شرح أعلام السنة المنشورة  9

شرح أعلام السنة المنشورة 9

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الإخلاص وأدلته من القرآن

الإخلاص هو ابتغاء وجه الله تعالى في الأقوال والأعمال، وقد دلت الآيات القرآنية على وجوبه مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾. الإخلاص شرط لصحة العبادة وقبولها.

خطورة الرياء وأهمية الإخلاص في العمل

الرياء يحبط العمل الصالح، والشرك يتجدد بطرق مختلفة مثل التوجه إلى الأموات والقبور، وإخلاص التوحيد لله سبحانه وتعالى يحمي من هذه المخاطر.

أثر إخلاص التوحيد على الأمن والأمان

إخلاص الدين لله هو الغاية العظمى من إرسال الرسل وأنزل الكتب، وتوحيد الله يرتبط بالأمن والأمان في الدنيا، بينما الشرك يؤدي إلى الفساد.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

الدعاء بأن ينفع الله السامعين بما قيل ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما معنى إخلاص النية؟ هذا السؤال طرحه المؤلف رحمه الله تعالى لأنه يناسب المقام، حيث إنه ذكر في السؤال الذي قد مضى ما يتعلق بشروط صحة العبادة، فكان مدار صحة العبادة على أمرين اثنين: على الإخلاص والمتابعة، فها هنا أراد أن يشير إشارة رحمه الله تعالى إلى ما معنى الإخلاص الذي يجب أن يكون في العبادة حتى تصح. فقال رحمه الله تعالى: ما معنى إخلاص النية؟ قال: هو أن يكون مراد العبد بجميع أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة ابتغاء وجه الله تعالى، هذا هو الإخلاص، هذا هو الإخلاص الذي يدور عليه الإسلام أصولا وفروعا، ظاهرا وباطنا، الدين الإسلامي يقوم على الإخلاص. الإخلاص كما عبر عنه المؤلف رحمه الله تعالى: أن يكون مراد العبد بجميع أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة ابتغاء وجه الله تعالى، والعلماء رحمه الله تعالى تنوعت عباراتهم بتعريف الإخلاص، فمنهم من قال: الإخلاص هو تصفية العمل من التهمة والخلل، تصفية العمل من التهمة والخلل هذا معنى الإخلاص، ومنهم من قال: وإفراد الحق سبحانه وتعالى بالقصد بالطاعة، إفراد الحق سبحانه وتعالى بالقصد بالطاعة. تعريفات العلماء لا تخرج عن هذا الأصل، وهو أن الإخلاص أن العمل - سواء كان من قول أو من فعل - أنك تبتغي به وجه الله لا سواه جل في علاه، من كان هذا أمره؟ هذا المخلص في أعماله، هذا المخلص في عبادته لربه سبحانه وتعالى. ثم دلل المؤلف رحمه الله تعالى على الأدلة الدالة على وجوب الإخلاص حتى تصح الأعمال، قال: قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، هذا الذي أمرنا به ليس نحن فقط، بل كان هذا أيضا لأهل الكتابين من اليهود والنصارى، فكل الملل وكل الشرائع اتفقت فيما بينها على هذا الأصل، على أن الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، الفعلية والعملية والقولية والقلبية ينبغي أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، حنفاء جمع حنيف، والحنيف كما عرفه ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله: هو المقبل على الله المعرض عما سواه، هذا هو الحنيف المقبل على الله المعرض عما سواه. وأصل اللغة العربية أن الحنف بمعنى الميل، فلان أحنف أي عنده ميل، هذه ملة حنيفية أي ملة مائلة، ما معنى الميل؟ الملة الحنيفية هي المائلة عن الشرك، مائلة عن الشرك إلى من؟ قصدا إلى التوحيد، فأحنف فلان حنيفا بمعنى أنه مال عن ملة الشرك، فحنيف أي مال عن ملة الشرك، ولهذا عبر ابن القيم رحمه الله تعالى عن الحنيف بقوله: هو المقبل على الله المعرض عما سواه، هذا الحنيف. قال: وقال تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُمْ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَسَوْفَ يَرْضَى﴾، هذه الآية فيها مدح للأخيار من عباد الله، وكانت أعظم صفة في الأخيار أنهم اتصفوا بصفة الإخلاص، فحكى ربنا عنهم بأنهم: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُمْ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ أي هذا العابد وهذا العامل الذي عمل الطاعات وعمل الصالحات، ما ابتغى بذلك أجر أحد، ما ابتغى بذلك مصلحة من أحد، إنما مبتغاه وجه الله سبحانه وتعالى. قال: وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾، هذا كذلك من فعل الصالحين والمصلحين، ما يكون من بذلهم، ما يكون من إنفاقهم، ما يكون من إطعامهم، ما يكون من بذل الخير لغيرهم، إنما فعلهم لا يريدون من ذلك جزاء ولا شكورا كما صرح بهذا القرآن: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾. قال: وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾، وهذا أعظم خزي لمن حرم الإخلاص، أنه مهما عمل من أعمال فإنه لن يتحصل على جزاء، من عمل عملا جاء في صحيح مسلم في حق الثلاثة الذين أول من يقضى بهم يوم القيامة. في أناس عملوا أعمالا صالحة، ذاك الذي تعلم العلم وعلمه لغيره وقرأ القرآن، فيذكره الله بنعمه فيعرفها، فيقال: ماذا عملت بها؟ فيقول: يا رب تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، فيقال: كذبت، إنما فعلت ذلك ليقال عنك عالم وقد قيل، ويقال عنك قارئ وقد قيل، فيؤمر به فيسحب في النار. وهكذا قل في حق المنفق ممن أنفق الأموال الكثيرة في أوجه الخير، لكن هذا في الظاهر، لكنه في الباطن ما أراد صاحبها إلا الرياء إلا السمعة إلا الشهرة، فحينها يحبط عمله، فيؤمر بسحبه إلى نار جهنم. ومن هنا، إخواني في الله، كان من شروط قبول العمل الصالح أن يكون المراد به وجه الله، أن يكون المراد به وجه الله، فإن أراد به غير وجه الله فإن الله يحبط عمله، وصح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا». الإخلاص، إخواني في الله، أمره عظيم وعظيم جدا، إذا كان هؤلاء أناس يدعون أنهم يتعبدون الله بعبادات، وفي حقيقة أمرهم أرادوا الثواب والجزاء من الشهرة من السمعة من الصيت من ثناء الناس، تأمل هؤلاء، هؤلاء قوم تعبدوا بعبادات في ظاهرها أنهم أرادوها لله، يصلي لله، يصوم لله، يقاتل لله، يتعلم العلم وينشره لله، ويبذل لله في الظاهر، لكنه في قلبه يريد الثواب من حظ الدنيا، يريد مالا، يريد سمعة، يريد شهرة، من سمع سمع الله به، ومن رأى رأى الله به. إذا كان هؤلاء أعمالهم مردودة على وجوههم، ترد الأعمال على وجوه أصحابها، فما ظنك، إخواني في الله، بمن هو ما فعل العبادة أصالة إلا لغير وجه الله؟ كيف حاله؟ هذا وقع فيما هو أعظم من الرياء والسمعة، هذا وقع في الشرك، هؤلاء ناس ظاهرهم يتعبدون الله، لكن في نفوسهم أرادوا حظا من حظوظ الدنيا، هؤلاء دخلوا في الرياء والسمعة، تحبط أعمالهم التي فعلوها لغير وجه الله. فما ظنك الذي يفعل العبادة والعمل والقول يفعل أصالة لغير وجه الله؟ وهؤلاء هم حال أهل الشرك، الشرك، إخواني في الله، الذي لا زال يتجدد في هذه الملة، بالأمس كان الشرك عبارة عن أصنام وتماثيل تعبد، آلهة تعبد، غبل وعزة ومنات، فجاء نبينا صلوات ربي وسلامه بالتوحيد، فشرع الجهاد ورفع السيوف وقطع هامات أهل الكفر ممن أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. ثم إذا بنا، إخواني في الله، نرى أن الشرك رجع، ورجع لكن بصور مختلفة، وتأتي هذه الصور لا تختلف عن الصور القديمة، إذ بالناس في هذه الأزمان يتوجهون إلى الأموات، يتوجهون إلى القبور، يتوجهون إلى الأضرحة، إلى السدنة، يفعلون عندها كما يفعل أهل الجاهلية عند تماثيلهم وعند أصنامهم. وها هي الزيارات الشركية، إخواني في الله، ها هي الزيارات الشركية التي لا زالت تعمل في كثير من بلاد المسلمين، الزيارات التي يلتجئ من يلتجئ إلى أهل القبور ممن قد عظمهم في قلبه، فيظن فيهم الولاية وأنهم أهل السلطة والشفاعة، ثم به يصرف لهم الطاعات والعبادات التي ما ينبغي أن تكون إلا لله. فذاك الذي يذبح عند عتبات الأضرحة، وذاك الذي يسألهم المدد، المدد يا جيلاني، المدد يا عباس، وآخر يسأل الأموات ما لا يستطيع عليه إلا الله، ذاك يسألهم الولد، ذاك يسألهم الرزق، ذاك يسألهم الذرية، ذاك يسألهم مالا، ذاك يسألهم حياة، ذاك يسألهم صحة وعافية، هذا كله كفر وشرك بالله سبحانه وتعالى. وما هذا الإخلاص الذي أمر الله جل وعلا به؟ إخلاص التوحيد يكون لله، ذكر صديق حسن خان رحمه الله في كتابه «الدين الخالص» في الجزء الأول من كتابه، تكلم عن أهمية الإخلاص وخاصة إخلاص التوحيد، فذكر أن الفاتحة، أن فاتحة الكتاب التي يقرأ بها المسلمون في صلاتهم، ذكر فيها وأرشد فيها ربنا إلى توحيد، إلى إخلاص توحيد في ثلاث وثلاثين موضعا في الفاتحة فقط. ذكر ربنا وأرشد عباده إلى إخلاص التوحيد في الفاتحة فقط في ثلاث وثلاثين موضعا في الفاتحة، وذكر أن البسملة «بسم الله الرحمن الرحيم» حوت على ثلاثة عشر موضعا فيها من تأمل فيها، فيها أن الله أرشد العباد إلى توحيده، إلى إخلاص التوحيد لله سبحانه وتعالى. فإخلاص التوحيد، إخواني في الله، من أعظم الأمور، قال إمام السعدي رحمه الله تعالى: وما أرسل الله الرسل وما أنزل الكتب إلا لإقامة الإخلاص لله، فهذه الغاية العظمى، إخواني في الله، إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى. فالإخلاص، إخواني في الله، هو مدار فلاح العبد في دينه ودنياه وآخرته، من أراد الأمن والأمان فعليه بتوحيد الله، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، هم أهل التوحيد، كلما كان الأفراد والمجتمعات على قمة في توحيد الله جل وعلا، فإن الله ينزل عليهم أمنا وأمانا وتأييدا. وتأمل في واقع الناس، تأمل يا عبد الله في واقع الناس، أين تجد بلدا يعوم فيها التوحيد؟ إذا استطعت أن تضع يدك على بلدة فيها أهل ويتمتعون بتوحيد الله، انظر كيف هم في باب الأمن والأمان، ارتباط واضح. وانظر يا عبد الله إلى بلد ليس فيها الإخلاص لله، فيها الشركيات، فيها الكفر، انظر أين هم من الأمن والأمان، تجدهم من أبعد الناس، من أبعد الناس عن توحيد الله، يسودهم الظلم، في بلاد الكفر، بلاد أمريكا وأوروبا، وهذا موجود حتى في استباناتهم وفي تقاريرهم، بعض الدول تحكي أن ما تمر دقائق فقط، دقائق من دقائق تلك البلدان إلا وتحصر حالة اختصاب أو سرقة أو قتل، ما تمر دقائق في بعض الولايات الكفرية إلا وتسجل حالة ماذا؟ سرقة أو اختصاب أو قتل. ما يعم الكفر أبدا، ولا المشرك لن يعم بالأمن والأمان، فالأمن والأمان، إخواني في الله، يكون في إخلاص العبادات لله سبحانه وتعالى. ولهذا، إخواني في الله، فإننا نناشد من كان من غداة الأمور، ومن كان من المسؤولين، ومن كان من بيده السلطة، وله القوامة في مجتمعاته، أن يتق الله في توحيد الله، أن يتق الله في توحيد الله، وليجعل غاية أمره، وما ولاه الله عليه من رقاب المسلمين، أن يجعل ذلك أولا في إقامة توحيد الله، وذلك بجعل الأمر لله من قبل ومن بعد، ويحارب صور الشرك بما استطاع من قوة. لا أن تعاد، إخواني في الله، تعاد الزيارات الشركية والزيارات القبورية، هذا والله لا يرضي الرب سبحانه وتعالى، نحن بأمس الحاجة، إخواني في الله، إلى أن نستجلب رضا الرب لنا سبحانه وتعالى، فنظهر لربنا من الخير والمعروف، وكذلك من الخير والصلاح والبر والتقوى والتوحيد، وإقامة شرع الله من فرائض وواجبات، والإقامة على السنن والمستحبات. كل ما أظهر العباد من طاعات لله، ما أظهر هذا يكون دلالة على جلب رضا الله علينا في الدنيا قبل الآخرة، أما العكس، نبارز الله سبحانه وتعالى بالمخالفات، نبارز الله سبحانه وتعالى بالكفر والشركيات، هذا ما يرضي الرب سبحانه وتعالى، سيبتلينا ربنا سبحانه وتعالى بما فيه سخط الرب علينا، من الحروب، ومن الفقر، ومن الضيق، ومن السخط، ومن الخوف والهلع، إلى غير ذلك من عقوبات الدنيا، فضلا عن عقوبات الآخرة. الشرك، يا عبد الله، من أعظم الذنوب التي جلبت على أهلها غضب رب السماوات والأرض، ما الذي فعل في نوح؟ ما الذي فعل في قوم نوح؟ ما الذي فعل في قوم بني إسرائيل؟ ما الذي فعل في عاد وهود وغير هؤلاء من الأقوام الذين بارزوا الله بالكفر؟ أسخط الله عليهم، فسخط عليهم كل شيء. فالله الله، عباد الله، أفرادا وجماعات ومجتمعات، أن نتقي الله في توحيد الله، وما ينبغي أن نبرر ظهور رموز الشرك والمظاهر الشركية، تارة باسم الطقوس الروحانية، أو تحت مظلة ما يسمى بالمهرجانات، أو ما يسمى بالأعياد الشعبية، هذا شيء، عبد الله، والكفر شيء آخر، والشرك شيء آخر. نتقي الله، عباد الله، نتقي الله في توحيد الله، فإن دين الله أمان في أعناقنا، وكل من ولى الله وساطة ورقابة على عباد الله، فليتق الله في عباد الله، بأن يقوم، يقيم التوحيد فيهم، وذلك بأن يعلمهم ويربيهم ويؤدبهم على أن يكون الدين لله، عباداتنا، طاعاتنا، دعاؤنا، كله لله، ومن رآه من رأينا، خرج عن ذلك، قيد أم لم نصحناه، وإلا أخذنا بيده وضربناها بيد من حديد. لأن خروج الفرد عن توحيد الله هذا شؤم عليه وعلى المجتمعات بأسرها، فإخواني في الله، ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى هو التركيز على أمر مهم، وهو إخلاص الأعمال لله سبحانه وتعالى. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.