الدرس في شرح العقيدة الواسطية 17، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش هذا الفصل صفات الله الفعلية مثل الرضا والغضب والسخط والكره والمقت، ويبين أنها متعلقة بمشيئة الله وقدرته وليست قديمة بل تحدث إذا أراد الله ذلك. كما يشرح أن هذه الصفات تثبت لله ثبوتا حقيقيا من غير تكيف ولا تمثيل.
يتناول هذا الفصل تفسير آية قتل المؤمن متعمدا وجزاءه جهنم خالدا فيها، ويشرح معنى الغضب واللعن في حق من يقتل مؤمنا. كما يوضح أن الخلود في النار للكفار ويحمل آية الخلود في حق القاتل على المستحل لدماء المسلمين.
يناقش هذا الفصل حكم من يستحل دماء المسلمين ويعتبره الإمام أحمد كافرًا حتى لو لم يقتل. كما يفسر الآيات التي تتحدث عن جزاء القتل العمد والخلود في جهنم ويستدل على صفات الله تعالى مثل السخط والرضا والغضب.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال مؤلف رحمه الله تعالى: رضي الله عنهم ورضوا عنه، قال: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه، قال: ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، قال: فلما آسفونا انتقمنا منهم، قال: ولكن كره الله بعثهم فثبتهم، قال: كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. هذه الآيات أوردها المؤلف رحمه الله تعالى لإثبات هذه الصفات، وهي صفات متعددة متنوعة: صفة الرضا، صفة الغضب، صفة السخط، صفة الكره، صفة المقت. هذه الآيات إشارة إلى هذه الصفات، وهي من الصفات الثابتة عند أهل السنة والجماعة، وذلك لثبوتها في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. أهل السنة كما مر معنا دائما وأبدا على هذا الأصل الأصيل: صفات الله جل وعلا يثبتونها لله ثبوتا حقيقيا من غير تكيف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وقت مرت معنا هذه القيود في أوائل الواسطية. وهذه الصفات كما ترونها تأتي أحيانا بدلالات متنوعة: تأتي على صيغة فعل الماضي، وتارة على صيغة فعل الأمر، وتأتي كذلك باسم المصدر. كل هذه الدلالات والتنوعات إشارة إلى ثبوتها وأنها غير قابلة للرد أو التأويل أو ما يكنى عنها بالاستعارة أو المجاز، بل هي صفة حقيقية ثابتة لله سبحانه وتعالى. وهذه الصفات كذلك يقول علماء أنها من الصفات الفعلية أو ما يقال عنها بالصفات الاختيارية، أي أنها متعلقة بمشيئة الله وقدرته. أي أنها متعلقة بمشيئة الله وقدرته، فمتى ما شاءها الله وقعت، حصلت. متى ما شاءها الله شاءها وأرادها حصلت، وإلا لم تحصل. فالرضا متى ما أراده الله حصل، الغضب، الكره، المقت، كل هذه من الصفات الاختيارية أو ما يسمى بالصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله بمشيئة الله سبحانه وتعالى وإرادته. وكذلك ليست قديمة كما سيأتي معنا، ليست قديمة. قد اتصف بها الرب سبحانه وتعالى في الأزل، فلا يزال متصفا بها في القدم، لا. بل هي إنما تحدث إذا أراد الله عز وجل. كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. متى وقع الرضا؟ عند المبايعة. لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فحصل بهذا أن رضا الله عز وجل تنزل على هؤلاء ممن بايع رسول الله تحت الشجرة عند الحديبية عند المبايعة. وسيأتي معنا كذلك الأدلة الكثيرة تدل على ذلك، منها ما سيأتي في أدلة السنة عند حديث الشفاعة، عندما تأتي الأمم وتدور على الأنبياء والرسل يسألونهم فصل القضاء، فيقولون: إن الله غضب اليوم غضبا، إن الله قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله. فالحاصل: إن الله قد غضب اليوم، إشارة إلى أن هذا الغضب قد حصل في تلكم الساعة. فربنا سبحانه وتعالى من صفته الغضب، وأن الله سبحانه وتعالى يغضب غضبا حقيقيا، وأن غضبه يقع متى ما شاءه سبحانه وتعالى. وهكذا قل في صفة الرضا، وهكذا قل في صفة الكره والمقت كما سيأتي معنا. ننتقل إلى الآيات التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. الآية الأولى في قوله سبحانه وتعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. في قوله سبحانه: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ إثبات لصفة الرضا، بدليل أن الله أضاف هذه الصفة إليه. رضي الله، من الذي رضي؟ هو الله سبحانه وتعالى. إذن تثبت له إثباتا يليق بجلاله يليق بعظمته. فالله جل وعلا يرضى، سبحانه. ورضى الله عز وجل يكون أحيانا للفعل أو للعمل، وأحيانا للعامل. فربنا يرضى عن العمل، ويرضى كذلك عن العامل. كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، أي يرضى الله لنا الشكر. فالشكر من الأعمال التي يرضاها ربنا عز وجل. وقال سبحانه: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فالله رضينا لنا هذا الدين وهو الإسلام. وأما العامل، فالله يرضى عن العامل، كهذه الآية: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾. فالله سبحانه وتعالى يرضى يرضى عن أهل الإيمان، يرضى عن أهل الإحسان، يرضى عن المتقين. وأن الله عز وجل لا يرضى عن القوم الكافرين، لا يرضى عن القوم الكافر. الله يرضى متى ما شاء، وكيف شاء سبحانه وتعالى. وليس الأدلة الشرعية فقط تدل على صفة الرضا، بل الأدلة العقلية أيضا تدل على ذلك. وهذا رد على من يقول: بأن الرضا لم يدل العقل على ثبوته. لا. بالعكس، العقل دل على ثبوت صفة الرضا لله، بدليل ما نجده من أن الله قد وعد بإثابة المحسنين، وبإعطاء المتقين. فالجزاء والإحسان والبذل والإيتاء والإعطاء لهؤلاء، دلالة على أن الله رضي عنهم. قد يقول قائل: إذا كنت ترى أن الله عز وجل يعطي هؤلاء من عباده المتقين، دلالة على أن الله راضي عنهم. فما تقول في إعطاء الله للقوم الكافرين؟ فالله أعطى للكفار كذلك من النعم، أعطاهم الأموال، أعطاهم التقدم، أعطاهم الغلبة، أعطاهم النصر والظفر، أعطاهم البنين، أعطاهم الدنيا. هل معنى ذلك: أن الله راضي عنهم؟ قل: لا. هذا الإعطاء من الله لهم إنما هو استدراج، ليس رضوان. فرق بين الرضوان وبين الاستدراج. قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا * وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، وقال: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. فالله إذا رأيت أن الله جل وعلا يعطي الكافر وهو على كفره، اعلم أن هذا استدراج، ليست رضاء. فقوله سبحانه: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، فالله يرضى عن عباده. ورضوا عنه، وهكذا المؤمن والمسلم يرضى يرضى عن ربه. وهذا الرضاء ما يكون من العبد لله، أحيانا يكون واجبا، وأحيانا يكون مستحبا. فإذا كان الرضاء منك إلى الله يتعلق بدينه وبشرعه، فهذا واجب. واجب أن ترضى بدين الله وبشرعه، لأنه من لم يرضى عن دين الله ولم يرضى عن شرع الله، فهذا ليس بمؤمن. هل أنت راضي عن هذه العقيدة التي فرضها الله عليك؟ لا، أنا غير راض. أنت كافر. هل أنت راضي بهذه العبادات التي أمرك الله بها؟ قال: لا. هذا كافر. إذن واجب أن ترضى. فالمؤمن يرضى بدين الله وبشرعه وجوبا. وأحيانا يكون الرضاء مستحبا، إذا كان ذلك متعلق بقضاء الله وقدره. إذا قدر الله عليك المصائب، كونا والمعايب من الأمراض والأسقام، هنا ما الواجب؟ كيف يكون الرضاء؟ هنا الرضاء مستحب. الرضاء هنا مستحب، معنى الرضاء: طمأنينة القلب. إلا أن الصبر واجب فيما تتلقاه يا عبد الله مما يكون من قضاء الله وقدره. هنا الصبر واجب، لأنك إن لم تصبر، فإنك ستكون من الصاخطين تتسخط. وما يجوز التسخط على أقدار الله. لكن إن صبرت، وهو الأمر الواجب، هناك رتبة تسمى الرضاء، وهي مستحبة. لأن الصبر ما هو؟ هو حبس النفس عن الشكوى. يأتيك شيء تحبس نفسك، هذا هو الصبر الواجب. لكن الرضاء: تجد أن مع هذه البلوى تجد أن قلبك مطمئن. هذا مقام مستحب، هذا مقام مستحب. قال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، قال: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه. قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، من شرطية، وقد تفيد العموم، يشمل كل أحد. كل أحد يفعل هذه الفعلة من القتل يدخل في الجزاء كل أحد. ومن يقتل مؤمنا، هذا قيد، ماذا أخرج؟ أخرج الكفار. فمن قتل كافرا لا يدخل في هذا الوعيد، إذا كان الكافر حربي لا إشكال. يقتل. نقاتل الكفار الحربيين الذين أعلنوا الحرب على الإسلام. لكن قد يكون الكافر ليس بحربي، ذمي قد يكون، معاهد قد يكون، مستأمن هؤلاء الثلاثة، هذا جاءت النصوص على أنهم ما ينبغي أن يقتلوا، ما ينبغي أن يقتلوا. لكن إن قتلوا، قام مسلم متهور فقتل، هل يدخل في الوعيد؟ لا، ما يدخل في الوعيد. ما يدخل في هذا الوعيد هو آثم صحيح، هو آثم. الذي إذا مسلم قام بقتل كافر مستأمن أو بقتل كافر ذمي أو بقتل كافر معاهد، هل يجوز؟ الجواب: لا يجوز. حكمه آثم. هل يدخل في هذا الوعيد؟ لا، ما يدخل في هذا الوعيد. لأن هذا الوعيد قد نص على ماذا؟ في قتل مؤمن. واضح المسألة. قال ربنا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، وهذا قيد آخر. يدخل في هذه العقوبات من كان قتله للمؤمن عمدا. فخرج من لا إرادة له، فمن قتل مؤمنا وهو صغير أو من قتل مؤمنا وهو مجنون أو من قتل مؤمنا خطأ، فجاء فيه رصاصة خطأ، هل يدخل في الوعيد؟ لا يدخل في الوعيد. لا يدخل هذا في الوعيد. قال ربنا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾. جهنم أولا، خلود ثانيا. ﴿وَوَغَضَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ ثالثا. ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. هذه العقوبات كلها تترتب في حق من قتل مؤمنا متعمدا. ففيه خطورة سفك الدماء، إذا كان هذا في حق من قتل مؤمنا، فما بالك بالذي يقتل المؤمنين جماعة؟ فأمره أدهى وأنكى. طيب، في هذه الآية إخواني في الله، أشاهد من ذلكم أن الله عز وجل أثبت صفة الغضب. ﴿وَغَضَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾. يغضب ربنا. في صفة الغضب ثانيا. صفة الغضب متى وقعت؟ هل وقعت لهذا الرجل قبل القتل، ولا بعد القتل؟ هذا الرجل هو ذهب الآن إلى ساحة الجريمة لقتل مؤمن في مسجد مثلا، في بيته الآن. هذا الرجل هو ماش. هل غضب الله عليه الآن؟ هل الله غضب عليه؟ ما غضب عليه. فإذا قتل، هل غضب الله؟ غضب الله عليه. إذا متى وقع الغضب؟ بعد القتل. بعد القتل. قبل القتل ما غضب الله عليه. لم يغضب عليه ربنا عز وجل. وبهذا تعلم أن صفة الغضب من الصفات الفعلية، من الصفات الفعلية. وأنها ليست قديمة، وإنما يتصف بها الرب جل وعلا متى ما أراد. قال: ﴿وَلَعَنَهُ﴾. اللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله. اللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله. فلما تقول: فلان هذا ملعون، هذا معنى أنه مطرود من رحمة الله، مطرود من رحمة الله. الله. وهل الطرد من رحمة الله هذا دائم أم مؤقت؟ يختلف. إذا كان هذا الذي لعن كان من أهل الإسلام، أي من العصاة، فيكون لعنه مؤقت. لعنه مؤقت. وإن كان هذا الذي قد لعن من أهل الكفر، فلعنه يكون مؤبد. وبهذا ستفهم النصوص الواردة في مسألة اللعن. فإذا جاء اللعن في حق مسلم، كهذه الآية على ما يأتي في تفسيرها، أو ما جاء في أحاديث السنة: إن الله لعن في الخمر عشرة، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من غير منار الأرض، لعن الله إلى غير ذلك من النصوص، جاءت في حق أهل الإسلام. إذا ما هو حكم اللعن هنا؟ هنا هذا اللعن يسمى لعن مقيد مؤقت. وإذا جاء اللعن في حق الكفر، ألا لعنة الله على الكافرين. يقولون ماذا؟ لعن مطبق، مطلق. مسألة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَعَنَهُ﴾. كيف يكون لعن الله على من يستحق اللعن؟ كيف يكون لعن الله لمن يستحق اللعن؟ قاتل النفس لعنه الله، والكفار لعنهم الله. كيف يكون لعن الله لأمثال هؤلاء؟ هل يكون بالمعنى الصحيح؟ قال العلماء كشيخ الإسلام وغيره: إنما اللعن تكون بالقول. اللعن تكون بالقول. أي أن الله لعنهم باللفظ. لعنهم باللفظ. كأن يقول الله لملائكته: إلعنوا فلانا. فتأتيه اللعنة. فتأتيه اللعنة. أو يقول الله: لعنة فلان، لعنتي على فلان. فهو يتعلق بالأقوال. وهذا الصحيح في مسألة اللعن. لعن الله على من يشاء من خلقه، إنما هو منوط بلفظه. طيب، مسألة أخيرة نختم بها هذه الآية، وهي أمر مشكل. ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها. خلود المتقرر عند أهل السنة على أن الخلود في النار إنما يكون للكفار. الخلود في النار يكون للكفار. طيب، هذا الآن الذي قتل نفسه، هل هو كافر؟ الجواب: ليس بكافر. ليس بكافر. طيب، كيف حكم الله عليه بالخلود في النار؟ هذا الإشكال الذي تطرق إليه العلماء في فهم هذه الآية. كيف أن هذا عاصي، فعل ذنبا استحق به الخلود في النار؟ طبعا هذا من الأدلة التي تستدل بها الخوارج. الخوارج يستدلون على أن من فعل معصية، ذنبا، فإنه يخلد في نار جهنم. دليل هذه الآية. قالوا: انظروا يا أهل السنة، رجل فعل جريمة قتل، وهي معصية كبيرة من كبائر الذنوب، تحلد في نار جهنم. فيقيسون على ذلك في أعمال العصاة. فكيف الرد؟ العلماء حملوا هذه الآية على عدة محامل. من هذه المحامل: منهم من قال: أن هذه الآية تتكلم عن الكافر، لا تتكلم عن عصاة المسلمين. أي الآية معناها: ومن يقتل مؤمنا متعمدا، أي الكافر إذا قتل مؤمنا متعمدا، فجزاؤه جهنم خالدا فيها. قالوا: هذا في حق الكفار. هكذا تفهم الآية. هذا القول الأول. لكن هل هذا صواب؟ الجواب: هذا ليس بصواب. لماذا؟ لأن العلماء قالوا: لأن الكافر سواء قتل أو لم يقتل، هو خالد مخلد في نار جهنم أصلاً. طبعا كافر ما قتل مؤمن، أنت مخلد في نار جهنم، أنت مخلد من قبل ومن بعد. من قبل ومن بعد. فمن حمل هذه الآية على أن الخطاب للكفار، ما أصاب. المحمل الثاني، وهو كذلك له شهرة عند العلماء: أنه يحمل على المستحل. يحمل على المستحل. أي فمعنى الآية: ومن يقتل مؤمنا متعمدا مستحلا لدمه، فجزاؤه جهنم خالدا فيها. أي يكون هذا الخلود في حق الذي يقتل مؤمنا ويرى أن هذا المؤمن مباح الدم، وأن دمه هدر، وأن يجوز قتله. مستحل لدماء المسلمين. الله حرم علينا دم بعضنا لبعض. ﴿إِنَّ الدِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ﴾. هذا حرام. ويقول: لله لا، ماهي حرام. أنا أي مسلم أستطيع أن أقتله. يقول: يقت الله ما يجوز أنا أراه حلال. كأني أقتل شاه، أقتل دجاجة، أقتل هذا رجل مسلم عادي. أنا أقتل أي واحد. يقال: ماذا أنت؟ كافر. لأنك استحللت دم معصوم. استحللت كبيرة من كبائر الذنوب. الذي يقول: بأن الزنا حلال، ما حكمه؟ كافر. الذي يقول: بأن قتل النفس حلال، ما حكمه؟ كافر. قالوا: هذا في حق المستحل. هذا قول. نعم، قوي. إلا أن الإمام أحمد لم يعجب بهذا الرد. لم يعجب بهذا الرد. الإمام أحمد ينكر هذا الرد. لماذا؟ يقول: لأن من استحل دماء المسلمين كفر، سواء قتل أو لم يقتل. يقول إمام أحمد: وهو لم يرتضي هذا. يقول: لأن من استحل دم المسلم، أنا واحد جائز في مكتبه. يقول: يا أخي، إيش تقول في دماء المسلم؟ يقول: أنا جائز. يقول: يا أخي، النصوص الوعيد الشديد. قال: لا، دعك من هذا الوعيد. أنا أرى دمهم جائز. من أردت تصفيه، صفي، صفي، صفي. هذه الدماء الناس شعب كثير، خمسة مليون. أخي، صفي، صفي. يجوز، ما في شيء. فيستبيح قتل دماء. طبعا هذا هو ما قتل. إيه، هو يقول بهذا. حكمه: قال إمام أحمد: هذا كافر، ولو لم يقتل. الاستحلال بحد ذاته كفر، ولو لم يقتل. مثل الذي يقول: الزنا حلال، وما زنا. لقاء صاحبي، ما تقول في الزنا؟ يقول: يا أخي، أنا الزنا أراه أمر طبيعي. وأن الرجل لابد أن يفرغ شهوته ويفعل ما يزني بأي واحد. يقول: هذا في الإسلام حرام. لا، ما في حرام في الإسلام. حكمه: هذا كافر، ولو لم يزني. فالاستحلال بحد ذاته كفر، ولو لم يفعل. فهكذا رد الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وهناك رد ثالث، وهناك رد رابع. ولا أطيل في هذا المقام. لكن هناك رد خامس، وهو قوي جدا في هذا المقام، وهو الذي أختم به الكلام. قال العلماء: أن الآية معناها: ومن يقتل مؤمنا متعمدا، فجزاؤه جهنم. جزاؤه جهنم خالدا فيها. خالدا، أي ماكثا فيها طويلا. هذا المقصود بالخلود. هو الطول، المكث. الخلود: طول المكث، طول الحبس في النار. وهذا جاء في لغة العرب على أن يقال: فلان خالد في الحبس. ما معنى خالد؟ أي مطول في الحبس، مطول في الحبس. فلما يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾. خالدا، أي ماكثا. مكثا طويلا. ولهذا ما قال ربنا هنا: خالدا فيها أبدا. ما ذكر الأبدية. وإنما ذكر خالدا. بمعنى أنه بماذا يطول مكثه؟ وهذا القول من أقوى الأقوال في هذه الآية. أي أن من قتل مؤمنا متعمدا، فإنه يعذب في نار جهنم تعذيبا طويلا. نسأل الله السلامة والعافية. قال رحمه الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾. ذلك، هذا اسم إشارة إلى ماذا؟ إلى ما سبق من الآيات التي قبل هذه الآية. وما كان في طريقة الملائكة في استخراج أرواح الكفار من أجسادهم عند قبض أرواحهم. وأنهم يضربون وجوههم وأدبارهم. يضربون وجوههم وأدبارهم. طيب، هذا التنكيل بالكافرين، لماذا؟ قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾. إذن كان جرم هؤلاء: أنهم كانوا فاعلين لكل ما كان من سخط الله. في هذه الآية إثبات للسخط، للصفة السخط لله جل وعلا. وأن الله يصخط. بدليل أن هؤلاء اتبعوا ما أسخط الله. هناك أشياء قد سخطها الله. أقوال، أحوال، أفعال. هؤلاء تتبعوها. فتتبعوا ما كان من سخط الله. فيه إثبات لسخط الله. طيب، هذا ما يتعلق بسخط الله. أنهم متبعين. طيب، الذي يرضاه الله، ما كان دورهم؟ أي هؤلاء الكفار. قال: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ سبحانه. عكسه. وأما ما كان من محل رضوانه جل، فعلا. فقد كان محل كره لديهم. كره لديهم. فهم يكرهون كل ما كان من رضا الرب سبحانه وتعالى. من أقوال، وأفعال، وأحوال. وفي هذه الآية كما قلنا: إثبات لصفتي الرضا والسخط. قال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾. فلما آسفونا، هذه الصفة أضيفت إلى الله جل وعلا، وهي صفة الأسف. قد يقول قائل: أسف، وهل الله عز وجل يأسف؟ والأسف يأتي بمعنى الحزن. انتبهوا. الأسف في لغة العرب يأتي على معنيين: الأسف في لغة العرب يأتي على معنى الحزن الشديد. كقول يعقوب عليه السلام: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. فهذا حزن. وهذا المعنى ممتنع عن الله. لا يتصف الله جل وعلا به. والمعنى الثاني للأسف: أنه بمعنى شدة الغضب. شدة الغضب. فلما آسفونا، أي فلما أغضبونا. فلما آسفونا بمعنى فلما أغضبونا. وهذا المعنى يوصف به الرب سبحانه وتعالى. يوصف به الرب سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا يغضب سبحانه. طيب، إذن فمعنى الآية: فلما آسفونا، أي فلما أغضبونا. ماذا صار؟ انتقمنا منهم. وهذه الآية تستفاد زيادة على ما كان من إثبات صفة الغضب لله جل وعلا. فيها أن صفة الغضب متى وقعت؟ وقعت بعد الفعل منهم. أي فلما آسفونا، أي بأفعالهم وأقوالهم. هذا الذي جلب عليهم الغضب. فلم تكن صفة الغضب صفة أزلية متصف بها الرب جل وعلا في الأزل. لا. لكن تصف بها الرب سبحانه وتعالى في هذا الموطن. عندما فعل الكفار الذي فعلوه. فلما آسفونا، أي أغضبونا. متى؟ الآن. بهذه الأفعال من كفرهم وشركهم، وضربهم وأذيتهم لأولياء الله من أنبياء ورسل. فدل على أنها صفة فعل متعلقة بمشيئته سبحانه وتعالى. والفائدة الثانية تستفاد من هذه الصفة في هذه الآية: فلما آسفونا، أي فلما أغضبونا. انتقمنا منهم. أي لما وقع الغضب من الله عز وجل، ما الذي حصل؟ حصل الانتقام. فالانتقام هو عبارة عن ثمرة من ثمارات الغضب. الانتقام ثمرة من ثمارات الغضب. فلما آسفونا انتقمنا منهم، أي لما حصل الغضب من الله جل وعلا، حصل بعده ماذا؟ الانتقام. فالانتقام ثمرة من ثمارات الغضب. فالغضب شيء، والانتقام شيء. ماذا يستفاد؟ يستفاد الرد على الأشاعرة، عندما قالوا: أن الغضب هو إرادة الانتقام. الغضب هو إرادة الانتقام. ففسروا الغضب بثمرته. قلنا: الغضب من ثماره الانتقام. الله عز وجل. أو حتى لله المثل أعلى. الإنسان، أنت عندما تغضب، مثل الرجل آذاك في نفسك، آذاك في بيتك، آذاك في عرضك. وأنت عندك القدرة على أن ترد الصاع صاعين. فما تفعل؟ تنتقم. يأتي الغضب، ثم يكون منك ردة الفعل، وهي الانتقام. فالانتقام شيء، والغضب شيء. الغضب هو الأصل، ثم تأتي الثمرة، وهو الانتقام. طبعا ماذا فعل الأشاعرة؟ عندما يأتون إلى صفة الغضب: بأن الله جل وعلا يغضب. ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى. ما معنى الغضب عندكم يا أشاعرة؟ قالوا: الغضب هو إرادة الانتقام. كيف هذا؟ كيف تفسرون الغضب؟ بالانتقام. الغضب شيء، والانتقام شيء آخر. لا يفسر بنفسه. بدليل هذه الآية: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾. فالأسف، وهو الغضب، شيء. والانتقام شيء آخر. وبهذا تعلم خطأ الأشاعرة، الذي بنوا مذهبهم وعقيدتهم، بل وكتب التفاسير، عندما يفسرون الغضب بأنه إرادة الانتقام. ففسروا شيء بثمرته. وهذا من الخطأ المبين. قال رحمه الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾. في إثبات لصفة الكره. وأن الله كره ذلك من من؟ من أهل النفاق. عندما تخلفوا عن الجهاد. تخلفوا عن الجهاد. لأن الله كره انبعاثهم. كره خروجهم. ما أرادهم الله أن يخرجوا. لأن خروجهم تفتيت في عضو المؤمنين، وإرهاق وإزهاق للجهود. فكره الله انبعاثهم. فماذا كان؟ فثبطهم سبحانه وتعالى. ففيه بيان على أن الكره من صفات التي يتصف بها الرب عز وجل. فالرب يكره. يكره ماذا؟ يكره العمل، ويكره العامل. يكره العمل، ويكره العامل. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمُ الْقِيلَ وَالْقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ﴾. إن الله كره لكم. فهذه من الأشياء المكروهة عند الله جل وعلا. وأيضا يكره ربنا جل وعلا العامل. يكره ربنا عز وجل العامل. كهذه الآية. ولغيرها من الآيات. قال سبحانه: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. كبر بمعنى: عظم. والمقت هو شدة البغض. والمقت هو شدة البغض. وكبر مقتا عند الله، في إثبات لصفة المقت. أي أنه أضاف المقت إليه سبحانه وتعالى. فالله يمقت. والله جل وعلا يبغض. كما جاء في الحديث: إن الله إذا أبغض فلانا نادى جبريل: إني أبغض فلانا فأبغضه. فيبغضه جبريل. ثم ينادي في السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه. فالله يبغض. وفي هذه الآية: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾. فيها بيان على أن هذه صفة تفاوت. فليس المقت صفة واحدة يتعامل بها الرب جل وعلا مع كل عباده أو من شاء من عباده. بدليل: كبرا، أي عظما. فدل على أن المقت منهما هو عظيم، ومنهما هو دون. كما مر هذا معنى في ماذا؟ في صفة الرحمة، أو في صفة المحبة. فإن كانت من الصفات الثابتة، فهي كانت تتفاوت تتفاوت مع عباد الله عز وجل. فالله لربما يحب فلانا، ليس كمحبته سبحانه لأحد من خلقه. إذن هذا إخواني في الله ما يتعلق بهذه الآيات التي أورد فيها المؤلف رحمه الله تعالى مثل هذه الصفات. طبعا المبتدعة نازعوا في ذلك. المبتدعة نازعوا في ذلك. هذا الذي سمعتموه على هذا شرح هو الذي يقول به أهل السنة والجماعة. من أن صفة الرضا، وصفة السخط، والكره، والمقت، هي من الصفات التي تثبت لله وصفا حقيقيا يليق بجلاله سبحانه وتعالى. من غير تحريف، ولا تكييف، ولا تشبيه، ولا تمثيل. وأن هذه الصفة من الصفات الفعلية. متى ما شاءها الله كان. وما معنى ما نقول إخواني: هذه صفة فعلية، وأنه متعلقة بمشيئة الله؟ معنى عندما نقول عن الغضب: أنها صفة فعلية، وأنها صفة اختيارية، وأنها متعلقة بمشيئته. بمعنى أن الله غضب على معين بعد أن لم يكن غاضبا عليه. وهكذا قل في صفة الرضا. صفة الرضا: بأن الله جل وعلا رضي عن معين بعد أن لم يكن راضيا عنه. فهذه الصفات متعلقة بمشيئة الله. افهم على هذا النحو: بأن الله يرضى، بأن الله يحب، بأن الله يصخط، بأن الله يمقت. أي أن الله اتصف بهذه الصفات مع هذا المعين بعد أن لم يكن متصفا بها. وهكذا قس سائر الآيات. المبتدعة كما قلنا: خالفوا في هذا الباب. وأخص بالذكر الأشاعرة والكلابية. فلهم قول في هذه الآيات. يقولون: بأن هذه الصفات صفات قديمة أزلية. صفات أزلية. دائما تسمعون أزلية. ما معنى أزلية؟ صفة الغضب، صفة الرضا، يقولون: صفات أزلية. بأن الله قد رضي عن هذا الشخص منذ الأزل. منذ الأزل. منذ الأزل. فيقولون: أنظر إلى فلسفة الأشاعرة. يقولون: أن من علم الله منه أنه سيتوفى على الإسلام والإيمان، فهذا ربنا قد رضي عنه منذ الأزل. فالله راضي عنه. راضي عن هذا الأمر، عن هذا العلم. في كل حياته، حتى يصل إلى الختام، وهو أنه سيموت مسلما مؤمنا. قالوا: ومن كان الله قد غضب عليه، معنى أن الله جل وعلا الذي علم منه أنه سيموت على الكفر أو على سوء خاتمة. فالله قد غضب عليه