أسباب جلاء الهم والغم

الخطبة بعنوان أسباب جلاء الهم والغم، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 30 محرم 1439هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة عن الهموم والغموم

يتناول المقطع خطبة عن الهموم والغموم التي تصيب الإنسان، واستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من الهم والحزن. شرع الله قدم علاجات لإزالة الهموم والغموم.

دور العبادات في دفع الهم والغم

الصلاة والذكر من أعظم الأسباب لدفع الهم والغم، فالصلاة بخشوع تزيل الهموم، والذكر يطمئن القلب. الإكثار من ذكر الله سبب لراحة القلوب.

العلاجات النافعة والمكافأة على الابتلاء

الصلاة على رسول الله من أعظم الطاعات التي تدفع الهموم، وتتبع الأدعية النبوية يزيل الهموم. للمهمومين والمغمومين أجر على قدر مصابهم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فيما معناه أنه عليه الصلاة والسلام خط مربعًا، ثم بعد ذلك خط خطًا طويلًا من داخل المربع إلى خارجه، ثم قام عليه الصلاة والسلام وخط خطوطًا قصيرة حول الخط الذي داخل المربع، ثم قال عليه الصلاة والسلام: "هذا الإنسان، وهذا أجله قد أحيط به - وأشار عليه الصلاة والسلام إلى المربع - وهذا الإنسان، وهذا أجله قد أحيط به، وقال: وهذا الخط الخارج أمله، وقال: وهذه الخطوط القصيرة هي الأعراض، إن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا". في هذا الحديث العظيم، عباد الله، يبين نبينا صلى الله عليه وسلم شيئًا من حياة الإنسان، وأن أمله الذي يؤمله لنفسه طويل جدًا لا حد له، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن حياة الإنسان المكتوبة له والمحتومة سيعترضها الأعراض، سيعترضها الأعراض. قال العلماء: والأعراض جمع عرض، وهي الآفات التي تعترض الإنسان. وتأمل يا عبد الله في وصف نبينا عليه الصلاة والسلام في مدى تتابع الآفات والأضرار على الإنسان، فقال عليه الصلاة والسلام: "وهذه الأعراض إن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا"، دلالة على أن المسلم لا يسلم أبدًا من الآفات والأضرار، نسأل الله السلامة والعافية. واعلموا عباد الله أن من أعظم الآفات ضررًا على العباد ما يكون من اعتراض الآفات من هموم وغموم، الهموم والغموم يا عباد الله متى ما استحكمت على المسلم فإنها تفعل به الأفاعيل، بل إن الهموم والغموم لا تكاد تنفك عن أحد منا. كم كان الهم سببًا في انفعال النفس وانزعاج القلب وضيق الصدر وتعكير المزاج وتكدير الحال والبال، بل إن بعض الناس من المهمومين والمغمومين لدرجة ما يعاني من شدة الهم والغم ما يجد بدًا إلا بإزهاق روحه، فيقتل نفسه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الهم، فكان من دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، ومن العجز والكسل"، فكان يستعيذ بالله من أن يبتليه الله بالهموم والغموم، لعلمه ولمعرفته عليه الصلاة والسلام بعظم أثر الهم والغم على أصحابه. عباد الله، ولنعلم جميعًا أنه ما منا من أحد إلا وهو عرضة للإصابة بالهموم والغموم منذ ولادته إلى ساعة وفاته، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، قال المفسرون: أي يكابد هذه الدنيا بأحوالها ومتاعبها، فهو يخرج من تعب إلى تعب، فهذه الدار دار تعب ونكد ونصب ووصب، دار هم وضيق وغم. وصدق الشاعر حيث قال: "تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد". عباد الله، واعلموا أن شرعنا الحكيم قد ذكر لنا أقوالًا وأفعالًا متى ما وفق لها العبد كان ذلك بإذن الله سببًا في إزالة همومه وغمومه، ومن تأمل في هذه العلاجات والأدوية رآها تنصب جميعًا في مدى عبوديتك لله جل في علاه. فإن العبد متى ما كان مع الله كان الله معه، ومن كان معه فمن أين تأتيه الغموم، ومن أين تعتريه الغموم؟ وليكون ذلك إلا لأهل التوحيد الخلص. يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى مبينًا فضل التعلق بالله، وأن ذلك من أعظم الأسباب في دفع الهم والغم: "قال: ومتى ما كان العبد بالله هانت عليه المشاق، فبالله يهون كل صعب، ويسهل كل عسير، ويقرب كل بعيد، فبالله تزول الهموم والغموم والأحزان، فلا هم مع الله، ولا غم، ولا حزن". انتهى كلامه رحمه الله. فبالله تزول الهموم والغموم والأحزان، فلا هم مع الله ما دمت مع الله لن تأتيك الهموم، ولم تصل إليك الغموم. ثم اعلموا عباد الله أن من أعظم الأمور النافعة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم والمسلمة في دفع الهم والغم ما يكون من إقبالك على الصلاة، يا عبد الله، متى ما نابك أمر ونجم عنه هم وغم وحزن التجئ يا عبد الله إلى الصلاة، فقد كان هذا من فعله عليه الصلاة والسلام. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث حذيفة بن اليمان قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى، إذا حزبه أمر صلى"، قال العلماء: حزبه بمعنى أهمه، أي أصابه هم، فكان عليه الصلاة والسلام يهرع إلى الصلاة حيث يجد فيها أنسه وراحته وسلامة قلبه. وكيف لا وهو القائل عليه الصلاة والسلام: "وجعلت قرة عيني في الصلاة"، وجعلت قرة عيني في الصلاة، الصلاة مع أنها مكفرة للذنوب والآثام، فهي كذلك مزيلة للهموم والغموم والأحزان. بل كتب عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: "يا بلال، يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها، أرحنا بها"، راحة النفس واستقرارها وبهجتها وذهاب ما بها إنما يكمن في صلاتنا، عباد الله، إنما يكمن في صلاتنا، عباد الله. فيا عبد الله، إذا لم تجد هذه المعاني العالية وهذه المقامات السامية وهذه الروحانيات العالية إذا لم تجدها في صلاتك، فعليك يا عبد الله أن تتهم نفسك وأداءك، أي صلاة يا عبد الله يصليها بعضنا وهو شارد الذهن، سارح الفكر، منشغل القلب، يصليها على عجل، ينقرها نقر الديك، ويخطفها خطف الغراب، لا تأمل ولا تدبر، لا سكينة ولا طمأنينة، لا خشوع فيها ولا خضوع. فبالله عليك، أهذه صلاة يرجو صاحبها منها أن يزيل الله عنه همه وغمه؟ لا والله، صل الصلاة يا عبد الله كما أمر الله، خاشعًا خاضعًا، متمًا لأركانها، متأملًا فيها وفي أفهامها، حينها سيزيل الله عنك كل هم وكل سوء. وأما الذي لا يصلي فوالله والله لا تزال همومه وغمومه جاثمة على صدره، لا تزال منشغلًا بها، وفي إصلاحها حتى تأتيه المنية وأنت منشغل بهذه النفس الردية، وما ابتلاك الله به من هم وغم، ثم تلقى الله على أعظم ذنب على ترك الصلاة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فمن أعظم الأسباب النافعة لدفع الهم والغم يا عبد الله الحرص على الصلاة والإقبال على الله. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلننظر عباد الله في هذا المقام شيئًا من العنايات النافعة التي دل عليها الشرع في إزالة همومنا وغمومنا، إذ أنه ما منا من أحد إلا وهو عرضة للإصابة بالهم والغم، لكن منا من يكتمه ومنا من يظهره، من صغير وكبير، ومن ذكر وأنثى، ومن غني وفقير. فما منا من أحد إلا وهو عرضة للهموم، فكان ينبغي أن نتعرف على الأسباب الدافعة لهذا الداء، فكان من ذلك الإقبال على الصلاة، وأيضًا عباد الله مما يعينك على إذهاب الهم والغم الإكثار من ذكر الله تسبيحًا واستغفارًا وحمدًا وشكرًا وتهليلًا وتكبيرًا. فإنه من كان يشغل وقته بذكر الله أزاح الله عنك يا عبد الله ما تجده من الهم، قال ربنا جل وعلا مبينًا فضيلة الذكر وأنه من أعظم الأسباب لراحة القلوب بإبعاد ما فيها من الهموم والغموم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. فقد دلت الأدلة الكثيرة على أنه من لازم الذكر فإن الله جل وعلا يجعل له من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا، هذا يونس عليه السلام كان في بطن الحوت في هم وضيق وكرب، لكن لما كان من الذاكرين لله نجاه الله جل وعلا من هذا الغم. وهذا نبينا صلوات ربي وسلامه عليه كان يلهج بذكر الله كلما ابتلي بهم، فقد ثبت في السنن أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث"، ومر معنى أن حزبه بمعنى همه وأصابه هم، كان يلهج بذكر الله ويذكر الله عز وجل بهذا