شرح أعلام السنة المنشورة  112

شرح أعلام السنة المنشورة 112

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 112، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم القصاص يوم القيامة

يشرح المقطع مفهوم القصاص يوم القيامة حيث يُجازى كل إنسان على ظلمه للآخرين، ويُبين أن الظلم له عواقب وخيمة في الآخرة. يُؤكد على كمال عدل الله تعالى في القصاص بين جميع الكائنات.

دليل القرآن على القصاص يوم القيامة

يشرح المقطع مفهوم القصاص يوم القيامة مستندًا إلى آيات قرآنية مثل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ و﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. يُبين أن الله يضاعف الحسنات ويحاسب على السيئات.

عواقب الظلم وعدم رد الحقوق

يشرح الحديث النبوي مفهوم الإفلاس الحقيقي، وهو أن يأتي الإنسان يوم القيامة بحسنات كثيرة ولكن بسبب ظلمه للناس يُسحب منه حسناته وتعطى للمظلومين. يُشدد على أهمية رد الحقوق لأصحابها لتجنب العواقب الوخيمة يوم القيامة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل القصاص من الكتاب؟ المراد من القصاص هاهنا ما يكون في يوم القيامة، إذ أن حديثنا لا زال يتعلق بأحوال الناس في اليوم الآخر، وما يكون فيه من أحوال وأمور القيامة، موقف القصاص، فهذا الذي يعنيه المؤلف رحمه الله تعالى هاهنا. قال: ما دليل القصاص أي في اليوم الآخر من الكتاب؟ والقصاص بمعنى المجازاة، فإن مما يقع إخواني في الله في اليوم الآخر وفي يوم القيامة أن الله جل وعلا يفتح باب القصاص، فيقتص كل إنسان من آخر، وهذا يكون في باب المظالم، بعض الناس لربما في دنيا أو في هذه الدنيا لربما يسترسل في ظلم الناس، إما بأموالهم أو في أعراضهم أو في أبدانهم، فيقع في الظلم، والظلم عاقبته وخيمة، ليس فقط في الدنيا أو في الآخرة، فالظلم ظلمات يوم القيامة. ومن أعظم ما يصيب الظالم من جراء ظلمه أنه سيقتص من هؤلاء الذين ظلمهم في الدنيا، فإنهم سيأتون يوم القيامة كل يطالب بمظلمته، فهنا يكون الأمر جليًا، إذا كان هذا الظالم ممن تعدى على خلائق، فأحيانًا المخالفة إذا كانت بينك وبين الله فالأمر في ذلك سهل، ومن القواعد التي يدركها العلماء: حقوق العباد مبنية على المشاحة، وحقوق الله مبنية على المسامحة. فلربما تقع مخالفة بينك وبين الله فيتجاوز الله عنها بالعفو والتوبة والإنابة والرحمة، لكن إذا كانت المخالفة بينك وبين العباد فلابد أن تؤدى، فإن أديتها في الدنيا فذاك، لأن ترجع المظالم إلى أهلها، فإن لم ترجع المظالم إلى أهلها في الدنيا، فإنك سترجعها يوم القيامة، لكن بأمر أصعب وبأمر أشد. وقد جاءت الأدلة الكثيرة الدالة على مسألة القصاص، وأخبر ربنا جل وعلا أن القصاص سيكون لكل الكائنات، حتى الحيوانات، حتى الحيوانات سيكون بينها القصاص، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم: «لا تؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص من الشاة الجلحاء للشاة القرناء»، الشياة في هذه الدنيا منها من هو أقرن له قرون، ومنها جلحاء لا قرن لها، فيعتركان ويتصارعان ويقع بينهم التناطح، فتغلب التي لها قرن تغلب الأجلح الذي لا قرن له. فلوضع ما كسر رأسه وأسال الدم من رأسه، هذا تعدي واعتداء من الكائنات، ومع هذا الذي جرى بينهم من الاعتداء، فإنه يقتص، فتأتي الجلحاء التي لا قرن لها فيمكنها ربنا من أن تقتص من الشاة القرناء، هذا لكمال العدل، لكمال العدل. بعض الناس من أهل العلم من استبعد هذا وترك هذا، وأن هذا لا يقع، واستبعد أن يقع هناك قصاص بين الكائنات بحجة أنها حيوانات، وأنها لا تكليف لها، قال العلماء: نحن عندما نقرر مسألة القصاص بين الحيوانات لا نقول بأنها مكلفة أو أن هذا القصاص يترتب عليه حساب وثواب وعقاب، لا، وإنما هذا يسمى بقصاص المقابلة فقط، يفعل بها في الدنيا يفعل بها في الآخرة فقط، سواء بسواء، لا يترتب على هذا حساب ولا عقاب. وقد جاءت بالآثار الكثيرة، ومنها ما يروى في حكم المرفوع: أن بعدما يقتص من الكائنات يقول الله: كوني ترابًا، فحينما يرى الكافر مآل الحيوانات وأنها رجعت إلى تراب يتمنى أن يكون دابة، فينتهي: «يا ليتني كنت ترابًا»، عندما ينظر إلى أمره وأن سيئاته قد طمت وعمت وأنه كافر، وأن له العذاب الأنكى والأعظم والأشد، ثم ينظر إلى مآل الكائنات كيف قد فنيت وذهبت، يتمنى أن لو كان دابة يفنى فلا يعرف ما هو حساب ولا عقاب. فالحاصل إخواني في الله أن من كمال عدل الله جل وعلا أن القصاص يقع لجميع الكائنات، من كان من أهل التكليف أم لم يكن من أهل التكليف، حتى الحيوانات، وقال علماء: حتى الطيور، وحتى الحشرات، وحتى كل شيء، حتى الحشرات يقع بينها اعتداء ظالم ومظلوم، فيأتي المظلوم وينتصر على الظالم، ولو كان حتى في أي كائن من كائنات الله، هذا من كمال عدل الله سبحانه وتعالى. فإذا كان في مثل هذه البهائم يقتص بعضها من بعض، فما ظنك بخلق من المخلوقات والكائنات من إنس وجان، فإنه يقتص منها، وقد جاءت الأدلة الكثيرة من ذلك، كما ذكر ذلك البخاري في الأدب المفرد، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من ضرب بصوت ظلم اقتص منه يوم القيامة»، الصوت تضرب أحد الناس ظلمًا وأنت ظالم، وهذا مسكين ما عنده قدر على الرد، ما عنده قدر على أن يضربك، يضرب فيمشي، ويكي الحالة لله عز وجل، فيأتي يوم القيامة ويقتص منك بصوت، لكن صوت يوم القيامة. فالظلم ظلمات يا عبد الله يوم القيامة، وهكذا قال عليه الصلاة والسلام كما جاء ذلك عند الطبراني من حديث عمار بن ياسر، يحسنه جماعة من العلماء، قال عليه الصلاة والسلام: «من ضرب مملوكه ظلمًا أقيد منه يوم القيامة»، عندك عبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضر، أين سيذهب؟ أنت سيده، أنت مالكه، لكن تستغل ضعفه بأنك تتعرض له بالاعتداء ضربًا وتنكيلاً لغير سبب، فهذا سيحسب عليك، فإذا جئت يوم القيامة تجد هذا المملوك يمكنه الله منك، فيضربك كما ضربته، الضرب والأصوات والركل كما فعلت به في الدنيا، يفعل بك يوم القيامة، فهذا من كمال عدل الله سبحانه وتعالى. قال مؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل القصاص من الكتاب؟ في هذه الفقرة سيذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى الأدلة الدالة على أن هذا القصاص يقع يوم القيامة، لكنه سيذكر أدلة القرآن. قال: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، قد مر معنى أن الظلم بمعنى النقص، الظلم بالأصل بمعنى النقص، وربنا لا ينقص العباد شيئًا سبحانه وتعالى، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، الذرة ما هي؟ الذرة نطلق هذا في عرفنا على الذر وهو صغار النمل، صغار النمل. قال علماء: وهذا هو المقصود، الذرة هو صغار النمل، النمل أنواع، هناك النمل السليماني النمل الكبير، هناك نمل صغير يسميه نحن في اللغة ذر، فلو كانت هناك لك يا عبد الله حق ولو مثقال ذرة، فإن الله سيأتي به، وخطب بعض العلماء من يفسر الذرة بهذه الذرات الموجودة في الكون، وبعض العلماء يقول: هذه شبه الذرات الذي لا ترى إلا بالعين والمجهر، هذه الذرة المقصودة، وأنها شيء ضئيل، فإن الله يأتي به. لكن قال علماء: لكن هذه الذرة التي تحكون عنها إنما جاءت في العصر المتأخر، قديمًا ما كان أحد يعرف الذرة هذه الذي تسمى بالذرات، وإنما القرآن إنما كان يخاطب الناس بأشياء هم يعرفونها، يخاطبهم بلغتهم، فكانت الذر عندهم هي هذا صغار النمل، صغار النمل، ولو كان أصغر من ذلك سيأتي بها ربنا عز وجل، فإن الله لا ينقص ولا يظلم العباد شيئًا، وإنما خاطبهم ربنا بهذه المسألة لأنهم كانوا هم في عرفهم يضربون حقارة الشيء بالذرة. فكان خطاب القرآن للعرب بما عرفوه وعهدوه، فالذر هنا وصغار النمل، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾، حسن يضاعفها، وهنا لم يذكر ربنا عز وجل كيفية المضاعفة وكم مقدار المضاعفة، لكن جاءت الأدلة الأخرى من كتاب الله سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، سبحان الله، أي عمل أي عمل يعمل بحسناته اعلم أن الحسنة تحسب لك بعشر، تحسب لك بعشر مباشرة، هذه المعادلة لا تنفك لا تنفك أبدًا، حسنة بعشرة، حسنة بعشرة. احسبها على هذا: ألف لام ميم، ألف حرف، لام حرف، ميم حرف، حسنة، حسنة، حسنة، ثلاثين حسنة مباشرة، الحسنة بعشر أمثالها، أما المضاعفة الكبرى وهي إلى سبعمائة ضعف، قال علماء: هذه باعتبار آخر، هذه المضاعفة الكبرى إلى سبعمائة ضعف، هذا اعتبار آخر، بعضهم قال: هذا يرجع إلى ما يكون في قلب العامل من إخلاص وتقى وزهد وورع، أمور تحث به تجعل هذا الحسنة إلى عشر إلى سبعمائة ضعف، لأمور أخرى، قراء تحتث بالعمل وبالعامل تجعل هذا الأمر مضاعفًا إلى ما لا نهاية. لكن الأصل القاعدة: الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بواحدة، وانظر لرحمة الله، السيئة بواحدة، ومن هنا قال من قال من السلف الصالح: من غلبت سيئاته حسناته خاب وخسر، يعني تخيل السيئة بواحدة والحسنة بعشر، السيئة بواحدة، الحسنة بعشر، يعني لأن شخص عمل عشر سيئات وعشر حسنات، الجزاء العشر السيئات أو العشر المعاصي بعشر السيئات، والعشر حسنات بمئة، عشرة بعشرة، وعشرة بمئة، وحسب يا عبد الله. فهل تتخيل بعد هذا أن رجل يأتي وسيئاته أعظم من حسناته؟ إذن كيف هذا؟ كيف ستكون؟ ماذا الذي يفعل في دنيا إذا؟ يعد أن تخبر بأن السيئة بواحدة والحسنة بعشر، وافعل وافعل الخير، الباب مفتوح، فضل الله واسع، افعل ما شئت من الحسنات. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾، ما هناك ظلم عند الله عز وجل، ومن كمال عِنْدَ اللهِ مَا يَكُونُ مِنْ الْقَصَاصِ مَا يَكُونُ مِنْ الْقَصَاصِ، أن الله عز وجل يجعل العباد يختص بعضهم من بعض. قال: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾، وقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، فلا يكون هناك ظلم إخواني في الله يوم القيامة، ومن كمال عدل الله أن الله يجعل المجال للقصاص، والقصاص إخواني في الله تصل به المرحلة إلى أن الرجل والمرء يوم القيامة ما عنده ما يرد به المظالم، ما عنده ما يرد به المظالم. تخيل اختلست، سرقت أموالًا، فكيف سترجعها يوم القيامة؟ ما هناك أموال، ولا هناك دنانير، ولا هناك درهم، بماذا سترجع ذاك يطالبك بديون، ذاك يطالبك بأموال، ذاك يطالبك بمبالغ، بمبالغ، إما سرقتها، أخذتها غصبًا، اعتداءً على أموال المسلمين، أو هكذا أعراض، أو هكذا دماء، فما الذي تفعل هناك؟ الحسنات ورأس الأمر ورأس مالك الحسنات يكون يا عبد الله، القصاص بالحسنات. وقد جاء في صحيح مسلم ذاكم الحديث الذي يدل على عظيم القصاص، قال عليه الصلاة والسلام: «أتدرون من المفلس؟»، قالوا: المفلس يوم الذي ليس له دينار ولا درهم، ظنوا أن المفلس هو مفهوم الدنيوي، هو المفلس الذي لا دينار له ولا درهم، لكن أشار لهم نبينا إلى حقيقة شرعية: أن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويتعبد الله، لا تقول أنه ملحد أو أنه كافر أو أنه معرض، لا، له إقبال وطاعة، بدليل عنده صلاة وعنده صيام وعنده زكاة. لكن بليته تكمن في الظلم وأنه كان يظلم ويتعدى على حقوق الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، بدليل انظر لما أتى به هذا المسكين، يأتي بصلاة وصيام وزكاة، يأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وضرب هذا وسفك دم هذا، حكى نبينا وذكر خمسة أعمال، إذا رأيت يا عبد الله ستقول: إلى الحقوق الثلاثة، كونه شتم وقذف طعن في الأعراض، كونه ضرب وسفك طعن في الدماء، وكونه أكل اعتداء عن الأموال، الدماء والأموال والأعراض هي الحقوق. فهذا الرجل المتهتك اعتداء في دنياه على حقوق الناس، اغتر بمنصبه، اغتر بمكانته، اغتر بفطنته، بحكمته، لص كما يقال حريف محترف، يستطيع أن يضحك على الناس، يأتي عند بعض الناس: «أنا والله مسكين، الله والله ما عنده شيء»، ويتباكى: «أنا والله، والله»، ثم يأكل أموال الناس خديعة، ويظنها شطارة، أو رجل عنده منصب وعنده أتباع وحشم، ويأمر: «خذوا قطعة فلان هذه على الشارع، أنا أريدها»، هذه مسكين، إيش مسكين؟ ابعدوا، زوروا أوراق، كلها أنت لمالك قطعة، وتم سحبها من قبل الجهات المختصة، وهكذا اعتداء. الضارم يعتدي إما بحكمته بفطنته أو لو ربما بغطرسته وبقوته وسلطانه أو بمنصبه أو بجاهه وعشيرته وقبيلته، يظلم، لكن يوم القيامة لن يكون هناك ظلم، إنما هناك استرجاع الحقوق، فهؤلاء يريدون حقوقهم، ذاك الذي أخذت ماله يريد مالًا، الذي اعتديت على عرضه يريد رد اعتبار، يريد رد الشرف العرض، وذاك الذي أخذت ماله أو سفكت دمه يريد أن يشفي من هذه الجراحات، بل