الخطبة بعنوان أشراط الساعة الجزء الثاني، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٥ ربيع الأول ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث الخطيب عن أهمية الإيمان بعلامات الساعة التي لم تقع بعد وتصديقها لأنها من علم الغيب. يشير إلى أن سلفنا الصالح كانوا يعتبرونها عبرة وعظة.
يذكر المقطع بعض العلامات التي تسبق قيام الساعة مثل رجوع أرض العرب مروجًا وأنهارًا وظهور المهدي. كما يشير إلى أحداث ستحدث نتيجة هذه العلامات.
يستعرض الخطيب العلامات التي تسبق ظهور المهدي ويؤكد على الإيمان بهذه البشارات. يتضمن المقطع دعاءً لله بحماية اليمن وسائر بلاد المسلمين من الفتن.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، فقد تحدثنا معكم في خطبة سابقة عما يتعلق بأمارات وعلامات الساعة، وإن ذلك مما ينبغي على المسلم معرفته، إذ أنها من المسائل الشرعية التي استفاضت في حقها الأدلة، وذكرنا كذلك أن العلماء قد قسموا أمارات وعلامات الساعة إلى أقسام ثلاثة: قسم قد مضى وانقضى، وقسم قد وقع ولا يزال يقع، وقد ذكرنا ومثلنا ببعض الأمثلة التي هي من هذا الباب، كما ثبت ذلك في صريح وصحيح السنة. أما القسم الثالث من أمارات وعلامات الساعة التي إلى الآن لم تقع، وإن المسلم عباد الله إزاء هذا الباب من علامات الساعة التي لم تقع عليه أن يؤمن بها وأن يصدق بها، سواء أكان ما يسمعه عنها مما يوافق العقل والواقع أو لا، فإنه في هذا الباب يتجلى إيمان العبد واستيقانه بخبر الله سبحانه وتعالى وبخبر رسوله. إذ أن هذا الباب من علم الغيب الذي من أذعن له ذاق طعم الإيمان، وإذ أن ما يخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم من أمارات وعلامات كل ذلك من وحي السماء، وما ينطق عن الهوى، إنه إلا وحي يوحى. ولنا عبرة ولنا عظة وأسوة بسلفنا الصالح في تعاملهم وتصديقهم لمثل هذه الأمارات، روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فشكى إليه الفاقة، ثم جاءه آخر وشكى إليه قطع السبيل، ثم قال عليه الصلاة والسلام: يا عدي، أرأيت الحيرة؟ قلت: لا يا رسول الله، ولكني أنبئت عنها. فقال عليه الصلاة والسلام: يا عدي، لئن طالت بك حياة لترين الضعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله. قال عدي: فقلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيء الذين سعروا في البلاد؟ ثم قال: يا عدي، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى. فقلت: يا رسول الله، كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه. ثم قال عدي: والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها. إنه التصديق يا عبد الله بخبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. فمن هذه العلامات عباد الله التي أخبر عنها عليه الصلاة والسلام ما يكون من رجوع أرض العرب مروجًا وأنهارًا، ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: لا تقوم الساعة حتى يفيض المال ويكثر حتى أن الرجل يخرج بزكاة ماله يريد أن يقبلها من أحد فلا يقبلها منه أحد، وأن أرض العرب تعود مروجًا وأنهارًا. وأيضًا مما أخبر عليه الصلاة والسلام من هذه العلامات ما أخبر عليه الصلاة والسلام عنه من انحسار الفرات عن جبل من ذهب حتى يلتجأ الناس إلى الاقتتال عليه، ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون رجلًا. قال عليه الصلاة والسلام: وكل منهم يقول: لعلي أنا الذي أنجو. ولهذا جاء في رواية الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا. وأيضًا من الأمارات ما يكون من إخراج الأرض لكنوزها المخبوءة في باطنها، قال عليه الصلاة والسلام كما ثبت ذلك في الصحيح: تقيء الأرض أفلاذ كبدها كأمثال الأسطوان من ذهب وفضة. قال عليه الصلاة والسلام: فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويأتي السارق فيقول: في هذا قطعت يدي. قال: فيدعونها ولا يأخذون منها شيئًا. وأيضًا عباد الله من هذه العلامات التي لم تظهر خروج المهدي المنتظر، وهو رجل يخرجه ربنا جل وعلا في آخر الزمان يكون خليفة على المسلمين يملأ الأرض عدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا. اسمه كاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ينحدر من نسل آل البيت وهو من ذرية فاطمة رضي الله تعالى عنها، يصلحه الله جل وعلا في ليلة. وإن الناس عباد الله إذا هذه الأمارة المهدي المنتظر على مذاهب شتى، فطائفة من الناس من أنكروه وتجرأوا على رد الأحاديث الكثيرة والآثار الوفيرة التي دلت على ثبوته ووجوده. وطائفة من الناس من هم على نقيض الأولى من غلوا في إثبات المهدي لدرجة أنهم أثبتوه لأنفسهم وادعوا المهدية لهم. وطائفة من الناس أثبتوا المهدي المنتظر لكن من خلال منظارهم الذي وضعوه لأنفسهم. أما المهدي الذي جاءت بحقه المبشرة كما صحت به الآثار، قال عليه الصلاة والسلام: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله في ذلك اليوم حتى يبعث الله جل وعلا رجلًا مني يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض عدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا. فلازلنا عباد الله نستعرض وإياكم أهم العلامات والأمارات التي أخبر عنها نبينا صلى الله عليه وسلم وهي الآن لم تظهر، وإننا على يقين بظهورها وبحدوثها، وذلك تصديقٌ منا وإذعانٌ لنا لخبر السماء الذي أنزله ربنا على نبيه عليه الصلاة والسلام. وأيضًا عباد الله من هذه الأمارات ما أخبر عنه عليه الصلاة والسلام عن أمر الملاحم، وهي إثخانٌ للقتال الشديد الذي يقع بين المسلمين وبين المشركين، وخاصة الصليبيين. وإن ذلك ليدل على قوة المسلمين وعلى شدة بأسهم، وأن الله جل وعلا يجعل لهم من القوة ومن الظهور ما يواجهون به وما يجابهون به ملل الكفر. ففي السنن من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: تكون فيكم النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم يكون ملكًا عضوضًا، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. قال الراوي: ثم سكت. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من أهل المدينة هم من خيار أهل الأرض يومئذ. فإذا تصافوا قالت الروم للمسلمين: خلوا بيننا وبين إخواننا الذين سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا، نخلي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل الثلث هم من خير الشهداء عند الله جل وعلا، ويفتتح الثلث لا يفتنون أبدًا. قال عليه الصلاة والسلام واصفًا هذه المعارك: لا يرى مثلها. بل أخبر عليه الصلاة والسلام من شدة المعارك قال: حتى أن الطائر ليطير بجنباتهم فلا يجاوزهم حتى يخر ميتًا. عباد الله، إن هذه الأحاديث والأخبار من هذه البشارات ومن هذه الأمارات التي أخبر عنها المصطفى عليه الصلاة والسلام نؤمن بها ونصدق بها ونذعن لها. وكيف لا وهي خرجت من فم نبينا عليه الصلاة والسلام؟ لكن متى تقع ومتى يكون وقوعها؟ فعلمها عند الله. لكن الأحاديث أعطت لنا صفات وأوصافًا، فمتى ما كان الناس يحكمهم نظام شرقي أو غربي علماني أو ديمقراطي أو اشتراكي أو نظام حزب أو بدعة، فلا تظهر هذه البشارات حتى تكون الخلافة على منهاج النبوة. وأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم ادفع عن بلادنا اليمن وعن سائر بلاد المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.