الدرس في قصة موسى مع ملك الموت - ١، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل حديث موسى عليه السلام مع ملك الموت ويبين صحته وثبوته في كتب السنة. كما يوضح الفرق بين هذا الحديث والإسرائيليات.
يناقش هذا الفصل إنكار الجهمية لقصة موسى وملك الموت ويرد على شبهاتهم العقلية. يُوضح أن موسى لم يعرف ملك الموت عند ضربه له.
يشرح هذا الفصل قصة موسى وملك الموت وتفسيرها، حيث لم يعرف موسى ملك الموت في البداية. يُفسر أيضًا قدرة الملائكة على التشكل بصور مختلفة.
يؤكد هذا الفصل على أن الله تعالى هو الأعلم ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر الختام التأكيد على أهمية الصلاة على النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في مثل هذه المقامات نذكر إياكم ما يتعلق من روائع القصص التي جاءت في السنة المطهرة. وفي هذا المقام نذكر ما جاء من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال له: أجب ربك»، قال: «فلطم موسى عليه السلام عين ملك الموت ففقأها»، فرجع الملك إلى الله تعالى فقال: «إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني»، قال: «فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياة الدنيا تريد». نبقى عند هذه الفقرة، ثم نستطرد في ذكر البقية. هذا المقطع فيه بيان ما كان من أمر ملك الموت مع موسى عليه السلام، وفيه أن موسى جاءه ملك الموت فقال: «أجب ربك»، فما كان من موسى عليه السلام إلا أن رفع يده فلطم ملك الموت حتى أذهب بعينه ففقأها، فرجع موسى شاكيًا، فرجع ملك الموت شاكيا إلى ربه. هذا الحديث، إخواني في الله، فيه من المسائل: أولًا، التعرف إلى ملك الموت، وأن هذا اسمه، وهذه حقيقته، أن الله وكله بقبض الأرواح، وأن اسمه ملك الموت، هذه التسمية مذكورة في كتاب الله وفي السنة النبوية. أما ما يدعيه جماعة من الناس بأن اسمه عزرائيل، فلم يثبت، وإنما ذلك من الإسرائيليات. هذا الحديث، حديث موسى عليه السلام مع ملك الموت، إشرأبت طائفة من أهل البدع والأهواء، ومن المعاصرين، وأخذوا يركضون بخيلهم وراجلهم، يضعفون وينكرون هذا الحديث، بل حتى أن بعضهم أصبح يتهكم على أهل السنة كيف أنهم يروون هذا الحديث. هذا الحديث عندهم منكر، بل نكارته ما بعدها نكارة. كيف هذا؟ كيف يروى هذا الحديث في كتب السنة؟ أولًا، إخوانًا في الله، قبل العروج على شبههم، أن نعلم أولًا أن هذا الحديث جاء في البخاري ومسلم، وهي من أصح الكتب عند أهل الإسلام قاطبة، بل هي من أصح الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى. أطبقت الأمة وأجمعت الأمة على صحة ما فيه، على صحة ما فيه، إلا أحرفًا يسيرة انتقدها العلماء، وهذا ما جاء له آخر، لكن بجملته هو صحيح لا غبار عليه. فكون يأتي آت كما فعل بعض المعاصرين في مثل هذه الأزمان، وإذا سمع بهذا الحديث يرمي به مباشرة، يقال له: في مسلم، في البخاري، ما يبالي يرد هذا يرد هذا، ليس بحديث، هذه نكارة منكر. بل بعضهم، إخواني في الله، يلبس على بعض الخلق ويقول: هذا الحديث من الإسرائيليات. وأنتم تعلمون موقف الناس من الإسرائيليات، وأن فيها الزيادة، وفيها النقصان، وفيها التحريف، وفيها ما ليس فيها. ولكن ينبغي أن نتفطن لشيء، إخواني في الله: هل هذا الحديث من الإسرائيليات؟ انتبه لهذا. الإسرائيليات التي تذكر في كتب السنة هي على قسمين. هناك إسرائيليات، نعم، يأتي بها المفسرون، يأتي بها المؤرخون، ومن شاءها من بعض التابعين، مثلًا، أو من بعض الصحابة ممن أخذ وتعلم أو أخذ شيئًا مما عند أهل الكتاب، فيحدث ببعض شيء من عندهم، بشيء من عندهم. هذه الروايات التي تذكر مباشرة من اليهود، من النصارى، من كتبهم، من التلمود وغيره من شروحات الكتب المقدسة، هذه نعم توضع في ميزان الإسرائيليات. منها ما هو منكر يرد، مثل قصة هاروت وماروت، إلى أنهما كانا ملكين في السماء، وأنهم أحبوا أن ينزلوا إلى الأرض، فطلبوا من الله أن يلبسهما لباس البشرية، فأصبح كالبشر يمشون مع الناس، ففتنوا بما يفتن به