شرح أعلام السنة المنشورة  13

شرح أعلام السنة المنشورة 13

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

منزلة الشهادتين وأهميتهما في الإسلام

يُشرح أهمية الشهادتين في الإسلام كمدخل لدخول الدين وأول ما يؤمر به العبد. يُعدان ركنًا عظيمًا من أركان الإسلام.

عظمة الشهادتين وآثارهما

يُبرز عظمة الشهادتين وحرمتها، حيث يُعد نطقها دليلاً على الإيمان ويحرم قتل من ينطق بهما. تُفتح أبواب الجنة لمن يقولها بعد الوضوء وتُغفر الذنوب لمن يقولها عند سماع الأذان.

ختام المحاضرة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويأتي كختام وتأكيد على أهمية ما سبق من حديث.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما محل الشهادتين من الدين؟ لما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الإسلام هو أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ففسر الإسلام بأركانه ودعائمه، ناسب أن يذكر كل ركن على حدة، فسيذكر الآن ركن الشهادة، ومن ثم الصلاة، ومن ثم الزكاة، ومن ثم الحج، ومن ثم صيام رمضان. فبدأ رحمه الله تعالى بذكر ما يتعلق بالشهادتين، المسائل، وسنجد أن المؤلف رحمه الله تعالى أطنب في ذكر مباحث هذا الركن؛ لأنه من الأركان العظيمة، كما سيدلل. أول ما بدأ به المؤلف رحمه الله تعالى من الأسئلة المتعلقة بالشهادتين قال: ما محل الشهادتين من الدين؟ المقصود: ما محل الشهادتين؟ أي ما منزلتهما؟ ما هي المنزلة التي تعطى لهذه الكلمة العظيمة ألا وهي كلمة الشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال رحمه الله تعالى: لا يدخل العبد في الدين إلا بهما. قال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» الحديث، وغير ذلك كثير. المؤلف رحمه الله تعالى اكتفى بالإشارة إلى أهمية كلمة الشهادتين بهذه المسألة؛ أنها من الأمور التي بها يدخل العبد في دين الله. فلو أن شخصًا كافرًا، يهوديًا كان أو نصرانيًا، وأراد أن يلتحق بدين الإسلام، فلا مجال له سوى أن ينطق بكلمة الشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. نطق بها دخل في دين الله، يلتزم بما يلتزم به المسلمون، ولهم ما لهم من حقوق، ولهم كذلك ما عليهم من أمور. هذا هو المدخل، فلا مدخل للمرء إلا بالشهادة. وفي هذا رد على بعض أهل الفرق الضالة ممن أدخلوا علم الكلام وأدخلوا الفلسفة في الدين والملة، فحتى ظهرت منهم بعض العبارات الفجة الغريبة. كان يقول بعض الناس: أن أول ما يجب على الخلق النظر، أو القصد إلى النظر، أو عليهم الشك. ما معنى هذه الكلمات؟ ما معنى هذه الترهات؟ هذا هو عين الضلالة. ما علمنا أحدًا، ما رأينا أن رجلاً أتى إلى رسول الله فأمره نبينا أول ما أمره به أن يتفكر: اذهب فتفكر ثم تعال. ما سمعنا بهذا. أو شك في الله ثم تأمل في خلق السماوات والأرض ثم أسلم. ما هذه العبارات؟ ما سمعت قط إلا عند أهل الأهواء. ولهذا صرح من صرح من العلماء أن هذه من البدع التي أتى بها أهل الأهواء. وقد أجمع السلف على أن أول ما يؤمر به العبد هو الإتيان بالشهادتين. هذا بالإجماع. أول ما يؤمر به العبد الإتيان بالشهادتين. جاء من جاء أراد أن يدخل في الدين، يأتي بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله. أتى به مسلمًا، بغض النظر عما يذكره هؤلاء الضلال من مسألة النظر والشك إلى غير ذلك. فهذا ما أنزل الله بها من سلطان. فهذه منزلت كلمة التوحيد، كلمة الشهادتين، بها يدخل العبد في دين الله، وهي التي يطالب بها العباد. فهذا معاذ بن جبل عندما أراد أن يأتي إلى اليمن، وكانت الديانة المنتشرة آنذاك النصرانية، وهكذا بقايا من اليهودية، فأمره نبينا أن يذهب إليهم داعيًا. بماذا يأمرهم أول ما يأمرهم به بالشهادتين؟ قال: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله». هذا أول شيء، أول مطلب، الذي ليس هناك مداهنة ولا مماطلة. من صرع بشهادتين حي، هل من بخل؟ من أدبر؟ من أعرض؟ فله دينه، ما يكون مسلمًا قط إلا أن يأتي بالشهادتين. فمن أعظم محل ومنزلة الشهادتان في دين الله أنهما بهما يدخل المرء إلى الدين. كذلك يا عبد الله، من منزلة ومما يلحق في هذا الباب، وبه نعرف عظمة الشهادتين: أن بهما يحرم العبد من النار. يحرم الله عز وجل وجه العبد وجسده وبدنه من النار إذا أتى بالشهادتين. قال عليه الصلاة والسلام: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله وجهه عن النار» أو كما قال. والحديث حسن، الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة وفي صحيح الجامع. من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله وجهه عن النار. لماذا يا عبد الله حرمت من النار؟ عن النار بالشهادتين. فهذا فضلها وهذا أجرها. كذلك يا عبد الله، من عظمة هذه الكلمة أعني بها الشهادتين: أن بها تغفر بها الذنوب. تغفر بها الذنوب لعظمتها، لمنزلتها عند الله. ويدل على ذلك ما جاء في السنن عند الترمذي من حديث عمر بن العاص في حديث البطاقة الشهير. عندما يؤتى برجل قد أسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي، وتأتي ذنوبه على شكل سجلات: تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل على مد البصر. تخيل يا عبد الله كثرة الذنوب والآثام التي أتاها هذا العبد. له سجلات تسعة وتسعين سجلاً، وكل سجل على مد البصر. فتوضع هذه السجلات الضخمة في كفة. فيسأل الله عز وجل هذا العبد: هل ظلمك ملائكة في شيء من حقوقه؟ ما ظلم حقه مسجل. كل ذلك مسطر. فيقول: لا يا رب، ما ظلموني. هذا حقي، وهذا جزائي. فيقول الله: إن عندك بطاقة، عندك حسنة. وإنك لا تظلم اليوم عندي. بطاقة حسنة. وماذا فيها؟ حسنة أن تفعل أمام هذه الجبال الضخمة من السيئات. لكن عدل الله، ولا يظلم الله أحدًا. فهذه البطاقة فيها كما جاء عند الترمذي: فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فتوضع هذه البطاقة على الكفة الأخرى، فإذا بالسجلات تطيش تتطاير، ما تستطيع أن تثبت أمام هذه الحسنة. لكنها أي حسنة الشهادة الشهادتين يا عبد الله ما أعظمها من كلمة إذا حققها العبد وإذا أتى بها. فهذه يا عبد الله تدلك على محل الشهادتين. فهذه السجلات الضخمة تطيش تتطاير، فلا يقف شيء أمام كلمة الله سبحانه وتعالى وأمام الشهادتين. كذلك يا عبد الله، مما يدلك على منزلة الشهادة: أن بها يُعصم المرء. يُعصم المرء في دينه وفي نفسه. يُعصم دمه. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث». ثم ذكر نبينا بعد إحصان، وذكر القتل النفس. هذه أمور نعم، بها يستباح الدم. لكن بما عداها لا يستباح دم امرئ أتى بالشهادة. فدماء الموحدين كل من أتى بالشهادتين دمه معصوم. جاء في السنن وفي مسلم وأحمد من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه: أنهم كانوا في مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ برجل دخل، فقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ فقال: بلى يا رسول الله. قال: أليس يشهد أني رسول الله؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: أليس يصلي؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم». رجل أتى بشهادتين، هذا أمره معصوم. أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ أليس يشهد أني رسول الله؟ أليس يصلي؟ بلى بلى بلى. إذا كيف يقتل؟ قال: «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم». حرم عظيم يا عبد الله، الشهادة أمرها عظيم. ما قامت السماوات والأرض إلا لتحقيق الشهادة. ثم يأتي من يأتي ويتهاون بهذه الكلمة. يقتل عبد من عباد الله ويتلفظ بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم تقتله. ثم يذبح. جرأة عظيمة يا عبد الله. ما يمكنك أبدًا كلمة هذه. لو وزنت كما في حديث عمر العاص -ذكره شيخنا المقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند- أن نوحًا عليه السلام أوصى ابنه بلا إله إلا الله. وقال له: يا بني، لو أن سماوات السبع والأرضين كن حلقة مبهمة لقصمتهم لا إله إلا الله. عظمة عظمة يا عبد الله. لا السماوات ولا الأرض تقف أمام هذه الكلمة. ثم بعد ذلك عبد تستبيح دماء الخلق وهم يتلفظون بهذه الكلمة العظيمة. هذا جرأة. فقال له: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ أليس يشهد أني رسول الله؟ أليس يصلي؟ «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم». فتتجرأ يا عبد الله على سفك دماء الموحدين. كذلك يا عبد الله، مما يدل على عظمة هذه الكلمة الشهادتين: أنهما يعتبران من أعظم الذكر. إذا وجد وجد في ذكر ما تجد أن هذا الذكر أجره عظيم. مثل المحدث ثابت في الصحيح مسلم: «ما من عبد يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا رسول الله، إلا فتحت له أبواب الجنة ثمانية يدخل من أيها شاء». بهذه السهولة. لما ذكرك عظيم يا عبد الله. ذكرك عظيم. ليس بالذكر السهل فقط. تتوضأ، وكم الواحد منا يتوضأ في اليوم؟ أقل ما يتوضأ خمس مرات للفروض الخمسة، فضلًا عن النوافل القبلية والبعدية والقيام والوتر. فكل وضوء تأتي بالشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله. فتحت لك أبواب الجنة ثمانية. هذا الأذان كما ثبت أيضًا سعد بن أبي وقاص في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا رسول الله رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا ورسولًا غفر له ذنبه». بهذا الذكر. بهذا الذكر فقط. لماذا؟ فيه الشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله. فهذا يا أخواني في الله مبحث عظيم، ألا وهو أن تعترف وأن تعتقد عظمة هذه الكلمة وأعني بها الشهادة. فهي تعتبر من أجل العبادات والقربات التي يتقرب بها العباد إلى الله سبحانه وتعالى. والمؤلف في إجابته أشار إلى فائدة عظيمة، وهي أن بها يدخل المرء في دين الإسلام. وستأتي إن شاء الله كذلك مسائل كثيرة متعلقة بهذه الكلمة من حيث الشروط ومن حيث الأركان ومن حيث الأسس. ويدرك هذا في محله. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.