوب نفسك قبل أن تنظر إلى عيوب الناس، فتفقد عيوبك أنت، لك عيوب أنت كذلك لك عيوب وعندك أخطاء، فبدل أن تذهب وتنظر وتفتش عن عيوب الناس، فانظر في عيوبك وأصلح ما عندك من العيوب، وهذا أدعى لك أن تعرف قدر نفسك، وأن كذلك تمسك لسانك. إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوب نفسك، ولا أحد يسلم من العيوب أبدًا، لا أحد يسلم من العيوب، لا كبير ولا صغير، ولا عالم ولا جاهل، فالكل معرض للعيوب ومعرض للخطأ. قال حدثنا بشر، قال أخبرنا عبد الله، قال حدثنا أبو معود عن زيد مولى قيس الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس في قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، قال: لا يطعن بعضكم على بعض. وهذا الأثر ضعيف، أبو معود وقيس الحذاء مجهولان، لكن روي ذلك عن غير واحد من السلف في قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، أي لا يطعن بعضكم على بعض، روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل بن حيان، أن النهي عن اللمز هو أن تلمز أخاك، تذكره بشيء لا يرتضيه، تطعن فيه، هذا لا يجوز. قال حدثنا موسى، قال حدثنا أبو هيب، قال أخبرنا داود عن عامر، قال حدثني أبو جبير عن الضحاك، قال: فينا نزلت في بني سلمة: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، قال: قدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس منا رجل إلا له اسمان، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا فلان، فيقولون: يا رسول الله، إنه يغضب من هذا. وهذا الحديث صحيح، وصححه شيخ الألباني رحمه الله، وأيضًا صححه شيخنا مقبل رحمه الله في كتابه صحيح المسند من أسباب النزول. ففيه أن هذه الآية: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، نزلت في بني سلمة، إذ قدم عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، وكان لهم أكثر من اسم، أي كل واحد له أكثر من اسم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام ينادي فلانًا بأحد هذه الأسماء، وهو لا يرتضي هذا الاسم، فيقولون: يا رسول الله، إنه يغضب منه، فنزلت هذه الآية بالنهي عن أن ينادي الإنسان شخصًا باسم لا يرتضيه، يناديه باسم أو بلقب لا يرضاه، فهذا لا يجوز. إذا كنت تعلم أن فلان هذا ما يرضى أن أحدًا يسميه بهذا الاسم أو يلقبه بهذا اللقب، فتأتي وتناديه به، هذا لا يجوز، ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾.