الدرس في شرح كتاب التوحيد 85، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع حديث أنس بن مالك عن إصابة النبي يوم أحد واستشهاد المؤلف بهذا الحديث لبيان عجز المعبودات من دون الله. يُفسر الحديث ويُوضّح معانيه وسبب ورود الآية ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾.
يشرح المقطع أهمية الصبر والاحتساب في مواجهة الابتلاءات، وعدم اليأس من هداية الآخرين حتى لو كانوا كفارًا أو فاسقين. يُبين أن شأن الخلق بيد الله.
يؤكد الشيخ على أهمية الخواتيم في حياة الإنسان، ويستدل بحديث يبين فيه ضعف النبي وتعرضه للأذى، لينفي القدرة على الجلب والضر عن النبي وغيره من الأولياء والصالحين.
يتحدث المقطع عن أهمية معرفة ضعف المخلوقات وعجزها في التوجه للتعبد لله تعالى، حيث أن الله له الكمال المطلق. هذا الفهم هو المراد من الحديث الذي أورده المؤلف.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح عن أنس قال: شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وكسرت رباعيته، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزلت: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في هذا الباب، والذي فيه ومن خلاله يدلل رحمه الله تعالى على بيان عجز المعبودات والآلهة وكل ما عُبد من دون الله، ببيان عجزها وضعفها وقصورها عن نفع نفسها، فضلا عن نفع غيرها. وفي هذا الباب أورد لنا المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، سنذكره ونذكر ما فيه من معان، ومن ثم الإشارة إلى ما المناسبة في إيراد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في هذا الباب. فقوله رحمه الله تعالى: وفي الصحيح، هذا الحديث رواه البخاري معلقا، رواه البخاري معلقا، وغيره موصولا، وممن أوصله الإمام مسلم في صحيحه، ولهذا حق للمؤلف أن يقول: وفي الصحيح، فهو باعتبار في البخاري معلقا، إلا أنه في مسلم جاء موصولا. قال: في الصحيح عن أنس قال: شج النبي صلى الله عليه وسلم، والشج هي الإصابة التي تكون في الرأس خاصة، الإصابة التي تكون في الرأس خاصة، ومنهم من ألحق الوجه كذلك، فالإصابة إذا كانت في الرأس أو الوجه يقال عنها شجة، وهذا الذي أراده أنس رضي الله تعالى عنه في قوله: شج النبي، أي أن الإصابة وقعت في رأسه عليه الصلاة والسلام، حتى أن الدم سال منه عليه الصلاة والسلام. وأما إن كانت الإصابة في أي عضو من أعضاء البدن يقال عنها جراحة، يقال عنها جراحة، فهم بهذا يفرقون بين الإصابات من حيث الموضع، ففي الرأس والوجه شجة، وفي سائر البدن جراحة. قال: شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، أي في غزوة أحد، وأحد هو الجبل المعروف في المدينة النبوية، وقال: وقعت هذه الغزوة في السنة الثالثة من الهجرة، وكانت هذه الغزوة بالقرب من جبل أحد، فأضيفت إليه. قال: شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وكسرت رباعيته، وقيل بفتح الراء رباعيته، والرباعية هي الأسنان، وكل سن بعد الثنية يقال عنه رباعية، وقد ذكر العلماء أن للإنسان أربع رباعيات، أن للإنسان أربع رباعيات. فذكر أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة تعرض للأذى وللضرب من قبل الكفار، فمن الإصابات التي أصيب بها نبينا ما كان من إصابته في رأسه، وكان كذلك من أثر هذه الإصابة ما كان من كسر أسنانه، وهي الرباعيات. وقد أشار الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أن كسر السن هاهنا ليس بقلعه تماما، وإنما خرجت وانكسرت منه فلقة، انكسرت منه فلقة، هذا الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث. قال: وكسرت رباعيته، أو رباعيته، لفتح الرأي. قال: فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ كيف يفلح؟ هذا استفهام إنكاري، أي: من أين يأتيهم الفلاح؟ من أين يأتيهم الفلاح؟ أي: القوم الذين بلغ منهم الاعتداء والعدوان أن تطاولوا على رسول الأنام، فأصابوه بهذه الإصابات حتى أسال منه الدماء عليه الصلاة والسلام، فقال مستفهما، مستنكرا: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ قال: فنزلت، أي: الفاء السببية، نزل لهذا الأمر. وقال جماعة من المفسرين، كابن عطية رحمه الله تعالى وغيره: كأن النبي صلى الله عليه وسلم يئس أو لحقه يأس من فلاح قومه، هكذا قال: كاد النبي أن يدخله اليأس من فلاح قومه، فنزلت هذه الآية: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾، والأمر هنا بمعنى الشأن، الأمر هنا بمعنى الشأن، هذا معنى الأمر في الأصل، وهنا المقصود بالأمر هنا شأن الخلق، المقصود هنا بالأمر وهو الشأن، أي: شأن الخلق، أي: ليس لك من الشأن أو ليس لك من الأمر، أي: ليس لك من شأن الخلق شيء، هذا ليس لك، ليس لك يا نبي الله، كونك تيأس من فلاحهم ومن هدايتهم، هذا ليس لك، فشؤون الخلق لمن؟ للخالق جل في علاه. هذا الحديث الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى، وهو في الصحيح، وهذا الحديث إخواني في الله، فيه من الفوائد الشيء الكثير، منها أولا ما ذكره الإمام النووي رحمه الله تعالى من أن الأنبياء تجري عليهم ما يجري على الخلق من الأسقام والأمراض والأوجاع والابتلاءات والجراحات. وهذا الحديث واضح الدلالة، فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام أصيب بالذي أصيب به عليه الصلاة والسلام. وفيه، في هذا الحديث، أن شأن الخلق، وفيه كذلك: إذا كان هذا في حق رسول الله، فمن باب أولى في حق أتباعه، وكل من سار على هديه، فهو عرضة للابتلاءات والشدائد والمحن والفتن. أحسب الناس أن يقولوا: آمنا، وهم لا يفتنون؟ ولقد فتن الذين من قبلهم، فكل من سار على هذا الدرب فإنه يبتلى. وحنانيك يا عبد الله، كل ابتلاء على قدر إيمانه، كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري: «يبتلى المرء على قدر دينه، على قدر اتباعك وعلى قدر هداك تبتلى يا عبد الله»، فإذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم ابتلي، فنحن كذلك، ومن سار على هديه يبتلى. وفيه كذلك: الضرورة بالصبر والاحتساب في هذا المضمار، فما هناك ما يسمى بالانتقام للنفس. ولهذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «ما انتقم نبينا لنفسه قط»، ما كان ينتقم أبدا، إلا أن تنتهك حدود الله، فينتقم لله جل في علاه. فالإنسان إخواني في الله، في باب الابتلاءات، إن اعتدي عليه لأجل دينه، فلا ينتقم لنفسه، وإنما عليه بالصبر والاحتساب، وهذا الذي أمرنا به معاشر المسلمين. وفيه كذلك: بيان على أن شأن الخلق لله، لنص الآية: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾، أي: ليس لك من شأن الخلق شيء، فشؤون الخلق لله. وهذا يدخل في ذلك الهداية والصلاح والإيمان والتقى، كل ذلك بيد الله: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾، فشؤون الخلق وأمور الخلق من هدايتهم وصلاحهم ليس إليك، ليس مناط بأحد من خلقه. ولهذا يا عبد الله، إذا علم العبد هذه المسألة، حينها فليعلق أمله ورجاءه بالله، فلا تيأسن من مخلوق، ولو كان هذا المخلوق من أخبث خلق الله، ولو كان من أخبث خلق الله. وهنا تأتي الفائدة الأخرى بعد هذه الفائدة، إذا علمت أن شؤون الخلق بيد الله، حينها لا تيأسن من مخلوق ما دام حيا، ولو كان كافرا، لا تيأس. صحيح تسمع من الزنادقة من الملاحدة، لكن هل معنى هذا أنك تيأس من خيره؟ وأنك تقول: هذا هالك لا محالة؟ الجواب: لا، ما يدريك يا عبد الله أن الله سبحانه وتعالى سيكتب له الهداية؟ بل هذه القصة في غزوة أحد، النبي صلى الله عليه وسلم شج رأسه من قبل كفار، ثم آل الأمر بهؤلاء الكفار أن أصبحوا من خيرة أصحابه، من خيرة أصحابه عليه الصلاة والسلام. فلا تيأسن يا عبد الله، ما دامت النفس تضطرب في هذا المخلوق، ولو كان كافرا، ولو كان مشركا، لا تيأسن. وقس على ذلك يا عبد الله كل من تعاشره، لو ربما ابتليت بجار فاسق آذاك، فلا تيأس من خيره، ادع الله له. أو كذلك ابتليت بابن عاق، لا تيأس من خيره، ادع الله له. أو كذلك بزوجة مشاكسة، لا تيأس من خيرها، ادع الله لها. وهكذا قس في باقي المخلوقات، ما دامت هي حية، ولو كان كافرا، فما ظنك بمن دونه؟ ولهذا نبينا لما يئس أو كاد أن ييأس من فلاحهم، قال: «ربنا ليس لك من الأمر شيء»، هذا ليس لك، أنك تيأس من فلاحهم، وأنك تقلق منهم، لا، فإن الله جل وعلا يغير الحال بعد الحال، سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث كذلك: بيان أن العبرة بالخواتيم، العبرة بالخواتيم. صحيح لو ربما أن إنسانا ما يعيش في هذه الدنيا عربيدا سكيرا، ثم تقول به الأمور أن الله جل وعلا يهديه في آخر عمره، هل هذا يغطي ما مضى؟ نعم، يغطي ما مضى، لأن العبرة بالخواتيم. فلا يزال الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها، يدخل الجنة في آخر عمره، لأن العبرة بالخواتيم. والعكس بالعكس، لو ربما يكون الإنسان صالحا مصليا قانتا ورعا، لكنه ربما يدخله الغرور، ويعجب بنفسه، ويركن إلى أمره وعقله، ثم يكله الله إلى نفسه القاصرة، ثم ينحرف، فيعمل بعمل أهل النار، فإذا بهذا العمل المشين يهدم ما قبله، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار والعياذ بالله. فالعبرة يا عبد الله بالخواتيم. كذلك في هذا الحديث إخواني في الله: الإشارة إلى ما أراده المؤلف، ما الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من إيراده لهذه القصة؟ وهو يدلل لنا بيان ضعف المعبودات والآلهة التي عبدت والتجأت إليها من غير الله. الشاهد من هذا أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد من إيراده لهذا الحديث، والذي فيه بيان ما اعترى نبينا عليه الصلاة والسلام من الأذى ومن الدماء، فهو ما استطاع أن يملك لنفسه ضرا ولا نفعا عليه الصلاة والسلام، هو كبقية الخلق، ابتلاه الله بما ابتلى بقية أتباعه، أصيب، ضرب، سالت الدماء، كسرت رباعيته، شج رأسه، وغير ذلك. بل جاء في بعض القصص أنه سقط في حفرة من الحفر، وتأذى، تأذى حتى شاع بين الناس أن محمدا قتل، شاع بين الناس أن محمدا قتل. إذا كان هذا يا عبد الله، تخيل هذا المنظر في حق رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من هو؟ فهل بعد هذا يأتي أحد من الناس ويدعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكون لله؟ بأن النبي صلى الله عليه وسلم مالك الأكوان؟ وأن النبي صلى الله عليه وسلم يضر وينفع؟ وأن بيده الجنة وبيده النار؟ أو أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب؟ إذا كان النبي يعلم الغيب لما خرج في هذا الغزو أولا؟ لو أن النبي يعلم الغيب لتفادى تلكم الضربات، لعلم أن الضربة تأتي هنا، فيذهب حتى يحمي نفسه، لا، ما يعلم الغيب بنص القرآن والسنة وبإجماع علماء الأمة، ما يعلم الغيب. إذا كان هذه القصة توحي إليك هذه الخلاصة في أن النبي صلى الله عليه وسلم ما هو إلا بشر، نعم حباه الله بالوحي والرسالة، قل: ﴿إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾، يوحى إليه. أما أنه يصل إلى مقام الربوبية، ثم يستحق الألوهية، لا، هذا ما وصله نبي، ولن يصله أبدا، هذا من خصائص الرب. فكيف بعد هذا نأتي إلى من هو دون النبي من ولي كما يقال، من صالح، من تقي، ثم يقال في هذا الولي ما يقال في الله؟ الأولياء أقل درجة من الأنبياء، الأصفياء والصالحين أقل درجة من الأنبياء، الأنبياء هم الصفوة، صفوة البشر، ومع ذلك لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، إلا إذا شاء الله، فكيف يا عبد الله بمن دونهم من الأولياء والصالحين؟ هل هؤلاء يضرون وينفعون؟ لا. والعجب أن تأتي يا عبد الله وتسمع من الأقوام من يغالي في أوليائه ووليهم وصالحهم حتى يقول أن يقال أن فلان يكشف الكروب، وفلان يهدي القلوب، وفلان يعلم الغيوب، حتى سمعنا بعضهم يقول: فلان وفلان من الصالحين يعلمون الغيب ويقرؤونه سطرا سطرا، سطرا يعلمون الغيب. سألهم يا عبد الله: لو كانوا ينطقون، كم هي الآلام والأسقام التي ابتلوا بها؟ ما عندهم علم الغيب، وما أحد يملك الغيب إلا الله جل في علاه. فعلا أشاهد إخواني في الله أن المؤلف من بديع تصنيفه أن أورد هذا الحديث في هذا الباب، للدلالة على أن الأنبياء، وهم من هم، لا يملكون لأنفسهم كما ترى، ضرب، شج رأسه، سالت الدماء، ما ملك لأمره ضرا ولا نفعا، فكيف يملك لغيره؟ فكيف بمن هو دونه؟ ما هناك أحد. فبهذا إذا علمت ضعف المخلوقات وعجزها، حينها تعبد الله تتوجه القلوب إلى الله، إلى باريها جل في علاه، فله الكمال المطلق، هذا المراد من إيراد المؤلف لهذا الحديث. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.