الذكر: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث". وأيضًا عباد الله من العلاجات النافعة التي تدفع عنا الهموم والغموم الإكثار من الصلاة على رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه، فإن الصلاة على رسول الله تعتبر من أعظم الطاعات ومن أجل القربات. إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا، فمع أنها عبادة جليلة إلا أنها كذلك من أعظم الأسباب التي يذهب بها ربنا جل وعلا ما يعترينا من الهموم. هذا أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: "يا رسول الله إني أكثر من الصلاة عليك فماذا أجعل لك من صلاتي؟" قال: "ما شئت"، فقال أبي: "فقلت الربع"، أي ربع صلاتي ربع دعائي سيكون صلاة عليك، فقال عليه الصلاة والسلام: "ما شئت وإن زدت فهو خير لك"، فقلت: "يا رسول الله النصف"، فقال عليه الصلاة والسلام: "ما شئت وإن زدت فهو خير لك"، فقلت: "يا رسول الله الثلثين"، فقال عليه الصلاة والسلام: "ما شئت وإن زدت فهو خير لك"، فقلت: "يا رسول الله أجعل صلاتي كلها لك"، فقال عليه الصلاة والسلام: "إذن يكفيك الله هم الدنيا والآخرة". بماذا يا عبد الله؟ إذا كان لسانك عطرًا بالصلاة والسلام عليه صلوات ربي وسلامه عليه. وأيضًا عباد الله من العلاجات النافعة التي بها ندفع عن أنفسنا الهموم والغموم ما يكون من تتبع الأدعية التي ذكرها لنا نبينا وياصلة لم تذكر إلا لهذا الباب الذي نحن بصدده، كالحديث الذي رواه أحمد في مسنده بسند حسن من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: "قال عليه الصلاة والسلام: ما أصاب أحدًا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدًا من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء همي وذهاب حزني، قال عليه الصلاة والسلام: إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدل له فرحًا". فقال الصحابة: "يا رسول الله أفلا نتعلمها؟" قال عليه الصلاة والسلام: "ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها". فإذا كانت هذه وصيته لأهل زمانه فهي كذلك وصية لنا، من علم بهذا الذكر العظيم الذي به يبدل الله جل وعلا بهمومنا وغمومنا فرحًا ولذة وسرورًا، ينبغي على كل واحد، منا أن يتعلمه وأن يأتي به مع التمعن في أذكاربه وفي كلماته وأوراده. عباد الله، ومما أيضًا يزيح الله جل وعلا به الغموم والهموم التي تعترينا في هذه الدار أن تعلم يا عبد الله أنا ما أنت عليه من هم أو غم أو ضيق أو كرب لا يساوي شيئًا أمام ما سيأتيك في الآخرة من أهوال القيامة، من شدائدها وكرباتها، من النفخ في الصور ومن البعث والنشور، وما يكون من حسابك عند الله. فربما أعمالك نقصت بك فكنت من أهل النار وبئس القرار، هذا هو الهم الأعظم، هذا هو الهم الأكبر الذي ينبغي أن ننشغل به جميعًا، دع الدنيا يا عبد الله فهي ليست حقًا أن تهتم بها، وإنما الهم هو هم الآخرة. هذا هو الهم الأكبر الذي عكر على حياة أولي البشر، قال عليه الصلاة والسلام مبينًا لهذا المسلك: "من جعل الهموم همًا واحدًا هم آخرته - وفي رواية - من جعل الهموم همًا واحدًا هم معاده كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا فما يبال في أي واد هلك". فليكن همنا، فليكن الذي يزعجنا والذي يقض مضاجعنا هم الآخرة، بماذا نلقى الله؟ بأي أعمال؟ قال علامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "قال: إذا أصبح العبد وأمسى ليس الأهم إلا هم الله وحده، فإن الله يتحمل حوائجه كلها، حمل عنه همه". إذا كان همك يا عبد الله هو هم الآخرة لا هم الدنيا. عباد الله، أخيرًا، رعاكم الله، مع أن الهموم والغموم هي ألم ومشقة، إلا أن الله جل في علاه من لطفه ورحمته بهذه الأمة المحمدية أن جعل للمهمومين وللمغمومين أجرًا على قدر مصابهم. قال عليه الصلاة والسلام: "ما يصيب المسلم من هم ولا حزن ولا وصب ولا نصب ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه". فلله الحمد من قبل ومن بعد، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ولسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.