الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 77، ألقاها
يناقش أهمية التسوية بين الناس في طلب العلم وعدم التمييز بينهم، ويستشهد بأقوال السلف الصالح في هذا السياق. يشير إلى أن العلماء ينبغي أن يساووا بين الناس في أخذ العلم.
يتناول أهمية توقير العلماء واحترامهم، ويشير إلى أن العلماء لا يجيبون عن كل سؤال، وقد يخفى عليهم بعض المسائل. كما يذكر بعض الآثار التي تدل على هيبة العلماء.
يُناقش أهمية التعامل بأدب واحترام مع العلماء، ويُحذر من سوء الأدب في مخاطبتهم، ويُقدم أمثلة على عواقب ذلك من خلال أحاديث وأقوال السلف الصالح وتوقيرهم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب التسوية في العلم. قال: أخبرنا بشر بن الحكم، قال: حدثنا سفيان عن ابن ميسرة، قال: ما رأيت أحدا من الناس الشريف والوضيع عنده سواء غير طاوس، وهو يحلف عليه. وهذا الأثر صحيح، قول: غير طاوس، يعني من الكيسان اليماني. وهذا فيه أنه ينبغي للعالم أن يسوي بين الناس في أخذ العلم وفي طلب العلم، فلا يميز أحدا على أحد، ولا يقدم أحدا على أحد، فبباب العلم الرئيس والمرؤوس سواء، والراعي والرعية سواء. ولهذا كان بعض السلف إذا طلب منه ولي الأمر أن يأتي يحدثه، يقول: «العلم يؤتى إليه»، يعني لتكون كغيرك من الناس ممن يأتي ويجلس في مجلس العلم وفي حلقة العلم، ويسمع الحديث ويأخذ العلم. قال: وأخبرنا بشر بن الحكم، قال: حدثنا سفيان عن الزهري، قال: كنا نكره كتابة العلم حتى أكرهنا عليه السلطان، فكرهنا أن نمنعه أحدا. وهذا الأثر صحيح. يقول الإمام الزهري رحمه الله: كنا نكره كتابة العلم، يعني كانوا يعتمدون على الحفظ ولا يكتبون. قال: حتى أكرهنا عليه السلطان، فكرهنا أن نمنعه أحدا، يعني فيما أكرهنا ولزمنا بذلك، فلم نمنع أحدا أن يكتبه، لم نمنع أحدا أن يكتبه حتى يكون الناس سواء في إجازة كتابة العلم. ولعله يريد بقوله: حتى أكرهنا عليه السلطان، عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد رحمه الله، لأنه هو الذي أمر الزهري بكتابة الحديث، وأول ما دون الحديث في عهد عمر بن عبد العزيز، بأمره للإمام الزهري بذلك. فلما أكره على ذلك جعل الأمر لجميع الناس ولجميع طلبة العلم، لهم أن يكتبوا الحديث. قال رحمه الله: وأخبرنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا معاذ بن معاذ، قال: حدثنا ابن عون وعبد الله، قال: كلموا محمدا في رجل، يعني يحدثه، فقال: لو كان رجلا من الزنج لكان عندي وعبد الله بن محمد في هذا سواء. وهذا الأثر كذلك صحيح، يعني استشفعوا عند محمد العلم أن يحدث رجلا، فقال لهم: لا فرق عندي بين رجل أن يكون من العجم أو بين أقرب الناس، ومن هو من هو معروف عندي، فلا فرق بينه وبين غيره، الكل في طلب العلم وفي أخذ الحديث سواء. قال: وأخبرنا يحيى بن حسان، قال: عن حماد بن زيد، أبو إسماعيل عن الصلت بن راشد، أنه سأل سليما بن قتيبة، أنه سأل سليما بن قتيبة طاوسا عن مسألة فلم يجبه، فقيل له: هذا سليم بن قتيبة، قال: ذاك أهون له علي. وهذا الأثر حسن، يعني كأنهم أرادوا أن يذكروه بقيمة ومنزلة السائل، فلما قالوا: هو سليم بن قتيبة، قال: ذاك أهون له علي، يعني أن لا أجيبه أو لم أكن أجيبه، فهو يعرف أن العالم لا يجيب عن كل سؤال، وقد يخفى عليه بعض المسائل وبعض العلم، فكوني لم أجيبه ليس معنى هذا أني أجيب