التعليق على كتاب كشف الشبهات 4

الدرس في التعليق على كتاب كشف الشبهات 4، ألقاها

عبادة المشركين لغير الله ودعوة النبي للإخلاص

المشركون كانوا يعبدون غير الله بأشكال متعددة، ودعا النبي إلى إخلاص العبادة لله وحده. الآيات القرآنية نهت عن دعاء غير الله وأكدت على إخلاص العبادة لله.

حكم صرف العبادات لغير الله تعالى

الدعاء والذبح والنذر عبادات لله وحده، ولا يجوز توجيهها لغيره. من صرفها لغير الله فقد أشرك، ويجب إفراد الله بهذه العبادات.

توحيد الألوهية ومعناه في لا إله إلا الله

توحيد الألوهية هو صرف العبادات لله وحده، ومعنى لا إله إلا الله هو لا معبود بحق إلا الله. الإقرار بتوحيد الربوبية لا يكفي دون تحقيق توحيد الألوهية.

أهمية تحقيق معنى لا إله إلا الله

معنى لا إله إلا الله هو لا معبود بحق إلا الله، وهي سبب خلق الله للخلق وبعث الرسل. الإقرار بالربوبية دون تحقيق هذا المعنى لا يكفي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله، ليشفعوا له، أو يدعو رجلا صالحا مثل اللات، أو نبيا مثل عيسى. وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم على هذا الشرك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، كما قال الله تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا﴾، وكما قال تعالى: ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء﴾. وتحققت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله. وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء، يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك، هو الذي أحل دماءهم وأموالهم. ذكر رحمه الله في هذا المقطع بيّن فيه ما كان عليه أولئك المشركون من عبادتهم غير الله جل وعلا، وأن عبادتهم لغير الله كانت متنوعة. منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله، ومنهم من يدعو رجلا صالحا مثل اللات - ولات رجل كان يلد السويق للحجاج أن يجعل لهم السمن في الطعام، فلما مات عكفوا على قبره وعبدوه من دون الله - أو نبيا مثل عيسى عليه السلام؛ لما جعل الله سبحانه وتعالى في يديه من خوارق العادات. فكانت عبادتهم لهم لأجل طلب القرب والشفاعة. ومع ذلك فقد قاتلهم الرسول عليه الصلاة والسلام، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده. وعلم من ذلك أن إقرارهم بالربوبية - كما سيأتي - لم يكن ذلك كافيا في عصمة دمائهم وأموالهم. فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى إخلاص العبادة لله، وأن يحقق توحيد الله جل وعلا، كما قال الله: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا﴾. المساجد فسرت بتفسيرين: الأول المراد بها المساجد التي بنيت لعبادة الله ولطاعة الله، والتفسير الثاني المراد بالمساجد أعضاء السجود. وكلا التفسيرين صحيح؛ فإن المساجد ينبغي أن تكون لله، وأن تكون العبادة خالصة لله جل وعلا، وكذلك يكون سجود العبد خالصا لله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿فلا تدعو مع الله أحدا﴾؛ أحدا نكرة في سياق النهي، تفيد العموم؛ لا تدعو مع الله جل وعلا أحدا؛ لا شمسا ولا قمرا ولا شجرا ولا حجرا ولا ملكا ولا نبيا ولا غير ذلك من المخلوقات. فالعبادة ينبغي أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى وحده. وكما قال تعالى: ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء﴾؛ فالدعوة الحق دعوة التوحيد والإخلاص والعبادة هي لله سبحانه وتعالى؛ فالله عز وجل هو الإله الحق الذي يجب أن تصرف له العبادة وحده دون من سواه. والذين يدعون من دونه - أي من دون الله جل وعلا - سواء على جهة الاستقلال بأن دعا غير الله جل وعلا وحده، أو دعا مع الله جل وعلا غيره - كحال كثير من المشركين - فهؤلاء الذين يدعونهم لا يستجيبون لهم بشيء؛ لا ينفعونهم، فلا يحيون ولا يخلقون ولا يرزقون ولا يملكون من الأمر شيئا؛ لا في جلب نفع ولا في دفع ضر. فكيف يدعونهم من دون الله جل وعلا؟ ومثل هذه الآيات لا يقولها جل وعلا: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾. فالذي يدعى من دون الله جل وعلا هو في غاية العجز والضعف؛ ما يملك أدنى الأشياء وأصغر الأشياء كالقطمير - الغشاء الذي يكون على نواة التمر - فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ قال: وتحققت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل هؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله جل وعلا، وصرفوا العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. فقاتلهم عليه الصلاة والسلام ليكون الدعاء كله لله؛ الدعاء على قسمين: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. دعاء العبادة هو أن تعبد الله جل وعلا وتتقرب إليه بأنواع العبادات والطاعات المتضمنة للدعاء. ودعاء المسألة الذي هو دعاء الطلب؛ دعاء المسألة إذا كان في أمر لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى من جلب نفع أو دفع ضر، فهذا يجب صرفه لله، وصرفه لغير الله جل وعلا من الشرك الأكبر. فيجب أن يصرف هذا الدعاء لله سبحانه وتعالى، وقال ربكم: ﴿ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. والنوع الثاني من دعاء المسألة أن تدعو إنسانا حاضرا قادرا في شيء يستطيعه، فهذا جائز. وأما دعاء غير الله جل وعلا - كما سمعنا - فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا من الشرك، أو كذلك أن تدعو من كان غائبا أو كان ميتا، فهذا أيضا من الشرك الأكبر، ويجب صرف هذا الدعاء لله سبحانه وتعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدعاء هو العبادة». قال: والذبح كله لله؛ الذبح عبادة من العبادات العظيمة؛ إراقة دم البهيمة تقربا إلى الله جل وعلا على صفة مخصوصة. قال الله جل وعلا: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾. فالذبح بقصد التقرب إلى المذبوح له وتذل له، هذا الذبح عبادة لا يجوز إلا لله. فإذا صرف لغير الله كان من الشرك الأكبر. وأما الذبح - لا الذبح مثلا - إكراما للضيف أو لأجل الوليمة أو نحو ذلك، فهذا جائز، وهو في الأصل ذبح لله، لكن يراد به إكرام الضيف أو إكرام من يحضر لإعلان الزواج أو نحو ذلك، فهذا من الأمور المستحبة، وقد يكون أيضا مباحا لقصد الأكل والإطعام. قال: والنذر كله لله؛ قتلهم عليه الصلاة والسلام حتى يكون النذر كله لله. والنذر إلزام المكلف نفسه بشيء لم يلزمه به الشرع. فإذا نذر وكان النذر طاعة وجب عليه الوفاء، قال الله جل وعلا مادحا عباده المؤمنين: ﴿يوفون بالنذر﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». فالنذر لغير الله - التقرب إلى غير الله بأن ينذر له - هذا من الشرك؛ لأنه صرف عبادة لغير الله. قال: والاستغاثة كلها بالله؛ الاستغاثة طلب الغوث، وتكون عند حصول الشدة والكرب، هذه عبادة، وهي أخص من الدعاء؛ الدعاء عام في حال الرخاء وفي حال الشدة، والاستغاثة أخص فتكون في حال الشدة؛ فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة. والاستغاثة دعاء، قال الله جل وعلا: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾. وإذا كان عبادة وجب صرفه لله؛ فمن استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو استغاثة بمن كان ميتا أو كان حيا غائبا، فهذا من الشرك الأكبر؛ لأنه يعتقد أن هذا الميت أو هذا الغائب عنده قدرة واستطاعة أن ينفعه وهو في هذا الحال من الموت أو الغياب. وإن كانت الاستغاثة في أمر يستطيعه الإنسان وهو حاضر قادر، فهذا جائز؛ كما قال الله جل وعلا عن موسى عليه السلام: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾. قال: وجميع أنواع العبادات كلها لله؛ يعني قاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام لتكون هذه العبادات من دعاء وذبح ونذر واستغاثة أن تكون لله؛ لأنهم كانوا يصرفونها لغير الله من هذه المعبودات؛ يدعونها ويستغيثون بها ويذبحون لها وينذرون لها؛ فلم يكن هذا عاصما لهم - عاصما لدمائهم وأموالهم - مع إقرارهم بالربوبية. ولهذا قال: وتحقق وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم. كونهم يقرون بربوبية الله، وأن الله متفرد بالخلق والملك والتدبير، هذا لا يكفي، ولا يعصم الدم والمال. ولهذا قاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام، واستباح دماءهم وأموالهم؛ لأنهم كفروا وأشركوا في توحيد الألوهية بصرفهم العبادة لغير الله جل وعلا. فكون المرء يقر بالربوبية هذا لا يعصم دمه وماله حتى يفرض الله جل وعلا بالعبادة. قال: عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون، وهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله؛ يعني معنى قولك لا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله؛ فلا يستحق إله أن يعبد، أن تصرف له العبادة إلا الله، وغيره لا يجوز أن يعبد، وأن تصرف له شيء من أنواع العبادات من ذبح أو نذر أو استغاثة أو دعاء إلى آخره من أنواع العبادات والطاعات؛ هذا هو معنى لا إله إلا الله. ولهذا كما علمنا المشركون استكبروا أن يقولوا هذه الكلمة؛ لعلمهم بمعنى هذه الكلمة، وأنها تدل وتوجب وتلزم بترك جميع المعبودات التي يعبدونها مع الله جل وعلا؛ فلهذا أبوا أن يقولوها واستكبروا أن يتلفظوا بها. فهذا هو معناها؛ ليس معناها هو الإقرار بالربوبية كما يقول كثير من المتكلمين، ويتبعهم بعض الجهلة من المسلمين؛ رغم أن يفسر كلمة التوحيد لا إله إلا الله بأنه لا خالق ولا رازق ولا محيي ولا مميت إلا الله؛ هذا لا ينفع، وليس هذا بمعناها. ومن اعتقد ذلك فإنه سيكون حاله كحال المشركين الذين أقروا بالربوبية، وما كانوا بإقرارهم بربوبية قد حققوا معنى لا إله إلا الله. وإنما معناها - كما سمعنا - لا معبود بحق إلا الله؛ هذا هو معنى هذه الكلمة العظيمة التي لأجلها خلق الله جل وعلا الخلق، وبعث جل وعلا الرسل. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على