الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 97، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الكذب محرم سواء في الجد أو الهزل، ويجب على المسلم الصبر على أذى الناس ومخالطتهم مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما حذر النبي من الكذب لإضحاك الناس.
يجب على المسلم الصبر على أذى الناس ومخالطتهم، مع القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو اعتزال الناس حسب الأحوال والأزمان. الله سبحانه وتعالى يتأذى من أفعال العباد ويصبر عليهم.
صبر النبي صلى الله عليه وسلم على الإساءة مستدلاً بصبر موسى على أذى قومه، يبين أهمية الصبر على الإساءة وتطبيق ذلك في معاملة الناس بالإحسان. ينبغي للشخص التحلي بالحلم والصبر والتحمل.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد في باب لا يصلح الكذب، قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا جرير عن الأعمش عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله قال: لا يصلح الكذب في جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم ولده شيئا ثم لا ينجز له. والأثر صحيح، وهو من قول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. قال: لا يصلح الكذب في جد ولا هزل، ومن ذلك: ولا أن يعد أحدكم ولده شيئا ثم لا ينجز له، يعني أن هذا كذلك من الكذب. تقول لولدك: سأعطيك كذا وكذا، ثم لا تعطيه، فهذا من الكذب؛ لأنك أخلفت في وعدك، وكذبت في قولك. فالكذب لا يصلح في جد ولا هزل، لا يجوز أن تكذب في الأمر الجد، ولا كذلك أن تكذب في المزاح والهزل، تكذب مزاحا، هذا لا يجوز. قد حذر النبي عليه الصلاة والسلام ممن فعل ذلك، كما جاء في سنة الحديث: معاوية بن حيدة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ويل لمن كذب ليضحك الناس، ويل له، ثم ويل له». «ويل لمن كذب ليضحك الناس» يكذب من أجل أن يضحك الناس، كما يفعل الممثلون والمهرجون، سواء كانوا من الفسقة والفجرة أو ممن هو من أهل الإسلام، وكذلك أيضا ممن ينتسب إلى السنة، وإن كان هو بعيدا عنها، كما يفعل كثير من الحزبيين فيما يفعلونه من تمثليات. فتجدهم يكذبون من أجل إضحاك الناس، ويزعمون أن هذا وسيلة من وسائل الدعوة، أنها وسيلة من وسائل الدعوة: إقامة المسارح والتمثليات، ومعالجة الأوضاع كما يقولون عن طريق التمثيل. وهذا أمر محدث، مع ما فيه من مخالفات شرعية كثيرة، ومنها الكذب، وهي قائمة على الكذب، لا يمكن أبدا أن يمثلوا من غير كذب، فهم واقعون في هذا الذنب العظيم الذي حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام: «ويل لمن كذب ليضحك الناس، ويل له، ثم ويل له». وهكذا أيضا كذلك لا ينبغي للمسلم أن يظهر للطفل شيئا أو يزعم أنه يعطيه شيئا وليس معه شيء، يقول له: تعال أعطيك ما في يدي، وهي يجد أن يمازحه، ويده ما فيها شيء، فهذا يعتبر من الكذب. وقد ثبت في السنن، وقد صحح إسناده الألباني رحمه الله في الصحيحة: أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى امرأة تدعو صبيا لها وتقول: تعال أعطيك شيئا، فلما جاء أعطته. فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «أما إنك لو لم تعطيه لكتبت عليك كذبة». «أما إنك لو لم تعطيه لكتبت عليك كذبة»، يعني: لو دعيته ولم تعطيه شيئا فتعتبر كذبة، تعتبر هذه كذبة. فينبغي للمسلم أن يحذر من الكذب، سواء كان في قول أو في فعل، سواء كان في قول أو في فعل. فالكذب من صفات أهل النفاق، وليست من صفات أهل الإيمان. قال: بابنا الذي يصبر على أذى الناس. قال: حدثنا آدم وابن أبي إياس قالا: حدثنا شعبة، وابن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث عن الأعمش سليمان بن مهران عن يحيى بن وثاب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». وهذا الحديث صحيح، وصححه الألباني رحمه الله. وفي هذا الحديث بيان فضل من يخالط الناس ويصبر على أذاهم: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». ففيه أن من