الدرس في في وداع عام، 21 ذو الحجة 1429 هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يحث الخطيب على اغتنام خاتمة شهر ذي الحجة وبداية العام الهجري الجديد بالتوبة الصادقة والاستدراك، مستشهداً بآيات وأحاديث تؤكد تقوى الله وحسن الخاتمة. ويذكر بأن الموت هادم اللذات وأن على المسلم الاستعداد له بالعمل الصالح قبل فوات الأوان.
يؤكد الخطيب على قصر العمر وضرورة محاسبة النفس قبل يوم الحساب، مستشهداً بأحوال الموت والحساب اليسير أو العسير. يحث على المبادرة بالتوبة ورد المظالم وصلح العلاقات واستغلال أوقات العمر في الطاعات قبل طي صحائف الأعمال.
يبرز المقطع فضائل الشتاء كفرصة لعبادة سهلة كأداء الصيام والقيام، ويذكر بنعم الله كالمأوى والكساء. ويحذر من زمهرير جهنم التي تتنفس في الشتاء، داعياً للتوبة والمسارعة بالخيرات.
يذكر الخطيب بقصر الأجل وعجلة الحساب، داعياً الله أن يمن بالطاعات ويجنب المعاصي. ويختتم بالدعاء بأن يحسن خاتمة المؤمنين ويدخلهم دار الأبرار مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، إننا في هذا الشهر المبارك، شهر ذي الحجة، آخر شهور العام، جعله الله عز وجل خاتمة الأشهر الحرم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. إننا في آخر العام، آخر السنة الهجرية، فإن المسلمين إنما حسابهم بالأشهر الهلالية القمرية، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا»، وأشار بيده ثلاث مرات، وفي الأخيرة قال: «هكذا»، وقبض أصبعه، أي أن حساب المسلمين إنما يكون بالأشهر القمرية، فتارة يكون الشهر ثلاثين، وتارة يكون الشهر تسعة وعشرين. فلذلك، عباد الله، ينبغي علينا أن نتذكر أننا في خاتمة عام من أعوامنا، وسنة من السنين التي وهبنا الله عز وجل إياها، فعلينا يا عباد الله أن نحسن الختام، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إنما الأعمال بالخواتيم». فمن أساء وأخطأ وأذنب، فعليه أن يبادر بالتوبة والاستغفار والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، ومن قصر وفرط في طاعة الله عز وجل، فعليه أن يستدرك ما فرط وقصر فيه، عسى الله سبحانه وتعالى أن يختم له بخير. عباد الله، إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يذكر أصحابه دائماً وأبداً باللحظة الأخيرة التي يكون فيها فراق الإنسان من هذه الحياة الدنيا. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «أكثروا من ذكر هادم اللذات»، يعني الموت، رواه الترمذي من حديث أبي هريرة. أكثروا، عباد الله، من ذكر هذا الموت، وأنتم في خاتمة العام، وتستقبلون بعده عاماً آخر، تستقبلون بعده شهر الله المحرم. هذا العام الأخير من أعمالكم، تطوى فيه أعمالكم في صحائفكم، فيجازيكم الله سبحانه وتعالى على تلكم الأعمال التي قدمتموها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، عياذاً بالله. عباد الله، إن الله عز وجل يذكر عباده المؤمنين دائماً، يذكرهم في كتابه الكريم بالموت، لأنه آخر ما يختم لهذا الإنسان. قال الله عز وجل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلك يذكر أمته بالموت، فيقوم عليه الصلاة والسلام في ثلث الليل الآخر، يقول: «أيها الناس، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الراجفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه». نعم، عباد الله، جاء الموت بما فيه، جاءت هذه اللحظة التي ينتظرها كل إنسان على هذه الحياة الدنيا. يقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تتمنوا الموت، فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة»، رواه أحمد. عباد الله، إن هول المطلع شديد، هول المطلع ما يكشف لهذا الإنسان حال احتضاره، حين يعاين الملائكة، ويتنزل بأمر الله جل وعلا لقبض روحه، يعاين ذلك، ويعاين كذلك سكرات الموت وشدتها وهولها وكربتها، يعاين هذا كله، ويعاين كذلك البشارة، تكشف له حينها أعماله الخيرة وأعماله السيئة، تكشف له حال الاحتضار، فلذلك يكون في هول شديد. النبي صلى الله عليه وسلم يذكرنا بهذا المطلع الذي سيطلع عليه الإنسان ولو بعد حين. نعم، عباد الله، علينا أن نتذكر ذلكم، فإنه مهما طالت بنا الأعمار، فإننا مغادرون وراحلون ومسافرون من هذه الحياة الدنيا، وسنلقى الله سبحانه وتعالى. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأخذ بمنكب ابن عمر، ويقول له: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». كان ابن عمر يقول: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من قوتك لضعفك، ومن صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك»، رواه الإمام البخاري. هكذا ينبغي أن يكون العاقل، ينظر في آخرته، ينظر فيما قدم من أعمال صالحة. