الدرس في أخطاء المصلين 30، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يناقش المقطع خلاف العلماء بين المنع المطلق والإذن المطلق في اصطحاب الأطفال، ويرجح رأي الإمام مالك بجواز اصطحاب من بلغ الأدب ولا يعبث مع كراهة اصطحاب الصغير المزعج. ويؤكد أن الأصل في اصطحاب الصبيان الجواز إذا كانوا مؤدبين لا يحدثون مفسدة من تلويث أو تشويش، مستدلاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته.
يحذر المتحدث من إحضار الأطفال الذين يسببون التشويش في صلاة التراويح، مؤكداً أن وجودهم جائز فقط إذا كانوا مؤدبين لا يؤذون المصلين. ويشير إلى ضرورة التوسط بين المنع المطلق والإذن المطلق لتحقيق مصلحة حفظ الأطفال وتعليمهم القرآن وحمايتهم من رفقاء السوء.
إذا أخل الطفل بحرمة المسجد باللعب ورفع الصوت والإزعاج، يُمنع من دخوله ويُخاطب وليه بعدم اصطحابه حتى يتعلم الآداب. ويؤكد الشرع على التوازن الدقيق بين الترحيب بالأطفال وحفظ حرمة المسجد دون إفراط في المنع ولا تفريط في الضبط.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمن أخطاء المصلين الإفراط أو التفريط في اصطحاب الأطفال إلى المسجد، فهذه المسألة فيها الناس على طرفين نقيض: فبعض العامة يمنع من استصحاب الأطفال إلى المساجد مطلقا، ولربما احتج بحديث لا أصل له، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم»، وهذا الحديث لا أصل له، فتجد هؤلاء ينفرون الناشئة عن المساجد، وكذلك يمنعون من دخولهم إلى المسجد محتجين بهذا الحديث، وكذلك بما قد يكون أحيانا من بعض التصرفات التي تصدر منهم. وفي المقابل، بعض الناس يستصحب الأطفال مطلقا، وإن كان في استصحابهم مفسدة وتشويش، وكذلك أذية للمصلين، أو كذلك تدنيس للمسجد، أو نحو ذلك. وهذه المسألة قد تكلم فيها العلماء، فسئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى عن الرجل يأتي بالصبي إلى المسجد، أيستحب ذلك؟ فأجاب رحمه الله تعالى بقوله: «إن كان قد بلغ الصبي موضع الأدب وعرف ذلك، ولا يعبث في المسجد، فلا أرى بأسا» يعني من استصحابه إلى المسجد، «وإن كان صغيرا لا يقر فيه ويعبث، فلا أحب ذلك». بمعنى أن هذا الصبي إذا كان في مجيئه إلى المسجد عبث وتشويش وأذية وتنجيس للمسجد، فربما بعض الصبيان إذا أتي به إلى المسجد بال في فرش المسجد، بل ربما أتى بما هو أغلظ من ذلك من الغائط ونحوه، وهذا موجود ويقع بين الفينة والأخرى في المساجد، وفي مسجدنا هذا. فمثل هذا الصبي الذي يخشى منه ذلك لا يستصحب لوجود هذه المفسدة، أو إذا كان هذا الصبي إذا أتي به إلى المسجد يرفع صوته أثناء الصلاة، أو كذلك يشوش على المصلين، أو يلعب في المسجد، فهذا لا يؤتى به إلى المسجد لأن المفسدة حاصلة. أما إذا كان الصبي مؤدبا ولا يصدر منه شيء من هذا العبث، ولا يخشى منه شيء من التنجيس، فهذا لا بأس به. وأيضا مما يستدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يسمع بكاء الصبي في الصلاة، فيتجوز في الصلاة مخافة أن تفتن أمه، والحديث في مسلم. فهذا دليل على أن بعض نساء الصحابة رضي الله تعالى عنهن كن يؤتين بأولادهن إلى المسجد، وهكذا مجيء الحسن والحسين إلى المسجد، ونحو ذلك مما جاءت به الأدلة. وننبه أيضا على أمر يكثر من هؤلاء الصبيان في صلاة التراويح في رمضان، ونحن على أبواب هذا الشهر المبارك، نسأل الله أن يبلغنا وإياكم إياه. فبعض هؤلاء الأولاد عندما يؤتى به إلى المسجد يشوشون على المصلين، إما ببكائهم، وإما بلعبهم، وإما بجلوسهم خلف الصفوف ورفع أصواتهم. فالقاعدة في ذلك، بارك الله فيكم: إذا كان وجود الصبي في المسجد فيه مفسدة مما ذكر، فهذا لا يجوز اصطحابه، لأنه لا يجوز التشويش على المصلين، ولا يجوز أذية المصلين برفع الأصوات أو نحو ذلك. وأما إن كان الطفل مؤدبا كما مر معنا، فلا بأس بذلك. هذه القاعدة العامة في هذا الباب في استصحاب الأطفال إلى المسجد: فلا إفراط ولا تفريط، فلا يمنعون مطلقا، ولا يؤذن لهم مطلقا، وإنما بهذه القيود وبهذه الشروط. فينبغي للمسلم أن يكون معتدلا في مثل هذه الأحكام الشرعية، لأن طرد الأطفال مطلقا كما مر معنا هذا فيه تنفير لهؤلاء الأولاد عن بيوت الله. فكون الطفل يكون في بيت الله، يسمع من القرآن، ويتعلم من القرآن، ويحفظ في المسجد من رفقاء السوء ومن شياطين الإنس، لا شك أن هذه مصلحة مرجوة، ومصلحة عظيمة، فلا نحرم هؤلاء الناشئة من مثل هذا الخير في المساجد. وبالمقابل، إذا كان هذا الطفل لا يرعى حرمة المسجد بلعبه ورفع صوته وإزعاجه ونحو ذلك، فإنه يمنع، ويكلم وليه ألا يصحبه في المسجد. فلا إفراط ولا تفريط. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.