خالط الناس وصبر على أذاهم - والمراد بذلك أنه يصبر عما يصدر منهم من سوء - وهكذا أيضا كذلك من شر، سواء كان في قول أو فعل، مع قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا أفضل. فهذا أفضل من الذي يعتزل الناس ويترك مخالطتهم، ولا يصبر على أذاهم، ولا يصبر على أذاهم. وهذا يختلف باختلاف الناس، وكذلك باختلاف الأحوال والأزمان. ففي زمن يكون الصبر على أذى الناس والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأفضل، وهو الذي ينبغي أن يقوم به المسلم. وفي زمن قد يكون الأسلم له والأفضل له أن يعتزل الناس، أن يعتزل الناس وأن لا يخالطهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يأتي على الناس زمان يكون خير مال المسلم غنم يتتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن». يفر بدينه من الفتن. فمثل هذا الزمن الذي لا يستطيع المسلم أن يخالط به الناس لكثرة الفساد والشر، فيخاف على نفسه الفتنة، فهنا الأفضل له والأسلم له أن يعتزل. لكن إذا كان في زمن يستطيع أن يخالطهم، زمن فيه شيء من الشر، وفيه كذلك شيء من الخير، فإن الأفضل في مثل هذه الحالة هو الصبر على أذى الناس، مع القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان إليهم، والصبر على مخالطتهم. قال: باب الصبر على الأذى. قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال: حدثني الأعمش عن سعيد بن جبير عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل، وإنهم ليدعون له ولدا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفيه فضل وعظم الصبر على الأذى: «ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل». فالله سبحانه وتعالى يتأذى مما يفعله العباد، مما يفعله العباد من كفرهم وإعراضهم. «أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل، وإنهم ليدعون له ولدا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم». الله جل وعلا يرزق العباد: المسلم والكافر، وهكذا كذلك ينعم عليهم بالصحة والعافية، ثم يقابلون هذه النعم بالكفر واتخاذ الأنداد لله سبحانه وتعالى، أو مع الله عز وجل. وهذا مما نهى الله سبحانه وتعالى عنه، ومما كذلك يخالف ما أمر الله جل وعلا به من الإيمان برسله وأنبيائه. فلذلك ينبغي على المسلم أن يكون عنده صبر مما يفعله الناس من معاصي وذنوب ومخالفات، وارتكاب للكفر والشرك، أو وقوع في أنواع من الكبائر وغير ذلك. فينبغي أن يصبر، وأن يعالج هذه المعاصي بالعلاج الصحيح: من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس وتفقيههم، ونشر العلم. ولا يكون حاله كحال بعض الفرق الضالة التي إذا رأت مثل هذه الأفعال لم تصبر، فحكمت على تلك المجتمعات التي تفعل فيها هذه المعاصي بالكفر، وأنها مجتمعات جاهلية، وأن حكامها كفار، وأن كذلك من كان تحت الحكام من الوزراء والمسؤولين كذلك كفار، وأن كذلك جيشها وحراسها كذلك كفار. وهكذا يكفرون جميع المسلمين، يكفرون جميع المسلمين. وهؤلاء هم الخوارج الخوارج العصر. وليس هذا من منهج أهل السنة والجماعة أبدا. فإن صاحب الكبيرة من عقيدة أهل السنة والجماعة: أنه تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، وهو مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته. لكن لما لم يصبروا على هذه المعاصي وهذه الأوضاع، كفروا المسلمين. وهكذا أيضا كفروا وحكموا على مجتمعاتهم بالكفر والردة، حكموا على مجتمعاتهم بالكفر والردة. وهكذا آخرون ربما لم يصبروا، فاتخذوا أساليب وطرق محدثة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى: إما بإقامة كما سمعنا المسرحيات، أو كذلك بفعل الأناشيد، أو كذلك أيضا بفعل غير ذلك من طرق ووسائل يريدون بها تغيير أحوال المسلمين. وهي أمور محدثة، ليست في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ربما في الكتاب والسنة ما يدل على بطلانها، وعلى كذلك عدم جوازها. لكن الواجب على المسلم أن يصبر، وأن يعالج الوضع بالعلاج الصحيح: من نشر