الناس، فتنوا بامرأة، فراودوها عن نفسها، فأبت إلا أن يقتلوا هذا الغلام، فأبوا لعظمة تحريم القتل، فقال: إذن فاشربوا هذا الخمر، فإذا بهم شربوا الخمر وقتلوا الغلام ووقعوا بالمرأة. هذا نعم، هذه تذكر في كتب التفاسير، وهي رواية منكرة من الإسرائيليات، فيها التعرض على جناب الملائكة، كباقي القصص التي فيها التعرض على جناب الأنبياء، كأن داود عليه السلام أعجب بامرأة قائد، إلا أن داود احتال على القائد فأرسله إلى غزوة حتى يقتل، فيختلي بالمرأة. هذا من الإسرائيليات، فيها ما فيها من النكارة. نعم، هذه الإسرائيليات التي تروى من كتب الإسرائيليات، من كتبهم، ومن شروحاتهم، هذا لها تحت المجهر، منها ما يوافق، منها ما يعارض، منها لا هذا ولا ذاك، هذا أمر آخر. لكن الذي بين أيدينا هذا خبر عن رسول الله، هذا خبر عن رسول الله، ما يعامل معاملة الإسرائيليات، بل هذا يقبل، لأن ما الذي تلفظ به تلفظ به نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. قال: «جاء ملك الموت»، فنبيه يأتي بهذا. وهذا حال كثير من القصص مرت معنا في هذا المقام. قال عليه الصلاة والسلام: «إنه من كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا»، هذا نعم، خبر عن أمم ماضية أخبر بها نبينا، هذه تقبل مباشرة، ليس لها ميزان، ليس لها ميزان تعرج عليه. الذي يعرج ما جاء عن دون الرسول من بعض التابعين أو بعض من الصحابة ممن أخذ عليه أنه أخذ الروايات الإسرائيلية، هذا تحت المجهر، ينظر الرواية المروية، هل توافق؟ هل تخالف؟ هذا أمر آخر. لكن حديث جاء عن رسول الله وخبر به عن أخبار الأمم الماضية، فهذا يؤخذ به إن صح الإسناد، يؤخذ به. أما أنه يجعل تحت عقولنا، فهذا الذي بين أيدينا قصة موسى مع ملك الموت جاء به رسول الله، والجاء في البخاري ومسلم. الحاصل، إخواني في الله، ذكر ابن حبان وذكر جماعة من السلف أن الذي أنكر هذه القصة الجهمية والملاحدة، صرح بهذا ابن حبان. الملاحدة والجهمية ومن سار على سيرهم في هذه الأزمان من العقلانيين ممن يأتون بالأحاديث والأحكام والشريعة فيجعلون في عقولهم، إذا واكبت العقل قبيلوه، وإذا خالفت العقل ردوه. هؤلاء هم في واد، رموا بخوسٍ واحدة بحكمهم على هذا الحديث، قصة موسى مع ملك الموت، بالنكارة، من أوجه النكارة. حتى نعرف لماذا تطاولوا على هذا الحديث، من أوجه النكارة، أنهم قالوا: كيف لموسى عليه السلام أن يرفع يده ويلطم ملك الموت؟ كيف هذا؟ حتى قال بعض الجهمية: إن فعل موسى، إن كان يعرف أن هذا ملك الموت ولطمه، وقال: هذا استهزأ بالله واستخف بحكم الله. يعني قال: نعظم موسى، ما يستطيع موسى أن يضرب ملك الموت، فكيف ترمون لنا في البخاري ومسلم أن موسى لطم ملك الموت؟ هذا ما يمكن. الإشكال الثاني قال: وكيف ملك الموت، وهو ملك من أعظم ملائكة الله، تفق عينه؟ تفق ملك تخرج عينه بلطمة؟ قال: هذا ما يمكن. فهم وضعوا مثل هذه الإشكالات العقلية. ولله الحمد، أهل السنة لهم بالمرصاد. أما ما يتعلق بالمسألة الأولى: كيف أن موسى تجرأ على ضرب ولطم ملك الموت؟ قال العلماء: أن موسى عليه السلام لم يعرفه، لم يعرفه. وهل هذا مستغرب على موسى؟ هذا ليس بمستغرب لا على موسى ولا على غيره من أنبياء الله. كم من نبي، كم من رسول أرسل الله إليهم ملائكة فما عرفوا. إبراهيم عليه السلام أتاه جماعة من الملائكة على شكل وفد، ما عرفهم إبراهيم عليه السلام، قال: سألهم: قوم منكرون. أنا ذكرت ما عرفتهم، متى؟ متى توجس منهم؟ قرب الطعام، صنع لهم حنيذًا، أتى بلحم، فوجد أن أيديهم ما تصل، فأوجس منهم خيفة حينه، بشروه بأنهم ملائكة من الله. إذن إبراهيم ما عرف، ثم بعد ذلك عرفهم. لوط عليه السلام جاءه الملائكة على شكل ضيفان، ضيفان حسان، حتى ما الذي كان من شعر لوط؟ أنه ضاق بهم ذرعًا لشدة الفتنة التي وقعت في البلاد. فلو علم لوط عليه السلام أنهم ملائكة ما ضاق بهم ذرعًا. ولهذا قالوا: إن رسل ربك أخبروه بعد هذا بأننا رسل، وإلا ما عرفهم إبراهيم وإلا ما عرفهم لوط بأنهم رسل الله. مريم عليها السلام عندما جاءها ملك، ما الذي فعلت؟ عندما جاءها ملك قالت: «إني أعوذ بالرحمن منك»، استعاذت منه، لماذا استعاذت منه؟ لأنها ما تعرف أنهم ملك، ولو عرفت أنهم ملك سيأتيها ببشارة بها فخر الدنيا والآخرة، بأن الله يأتيها ابن يكون يبرئ الأكمه والأبرص، وفرحت به، لكن ما علمت أن هذا ملك، فاستعاذت بالله منه. وهكذا داود، عندما تسور الخصمان المحراب، كانا ملكين على شكل خصوم تخاصم عنده، فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب، بعدما علم أن الله فتنه. في هذه المسألة، وهكذا إخواني في الله، كم من رسل الله، من أنبياء الله، تأتيهم الملائكة فما يعرفونهم لأول وهلة، بعد ذلك عندما تأتي الأمارة يعرفونهم. ومن هنا سيأتي معنى في تتمة القصة: أن موسى لما جاءه ملك الموت وما عرفه لطمه، لما نزل مرة ثانية ملك الموت أتى بأمارة، أتى بأمارة تدله على أنه من عند ربه، حينها استسلم موسى. هنا السؤال نقول لأهل البدع والأهواء: لماذا موسى في المرة الثانية استسلم؟ ولماذا في المرة الأولى دافع؟ لأنه في المرة الأولى ما علم أنه ملك يخاطبه. وأنت يا عبد الله، تخيل يأتيك رجل ويقول: يا أخي سلم روحك، سلم روحك، يعني روحك بيدي، أنت ما ستفعل؟ يقول: مرحبا، أو ستسدف عن نفسك؟ من قتل دون نفسه فهو شهيد. عرضي نفسي، ما أعرف أحد يأخذه هكذا، فأنت تدافع. بل كل واحد منا لو أنه في هذا الموقف يأتيه رجل غريب وأراد منك سلب الروح، ما ستعطي إياها؟ ولهذا لما أتاه ملك الموت، روح موسى، دافع موسى عن نفسه، فما كان من أمره إلا أن لطم ماذا؟ لطم ملك الموت. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في مسند الإمام أحمد: أن ملك الموت كان يأتي للناس على صورة بشر، يأتي على صورة بشر، فيأخذ أرواحهم. فهذا الذي جرى مع موسى. وهذا المحمل. والثاني ذكره شيخ الألباني رحمه الله تعالى، على تصحيح رواية في مسند الإمام أحمد: أن الملائكة الموت كانت تقبض الأرواح وهي على صورة بشر، تأخذ أرواحهم بهذه الصورة، فكان من أمر موسى ما طفط لهذا، وما علف الرجل فلطمه. دليل على ذلك أنه لما نزل ملك الموت للمرة الثانية، لكن المرة الثانية أتى بأمارة، أتى بعلامة تدل على أنه قد جاء من عند الله، حينها استسلم موسى. الأمر الثاني وهو قول الجهمية: كيف أن ملك الموت فوقعت عينه؟ فوقعت عينه. فيقال: إذا علمنا الرد الأول، سيسهل علينا الرد الثاني، وهو أن الذي فوقعت عينه ليس هو عين الملك، وإنما عين الشبه الذي تمثل به الملك. فالملائكة لهم قدرة من الله سبحانه وتعالى أنهم يتشكلون، وأنهم يتصورون، وأنهم يتشكلون بصورة بشر، كما في قصة مريم، «فتمثل لها بشرًا سويًا». ومعرف معنا أحاديث كثيرة في ذلك. الذي أراد أن يزور أخًا له فأرسل له ملكًا على صورة بشر، في مدرجته. كذلك الذي قتل تسعة وتسعين نفسه، فأرسل له ملك على صورة بشر يحكم بين ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. قصة الثلاثة: الأكمه والأبرص والأعمى، أن الله أرسل إليهم ملك على صورة فقير. فهذا كثير جدًا. جبريل عليه السلام كان يأتي نبينا على عدة صور من بني البشر. فالملائكة لهم خاصية من عند الله التشكل. فالذي فوقعت عينه ليس هو عين الملك، وإنما عين الصورة التي تمثل بها، الذي تمثل بها. وربنا سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. فالحاصل، إخواني في الله، إذن هذه المقدمة لا بد أن تفهم إلى أن هذا الحديث من الجهة الشرعية النقلية لا غبار عليه، ومن جهة العقلية العقلائية كذلك لا إشكال فيه. فإن ذلك كله بأمر الله سبحانه وتعالى. قال أبو هريرة: «قال رسول الله: جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال له: أجب ربك»، قال: «فلطم موسى عليه السلام عين ملك الموت ففقأها»، فرجع الملك إلى الله فقال: «إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني»، قال: «فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياة تريد». وبقية الحديث يترك بإذن الله في درس غد. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.