كتاب الطهارة 19

الدرس في كتاب الطهارة 19، ألقاها

مقدمة في مشروعية المسح على الخفين

يشرح المقطع الأول مشروعية المسح على الخفين مستنداً إلى حديث المغيرة بن شعبة وأحاديث أخرى متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أجمع عليه عامة أهل العلم.

شروط وأحكام المسح على الخفين

يُناقش المقطع الثاني شروط المسح على الخفين، ومنها لبس الخفين على طهارة كاملة، ويُبين اختلاف أهل العلم في حالة لبس الخف قبل إكمال الوضوء.

تحديد كيفية المسح على الخفين

المقطعان الثالث والرابع يناقشان صحة رواية مسح أعلى الخف وأسفله، ويُثبتان صحة رواية مسح أعلى الخف، ويُبينان أن المشروع في الوضوء هو مسح أعلى الخفين دون أسفلهما كما فعل النبي.

  • 25 جمادى الآخرة 1441هـ - 19/02/2020مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال حافظ من حفاظ الحديث -رحمه الله- في كتابه «بلوغ المرام»: باب المسح على الخفين. والباب، كما مر معنا، لغة: ما يدخل ويخرج منه، وفي الاصطلاح: ما جمع مسائل من العلم متشابهة. فهذا الباب مدخل إلى ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية المسح على الخفين. والخفان: ما يلبس على القدمين فوق الكعبين من جلد، ومثله ما كان من قطن أو صوف، ويسمى جوربًا، وحكمه حكم الخف، وربما في العرف أطلق لفظ الخف على الجورب. وسيذكر المؤلف -رحمه الله- في هذا الباب جملة من الأحاديث تدل على مشروعية المسح على الخفين. قال -رحمه الله-: عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال: «كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فتوضأ، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما»، متفق عليه. وللأربعة عنه -إلا النسائي-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مسح أعلى الخف وأسفله»، وفي إسناده ضعف. هذا الحديث: حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أنه كان مع النبي -عليه الصلاة والسلام- فتوضأ؛ أي: النبي -صلى الله عليه وسلم-. قال: فأهويت لأنزع خفيه؛ هوى: يعني نزل إلى الأرض؛ لأجل أن ينزع خفي النبي -عليه الصلاة والسلام-. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- له: دعهما؛ أي: لا تنزعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما. فهذا الحديث يدل على مشروعية المسح على الخفين، وهو أحد الأدلة الكثيرة؛ بل المتواترة الدالة على مشروعية المسح على الخفين؛ فقد روي عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أحاديث كثيرة. قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: فيه أربعون حديثًا عن الصحابة مرفوعة. وقال الإمام الحسن البصري -رحمه الله-: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يمسح على الخفين. وقال الإمام المبارك -رحمه الله-: ليس في المسح على الخفين بين الصحابة اختلاف، وبه قال عامة أهل العلم؛ بل الإجماع منقول على مشروعية المسح على الخفين. ولم يخالف في ذلك إلا بعض الخوارج والروافض؛ أنكروا المسح على الخفين، وقالوا: يجب غسل القدمين، وإن كان لابسًا للخفين، مع أن الروافض يجيزون المسح على القدمين وهما مكشوفتان؛ الشيعة يقولون بمسح القدمين وهما مكشوفتان، ولا يقولون بجواز المسح على الخفين إذا كانتا على القدمين. وهذا من ضلالاتهم ومخالفاتهم للشريعة. وكما سمعنا: الصحيح أن المسح على الخفين مشروع؛ بل مستحب، ولذلك أدلة كثيرة؛ بل متواترة. ومن أنكرها فما علم بثبوتها، وهو ضال. وهذا الحديث: حديث المغيرة، فيه أن النبي -عليه الصلاة والسلام- توضأ، وكان لابسًا للخفين. فلما وصل النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى القدمين، أراد المغيرة -رضي الله عنه- أن ينزع خفي النبي -صلى الله عليه وسلم-. فقال: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين؛ يعني أنه أدخل قدميه وهما طاهرتان في الخفين، فمسح عليهما. فهذا الحديث فيه أن المسح على الخفين له شروط، ومنها ما ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث، وهو أن يدخل الخفين وقدماه طاهرتان؛ أي: أن يتوضأ المسلم وضوءًا كاملًا، ثم يلبس الخفين، فله أن يمسح عليهما؛ فلابد من لبسهما على طهارة كاملة؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «فإني أدخلتهما طاهرتين». وهذا شرط من شروط المسح على الخفين. واختلف أهل العلم فيما لو غسل قدمه اليمنى، ثم لبس الخف قبل أن يغسل اليسرى، ثم غسل اليسرى ولبس الخف؛ هل له أن يمسح في مثل هذه الحالة؟ يعني: قبل أن يكمل الوضوء كاملًا؛ لما وصل إلى قدميه غسل القدم اليمنى، ثم لبس الخف الأيمن قبل أن يغسل القدم اليسرى، ثم غسل اليسرى ولبس الخف الأيسر؛ فهل له أن يمسح عليهما في مثل هذه الحال؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. ذهب الإمام مالك والشافعي إلى أنه ليس له أن يمسح عليهما في مثل هذه الحال؛ لماذا؟ قالوا: لأنه ما أدخل الخفين على طهارة كاملة؛ لما غسل القدم اليمنى لم يكمل الطهارة بعد، فأدخل خفه الأيمن قبل تمام الطهارة، ثم غسل اليسرى وأدخل الخف الأيسر. وذهب أبو حنيفة والإمام أحمد وبعض الشافعية إلى جواز المسح عليهما؛ لأنه بعد أن غسل قدمه اليمنى ولبس الخف، غسل القدم اليسرى فأكمل طهارته، فلبس الخف الأيسر؛ فصار لبسه على طهارة. وهذا ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أنه لا بأس أن يمسح عليهما في مثل هذه الحال. لكن الأحوط أنه يكمل الطهارة كاملة؛ فيغسل القدم اليمنى ثم اليسرى، ثم يلبس الخفين؛ خروجًا من مثل هذا الخلاف. وكذلك أيضًا يشترط في المسح على الخفين طهارة الخفين؛ لابد أن يكون الخفان طاهرين؛ فإذا كان الخف نجسًا فلا يجوز المسح عليه؛ إذا كانت النجاسة عينية؛ كأن يكون الخف من جلود السباع؛ فمثل هذا لا يجوز أن يمسح عليه؛ لأن جلود السباع نجسة ولا تطهر بالدباغ؛ فحينئذ لا يجوز أن يمسح على خفين من جلود السباع. وأما إن كانت النجاسة حكمية؛ فإنه يغسل الخف ويزيل النجاسة التي عليه، ثم بعد ذلك له أن يمسح عليهما. إذن عندنا الآن شرطان: الشرط الأول: أن يلبس الخفين على طهارة كاملة. الشرط الثاني: أن يكون الخفان طاهرين. وأما الرواية التي في السنن: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مسح أعلى الخف وأسفله»، فكما قال الحافظ -رحمه الله-: في إسنادها ضعف؛ فهي كما أشار الحافظ ابن حجر -رحمه الله- لها علتان: العلة الأولى: الانقطاع؛ الانقطاع بين ثور بن يزيد ورجاء بن حيوة؛ فثور لم يسمع أو يلق رجاء؛ فهو منقطع. والعلة الثانية: الإرسال؛ فقد رويت هذه الرواية من طريق كاتب المغيرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مباشرة، ولم يدرك النبي -صلى الله عليه وسلم-. ورجح الإرسال الإمام البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة، وضعف هذا الحديث الإمام البخاري وأبو حاتم وأبو داود والدارقطني وغيرهم. قال الحافظ -رحمه الله-: عن علي -رضي الله عنه- قال: «لو كان الدين بالرأي؛ لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسح ظاهر خفيه؛ يمسح على ظاهر خفيه»، أخرجه أبو داود بإسناد حسن. نعم، هذا الأثر: أثر علي -رضي الله عنه- رواه أبو داود من طريق الأعمش عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد خير عن علي، والأثر صحيح؛ صححه الحافظ ابن حجر، حتى العلامة الألباني -رحمه الله- ذهب إلى أن اختلف في لفظ هذا الأثر؛ هل هذا لفظه أو لفظه لفظًا آخر؟ رجح الإمام الدارقطني -رحمه الله- في «العلل» أن الصحيح في لفظ هذا الأثر أنه قال: «كنا نرى باطن الخفين أحق بالمسح من أعلاهما»؛ كنا نرى باطن الخفين أحق بالمسح من أعلاهما. فهذا الأثر فيه إخبار علي -رضي الله عنه- أن الدين ليس بالرأي وباستحسان العقل، وإنما بالدليل والاتباع؛ كنا نرى باطن الخفين أحق بالمسح من أعلاهما؛ لماذا؟ لأن باطن الخف هو الذي يباشر الأرض، وهو الذي يتسخ ويصيبه ما يصيبه من الأذى؛ فكان أولى أن يمسح؛ لكن ليس الدين بالعقول ولا بالآراء والأهواء، وإنما الدين بالاتباع الذي أمر به النبي -عليه الصلاة والسلام- هو أن يمسح الخف من أعلاه؛ ولم يمسح النبي -صلى الله عليه وسلم- أسفل الخفين؛ لم يمسح النبي -صلى الله عليه وسلم- أسفل خفيه. ومر معنا الحديث السابق: أنه ضعيف؛ أن النبي مسح أعلى الخف وأسفله؛ فهو لا يصح. وإنما الثابت عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه مسح أعلى الخف. ثم كذلك من نظر إلى حكمة الشريعة وعظيم مقاصدها وحسن تشريعها يعلم أن المسح على الخفين هو الحكم الصواب؛ لماذا؟ لأن لو مسح أسفل الخف لزاد ذلك اتساخًا؛ لو أن الإنسان يمسح أسفل خفيه ثم يمشي عليهما؛ سيعلق في الخفين ما يعلق من تراب وغيره؛ فهذا كان الأولى والأكمل والأحسن أن يمسح على الخف حتى لا يصيبه شيء من الأذى أو يعلق فيه. فعلمنا من هذا الأثر أن المشروع هو مسح أعلى الخفين فقط، وأنه لا يشرع مسح أسفل الخفين؛ فهذا الذي فعله النبي -عليه الصلاة والسلام-. وكذلك أيضًا علمنا أن الدين ليس باستحسانات العقول، وكذلك أيضًا بآرائها وأهوائها، وإنما هو باتباع الدليل وما أمر الله عز وجل به أو رسوله -عليه الصلاة والسلام-. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على