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقليل من يتجاوز ذلك». على الإنسان أن يحاسب نفسه حساباً شديداً قبل أن تحاسب يوم القيامة، وتقف بين يدي ربك، يا عبد الله، فيحاسب هذه النفس حساباً، يحاسبها حساباً على قدر أعمالها، إن كانت من أهل الإيمان والصلاح والخير والتقوى، جوزيت بذلكم الحساب اليسير، جوزيت بالحساب اليسير، وأما إن كانت غير ذلك، فإنها تجازى، والعياذ بالله، بالحساب العسير. ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. «عش ما شئت يا عبد الله، فإنك ميت»، فهذه وصية جبريل عليه الصلاة والسلام لنبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث قال له: «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به»، رواه الحاكم والبيهقي من حديث سهل بن سعد، وصححه العلامة الألباني. نعم، عباد الله، هذه اللحظة ولابد، هذه اللحظة سنخرج منها جميعاً من هذه الحياة الدنيا، وستأتينا ولو بعد حين، إذا شاء الله. قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. إذا جاء الأجل، يتمنى الإنسان أنه يبقى، وأنه يعود، وأنه يرجع إلى هذه الحياة الدنيا لكي يعمل الصالحات، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقول بعض السلف رحمه الله تعالى: «من أصلح فيما بقي غفر له ما مضى، ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وبما بقي». علينا أن نصلح أعمالنا، عباد الله، فيما تبقى من أعمالنا. إن كنا أسأنا في حق أحد من الناس، علينا أن نتوجه إليه، علينا أن نتوجه إليه بطلب العفو والمسامحة، قبل أن لا يكون درهم ولا دينار. يا عباد الله، إنما هي الحسنات والسيئات، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة: «من كان له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلل منه اليوم، قبل أن لا يكون درهم ولا دينار، إنما هي الحسنات والسيئات، تأخذ من حسناتك، وتطرح لأخيك الذي ظلمته ولم تستسمح منه في هذه الحياة الدنيا». ومتغير تائب لله سبحانه وتعالى من ذلكم الظلم الذي ظلمته لأخيك المسلم، تأخذ منك الحسنات، وترجع إليك السيئات، عياذاً بالله. علينا، عباد الله، أن نصلح أمورنا المعيشية، نصلحها بما قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. علينا أن نصلح مشاكلنا مع أنفسنا، ومع أهلينا، ومع زوجاتنا، ومع أولادنا، ومع آبائنا وأمهاتنا وإخواننا، ومع جيراننا. علينا أن نبادر لحل كل معضلة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. على المسلم أن يوسع صدره لإخوانه المسلمين، على المسلم، عباد الله، أن يتعامل بالآداب الإسلامية والأخلاق الشرعية التي في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إن أراد لنفسه النجاة، وإن أراد لنفسه الفلاح في الدنيا والآخرة. إن الأجل آت، وإن العمر قصير، يا عباد الله، فلماذا لا نستغله في طاعة الله جل وعلا؟ لماذا لا نستغل الدقائق، ونستغل الساعات والأيام والليالي والشهور والسنوات، فيما يقربنا إلى الله سبحانه وتعالى، وفيما يحوجنا في الدار الآخرة؟ فإن الإنسان يوم القيامة محتاج لعمل واحد، ولو كان صغيراً، ليثقل به موازينه، فيندم ويتحسر على ما فرط في جنب الله سبحانه وتعالى، كما أخبر الله عز وجل: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. كثير من الناس تتلى عليه آيات الله في الخطب والمحاضرات والجمع ونحو ذلك، لكنه قليل العمل، وكثير ما ينسى ويغفل عن ذكر الله عز وجل، وعن ذلكم الأمر المحتوم الذي سيأتيه، إن عاجلاً أو آجلاً. نعم، عباد الله، علينا أن نستغل أوقاتنا فيما بقي هذا الشهر، حتى تطوى صحائف الأعمال في هذا العام بخير، ويختم الله عز وجل لنا بالحسنة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله، شاء الله عز وجل أن يكون خاتمة هذا العام، وهو شهر ذي الحجة، في فصل من فصول السنة الأربعة، أن يكون هذا الشهر في فصل الشتاء. وهذا الشتاء فصل من الفصول الأربعة التي خلقها الله سبحانه وتعالى، وهذا الشتاء له فضائل وله مزايا، ولعلنا غفلنا، عباد الله، أو نغفل عما جعله الله سبحانه وتعالى زاداً لنا، وتكفيراً لسيئاتنا، وحطاً لخطايانا وذنوبنا. جعله الله سبحانه وتعالى هذا الفصل فيه أمورا عظيمة. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مبيناً فضل الشتاء، وأن العمل الصالح فيه عظيم، قال عليه الصلاة والسلام: «الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة»، رواه أحمد والترمذي من حديث عامر بن مسعود رضي الله عنه، وصححه الألباني. الصيام في الشتاء، يا عبد الله، غنيمة، غنيمة باردة، ومعنى الغنيمة الباردة أنها تحصل بدون قتال ولا مشقة ولا تعب. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه لأصحابه يوماً: «ألا أدلكم على الغنيمة الباردة؟» قالوا: بلى، قال: «الصيام في الشتاء، غنيمة باردة». والله إنها لسهلة، وإن العمل الصالح ليسير على من يسره الله تعالى عليه. تصوم النهار وهو قصير، في الشتاء، من فضل الله تبارك وتعالى أن يسر لك، يا عبد الله، ما تستعين به في أمور آخرتك، ويكون زاداً لك في أخرتك، تدخل به جنة الله. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال، كما في السنن من حديث أبي سعيد: «من صام يوماً في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً»، وفي رواية: «مئة خريف»، مئة عام، يباعد الله عز وجل وجهك عن النار بصوم يوم واحد في سبيل الله، ابتغاء مرضات الله. وأفضل ما يكون سهلاً عليك، يا عبد الله، في الشتاء، حيث لا تظمأ. ولهذا بكى معاذ رضي الله تعالى عنه عند موته، تأسفاً وحسرة على ما فات، ومن قضى من الأعمار والأيام التي قد قضاها في طاعة الله، ولكنه أحب أن يزداد خيراً مع ما كان فيه من الخير والعمل الصالح. قال: «أبكي لثلاث: أبكي لظمأ الهواجر، وأبكي كذلك لقيام الليل في الشتاء». أي أن قيام الليل في الشتاء، الشتاء يطول ليله، فيأخذ المسلم حظه من قيام الليل، وينام ويرتاح فيه لطول ذلكم الليل. وأبكي على ذلكم القيام الذي في الشتاء، وأبكي على مفارقة العلماء. هكذا أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتندمون ويتحسرون لما فات من الخير عندما يحتضرون، فكيف بنا نحن، يا عباد الله، ونحن الذين قد كثرت ذنوبنا، وأسأنا في أعمالنا؟ فوالله ما ندري، أقبلت مننا الأعمال أم لم تقبل؟ يقول إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: «إن للموت سكرات، لا يقوى عليها إلا منيب مخبت طائع لله جل وعلا». نعم، عباد الله، إن فصل الشتاء عظيم، يتذكر فيه المسلم نعمة الله عز وجل عليه، فقد أنعم الله عز وجل علينا بالبيوت، وأنعم علينا بالسكن، وأنعم سبحانه وتعالى علينا بالثياب التي تقينا هذا البرد. قال الله عز وجل ممتناً على عباده، كما في سورة النحل: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُم سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُم وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ * كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾. فمن نعم الله عز وجل ما أعطانا من الثياب التي تقينا هذا البرد، فيتذكر المسلم نعمة الله عز وجل عليه في الشتاء، وإنما يعرف ذلك من هداه الله سبحانه وتعالى لآياته. وهكذا، عباد الله، في هذا الشتاء يتذكر الإنسان زمهرير جهنم، فإن جهنم لها نفس في الشتاء. قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن لجهنم نفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من زمهريرها في الشتاء، وأشد ما تجدون من حرها في الصيف». فجهنم، عباد الله، تتنفس ذلكم التنفس، وتنفسها يكون برداً على الناس، يكون برداً شديداً على الناس، فمن أحس بهذا البرد، فإنه من نفس جهنم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقول الله عز وجل عن حال أهل النار: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الغساق هو الزمهرير البارد، هو الزمهرير البارد. وكذا قال مجاهد رحمه الله: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من شدة البرد. هذا شراب أهل النار، والعياذ بالله، الماء البارد الذي يقطع منهم الجلود، وييبس الأمعاء، فيذوقون العذاب الأليم بالبرد في جهنم. وأما أهل الجنة، فقد وقاهم الله عز وجل الحر والبرد: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾. هذا هو نعيم أهل الجنة، لا حر عندهم، عباد الله، يتأففون منه ويتضجرون منه، ولا برد كذلك يموتون منه، وإنما بما أنعم الله عليهم من النعيم الدائم المقيم. فعلى العبد أن يتذكر هذا الأمر العظيم في الشتاء، أن جهنم تتنفس، وأشد ما نجد من بردها ذلكم النفس لها. ويا من أعطاه الله عز وجل الصحة، ويا من يحس بهذا الأمر في البرد، ألا تتندم على ما فاتك من الخير؟ ألا تتوب إلى الله سبحانه وتعالى على ما فعلت من المعاصي؟ فتقبل على الله، وتتب وتنوب وتأوب إلى الله سبحانه وتعالى. عباد الله، إن الأمر عاجل، وإن الأجل قصير، وما ندري بماذا يختم لنا، فنسأل الله عز وجل بمنه وكرمه وإحسانه أن يمن علينا بالطاعات، وأن يجنبنا المعاصي والسيئات، ونسأله سبحانه وتعالى أن يحسن خاتمتنا في الأمور كلها، وأن يجعلنا من أهل دار الأبرار والنعيم المقيم، مع نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والحمد لله رب العالمين. شكراً.