الكتاب والسنة على فهم السلف رضوان الله تعالى عليهم. قال: وحدثنا عمر بن حفص قال: حدثنا أبي، وهو حفص بن غياث، قال: حدثنا الأعمش قال: سمعت شقيقا يقول: قال عبد الله: قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسمة كبعض ما كان يقسم، فقال رجل من الأنصار: والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله عز وجل. قلت: أنا لأقولن للنبي صلى الله عليه وسلم. فأتيته وهو في أصحابه، فساررته. قال: فشق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم، وتغير وجهه، وغضب، حتى وددت أني لم أكن أخبرته. ثم قال: «قد أوذي موسى بأكثر من ذلك، فصبر». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفيه إخبار عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه بما وقع من ذلك الرجل الخارجي حين قسم النبي عليه الصلاة والسلام قسمة، وكانت في غزوة حنين. فأعطى النبي عليه الصلاة والسلام بعض الناس، وخصهم بالعطاء دون بعض، خص بعض كبراء قريش بالعطاء تأليفا لهم: كعيينة بن حصن، وكذلك الأقرع بن حابس، وغيرهم. فقال هذا الرجل: «إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله». يعني: يتهم النبي عليه الصلاة والسلام بأنه ظالم، وأنه غير عادل، وأنه قسم قسمة جار فيها وظلم. وجاء في بعض الروايات أنه قال: اعدل، قال: يا محمد، اعدل، فإنك لم تعدل. فقال عبد الله بن مسعود: لأقولن للنبي صلى الله عليه وسلم. فأتيته، وفي بعض الروايات أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «ويحك، من يعدل إن لم أعدل». فجاء عبد الله بن مسعود فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فساررته، يعني: كلمته سرا فيما بيني وبينه. قال: فشق ذلك عليه عليه الصلاة والسلام لما سمع هذا الكلام العظيم، وتغير وجهه، وغضب. وفي بعض الروايات قال: حتى صار كالصرف، يعني: صار وجه النبي عليه الصلاة والسلام أحمر، صار أحمر كالصبغ الأحمر من شدة غضبه. قال: حتى وددت أني لم أكن أخبرته، يعني: ما أخبرت النبي عليه الصلاة والسلام بقول هذا الرجل. ثم قال: «قد أوذي موسى بأكثر من ذلك، فصبر». وفي بعض روايات أن عمر قال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه». وهذه هي العلة الصحيحة في عدم قتل النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الرجل. واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله لم يقتل؛ لأن هذا القول كفر، وسب للنبي عليه الصلاة والسلام، والذي يسب النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر كافرا، وحده القتل. وإنما ترك النبي عليه الصلاة والسلام قتله لقوله: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه». خشي عليه الصلاة والسلام من حصول مفسدة أعظم، فترك قتل هذا الرجل الفاجر. ثم قال: فقد أوذي موسى بأكثر من ذلك، وصبر. وهذا وجه الشاهد: موسى عليه السلام أوذي إذاء عظيما من قومه بني إسرائيل، ومع ذلك صبر عليه الصلاة والسلام. فالنبي عليه الصلاة والسلام صبر على ما سمع من هذا الأذى، وتأسى بمن كان قبله: «قد أوذي موسى بأكثر من ذلك، وصبر». وهكذا ينبغي أن يكون المسلم إذا أوذي، وتكل ما في حقه، فإنه ينبغي عليه أن يصبر، وأن يتأسى بأنبياء الله سبحانه وتعالى، ولا تأخذه الحمية، وتأخذه الشدة والغلظة، وكذلك ما عنده من خلق على معاملة هذا السوء بالإساءة على معاملة هذا السوء بالإساءة. فمن سبك فإن الأفضل أن تسكت عنه، وأن تقابل هذه الإساءة بالإحسان. فما يسب سبا، وتعطيه عشر سبات. ربما هذا حال بعض الناس: ما يصبر من أعطاه كلمة ردها عليه بعشر، ومن تكلم عليه بشيء ربما رد ذلك بأعظم منه، ويصدر منه ربما من الأقوال والأفعال ما لا يصدر من رجل حليم. والذي ينبغي أن يعامل ما يحصل بالمعاملة الصحيحة، وخاصة إذا كان ممن ينتسب إلى العلم، ممن ينتسب إلى العلم. فلا ينبغي أن يكون حاله كحال بعض الحمقى الذين إذا أسيئ إليهم ردوا تلك الإساءة بأمثالها وأضعاف. بل ينبغي أن يكون عنده الحلم والصبر والتحمل.