من أرد وأمنع من أرد، بل الأمر عندي أن الجميع سواء، لكن قد أجيب هذا لعلمي بالجواب، وقد لا أجيب الآخر لخفاء الجواب علي. قال رحمه الله: باب في توقير العلماء. قال: أخبرنا إبراهيم بن إسحاق، عن بقية أو عن وليد، قال: حدثني حبيب بن صالح، قال: ما خفت أحدا من الناس مخافتي خالد بن معدان. وهذا الأثر حسن. قال: وأخبرنا أبو نعيم أو الفضل بن دكين، قال: حدثنا سفيان عن مغيرة، قال: كنا نهاب إبراهيم هيبة الأمير. وهذا الأثر صحيح، إبراهيم هو النخعي، يقول مغيرة: كنا نهاب إبراهيم هيبة الأمير، يعني من توقيرهم واحترامهم وتقديرهم، لا أنهم يهابوه كما يهابون الأمير والسلطان. قال: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب، قال: حدث سعيد بن جبير يوما بحديث فقمت إليه فاستعدته، يعني طلبت منه أن يعيده، فقال لي: «ما كل ساعة أحلب فأشرب». وهذا الأثر صحيح، يعني طلب منه أن يعيد الحديث، فقال: ما كل ساعة أحلب فأشرب، يعني ما كل لحظة وفي كل وقت تسأل إعادة الحديث. قال: وأخبرنا محمد بن حميد، وهو الرازي قد كذب، قال: حدثنا هارون بن المغيرة ويحيى بن دريس عن عمر بن أبي قيس عن عطاء، ومن السائب أيضا عطاء بن السائب مختلط، أن أبا عبد الرحمن كره الحديث في الطريق. وهذا الأثر ضعيف. قال: أخبرنا عبد الله بن عمران، قال: حدثنا يحيى بن دريس، قال: حدثنا أبو سنان، هو سعيد بن سنان، هو صدوق عن حبيب بن أبي ثابت، قال: كنا عند سعيد بن جبير فحدث بحديث فقام له رجل فقال له رجل: من حدثك هذا أو ممن سمعت هذا؟ قال: فغضب ومنعنا حديثه حتى قام. وهذا الأثر حسن. وهذا من سوء الأدب مع العالم أن يخاطبه تلميذ بمثل هذه المخاطبة، الشيخ يحدث فيأتي الطالب أو رجل يقول: من حدثك هذا أو ممن سمعت هذا؟ هذا ما ينبغي أن يقع من التلميذ مع شيخه، إذا أراد أن يسأله يسأله بعد انتهاءه من المجلس بأدب وتوقير واحترام فيجيبه، أما بمثل هذه الصورة فقد يغضب ويمتنع من التحديث تأديبا له من مثل هذا السؤال. وهكذا أيضا زجرا للآخرين أن يفعلوا مثله، وربما يحرم طالب العلم نفسه العلم بسبب سوء أدبه ومعاملته مع شيخه، قد يحرم من العلم بسبب هذا. فلهذا أهل العلم يعني يذكرون في كتب العلم والكتب السنة والآداب كيفية التأدب في طلب العلم في أخذه وفي حضور المجلس العلم وفي سؤال العالم، ومتى الأوقات المناسبة التي يسأل فيها شيخه ونحو ذلك، حتى يتعامل مع شيخه بأدب واحترام وتوقير. قال رحمه الله: أخبرنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم عن سفيان عن الزهري عن أبي سلمة، قال: لو رفقت بابن عباس لأصبت منه علما كثيرا. والأثر صحيح. يقول أبو سلمة بن عبد الرحمن: لو رفقت بابن عباس، يعني لو ترفقت في المعاملة معه لأصبت منه علما كثيرا. وكأنه كان يعني يشدد عليه أو يكثر عليه المسائل أو شيء من ذلك فيمنعه ابن عباس من العلم والتحديث، فحرم نفسه كثيرا من العلم. فقال: لو رفقت بابن عباس لأصبت منه علما كثيرا. قال: وأخبرنا الحكم المبارك، قال: وأخبرنا بقية عن أم عبد الله بنت خالد، أم عبد الله اسمها عبده بنت خالد بن معدان، وهي مجهولة، قالت: ما رأيت أحدا أكرم للعلم من أبي، يعني خالد بن معدان. لكن الأثر في إسناده ضعف. المقصود من هذه الآثار أن ينبغي للتلميذ وللطالب أن يوقر العالم ويحترمه ويقدره. وصلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.