يريد التعويض عن تلك الدنيا الذي خرج منها بسببك بقتله وإزهاق روحه. فحين يفتح باب القصاص، باب القصاص بالحسنات، الرجل يعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، يعطي يعطي، وعلى حسب الذي عنده من الرصيد، فلربما يكتفي، انتهى الخصوم، انتهى الخصوم، يبقى الذي معه، لكن المشكلة إذا كان رجل واللج في المظالم وناس كثر، ما ينتهي، فيعطي يعطي يعطي حتى تفن حسناته، ينظر ما عنده حسنة، فما الذي عسان يعطيهم؟ ما يعطيهم شيئًا، تنعكس المعادلة، فيقومون ويأخذون من سيئاتهم، يقول: «خذ ما عندك»، عطاء، خذ من أوزارهم، فيعطونهم من أوزارهم، سبحان الله، فيعطى ويعطى حتى تطرح على ظهره، ثم يطرح في النار، هذا هو المفلس. فالقصاص يا عبد الله أمره عظيم، والحقوق أدها يا عبد الله في دنياك، قال عليه الصلاة والسلام: «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منها اليوم، تحلل، وأن الله أطال في عمرك يا عبد الله وجعل لك سعة في حياتك، استغل هذه السعة في استذكار حقوق الناس، وأنك ترد المظالم إلى أهلها»، ومن هذه المظالم الديون، الديون كذلك مظالم تريد تأخذ دين. وكما بعض الناس يفعل هذا، يذهب إلى صاحب دكان، يذهب إلى صاحب محل، أو يذهب إلى صديق أو رجل صاحب خير، أقول: «يا أخي أنا والله قادم على مشروع، أو أنا أريد بضاعة منك، أو أنا أريد حاجة من دكان»، وأسجل هذا عليه في ذمتي، هذا والله في ذمتي، وأبشر، فيلازال بك حتى أثق به وتسجل عليه الدين، وتشجل عليه الناس، فإذا به يفر بهذا الدين، إما أنه يجحدك: «والله ما أخذت»، كذب، «أنا والله سددت»، ويعمد ما سدد، يقول: «يا هذا الكتبة موجودة»، يقول: «لا لأش من الكتبة»، يا رجال، «أنا مسدد»، «أنا أكرم»، وهو يلعب بلسانه ويراوق بأفعاله، والله ربنا مطلع على حاله، مطلع عليه. أو ذاك الذي يهرب، وقد تطول في هذا الأزمان مع شدة الفاقة، يفعل هذا من أناس يذهب إلى منطقة ويستدين يستدين، ثم يفر إلى منطقة أخرى ويستدين ويستدين، ثم يفر، ولا زال يفر، وماذا يفر؟ يفرح بما الذي يفعل، لكن حقوق الناس تراكم على ظهره، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من مات وعليه دينار أو درهم قضي من حسناته»، طبعًا هذا يحمل على صاحب الدين الذي يتلاعب، أما من كان أخذ دينًا وحرص على أن يؤديه ومات وما استطاع، فإن الله يؤدي عنه، الأعمال بالنيات. صحيح بعض الناس قد يدخل في الديون لضعفه، ويحاول أن يسدد، يحاول كما استطاع، مخلص العمل، ويعفى أنه هذا الذي أثقل الديون، فلا يزال يعمل هنا ويعمل هنا على وعسى أن يسدد للناس، لكن جاءته المنية، هذا يؤدي الله عنه، رب رب يؤدي عنه، لأنه كان صادقًا، أما من أخذ أموال الناس ويريد إتلافها، يلعب بها، فهذا حساب يطلفه الله، وكذلك عليه أخذ من حسنات على قدر ما أخذ من أموال الناس. فالحاصل إخواني في الله، فهذه مسألة من مسائل القيامة، وهي ما يكون من قصاص العباد بينهم فيما بين لأخذ الحقوق، والمؤلف رحمه الله تعالى ذكر هنا الآيات القرآنية، وسأتي معنا في درس غد بإذن الله الأدلة الدالة من السنة على مسألة القصاص. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.