الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 58، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح المؤلف أنواع الشرك والكفر والظلم والفسوق والنفاق، مبينا أن كل منها ينقسم إلى نوعين: أكبر وأصغر. الأكبر يخرج من الملة والأصغر لا يخرج منها.
الرياء هو عمل شيء ليراه الناس أو ليسمعوه، وهو شرك أصغر كما بين النبي صلى الله عليه وسلم. يعتبر من أكبر المخاطر على الإخلاص في الأعمال ويحتاج إلى مجاهدة النفس لتركه.
يشرح المقطع خطر الشرك الأصغر وأمثلة عليه مثل الرياء والحلف بغير الله. يجب على العبد أن يجاهد نفسه لاجتنابه لأنه أعظم من الكبائر.
يختتم الشيخ الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يعرب عن أمله في مواصلة الدروس في المستقبل.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال مؤلف كتاب «نونيته» رحمه الله تعالى: باب شرك دون شرك وكفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسوق دون فسوق ونفاق دون نفاق. قال: والشرك قد جاء منه أصغر وهو الرياء، من سوى الرحمن ما عبد، كما يصلي ربي ثم زينها لما يرى أن إليه ناظر أحد، كذلك الحلف بالمخلوق من وثن، كذلك الأمانة والآباء والولد، وبالشهادة، فالساهي يكفر، كي يقر في القلب معناها ويرتسم. ونحو «لولا فلان لكان كذا»، وما شاء الإله وشئت، الكل منتقد. وهكذا كل لفظ فيه تسوية بالله جل، ولكن ليس يعتقد والانتفاء التساوي جاز، ثم من لواه نصا وأهل العلم منتقد. والكفر والظلم فعلا والفسوق، كذا النفاق كل على نوعين قد يريد. فالكفر بالله معلوم، وسمي بالكفر القتال لذي الإسلام يعتمد. والظلم للشرك وصفا، ثم أطلق فيه تظالم الخلق، منه القول والحسد. والفسق في وصفه إبليس اللعين أتى، وقاذف ما عن الإسلام يبتعد. كذا النفاق أتى في الكفر أقبحه، وجاء في وصف خلف لما يعد، أو خاصموا فجروا، وعاهدوا غدروا، والخائنين. ومن إن حدثوا فندوا. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع هذا الباب، قال: باب شرك دون شرك وكفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسوق دون فسوق ونفاق دون نفاق. وأراد رحمه الله تعالى أن يبين في هذا الموضع أن الشرك ما هو منه أكبر ومنه ما هو أصغر، أي شرك دون شرك وهو الأصغر. وكذلك الكفر منه كفر أكبر ومنه كفر دون كفر وهو الكفر الأصغر. وكذلك الظلم ظلم أكبر وهو الشرك، وظلم أصغر وهو دون ظلم، أي ليس بشرك. وهكذا الفسوق منه ما هو أكبر ومنه ما هو أصغر، فسوق أكبر مخرج من الملة، فسوق أصغر لا يخرج من الملة، إنما هو كبير من كبائر الذنوب. وهكذا النفاق، النفاق على نوعين: نفاق أكبر مخرج من الملة، ونفاق أصغر كبير من كبائر الذنوب، كالكذب إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا أتمن خان، وإذا خاصم فجر. هذه من خصال النفاق، فمن وقع فيها فهو منافق، لكن نفاقه نفاق عملي. أما النفاق الاعتقادي فهو الكفر المخرج من الملة. النفاق العملي لا يخرج من الملة، النفاق الاعتقادي يخرج من الملة. النفاق الاعتقادي كأن يظهر الإسلام ويبطن الكفر، كما وقع فيه المنافقون في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. وأما الذي يقع في هذه الخصال، إذا وقع في الخصال كلها، يعني يكذب في الحديث إذا حدث كذب، وإذا وعد يخلف الوعد، وإذا عاهد يغدر، وإذا خاصم يفجر، وإذا أتمن خان، إذا جمع بين هذه كلها فهو منافق منافق نفاق عملي. كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «فمن وقع فيها كان وقع في أحدها، وقع في خصل من خصال النفاق، ومن وقع في الجميع كان منافقا خالصا، كان منافقا خالصا، أي منافق نفاقا عمليا». أما إذا كان عنده فقط الكذب في الحديث، هذه خصلة من خصال النفاق، أو عنده كذلك الخيانة، هذه خصلة من خصال النفاق. فالاعتقاد هو المخرج من الملة، وهو إبطان الكفر وإظهار الإسلام. فالشاهد أنه أراد أن يبين رحمه الله تعالى في هذا الموضع هذه الأمور؛ لأن من الناس من لا يفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، والكفر الأكبر والكفر الأصغر، فربما يظن أن الكفر نوع واحد وكله مخرج من الملة، أو الشرك نوع واحد كله يخرج من الملة. والنصوص قد دلت في الكتاب والسنة على هذه الأنواع، وأن الشرك منه ما هو أكبر، ومنه ما هو أصغر، وهكذا الكفر، وهكذا الظلم، وهكذا الفسوق، وهكذا النفاق. فقال رحمه الله تعالى: «والشرك قد جاء منه أصغر وهو الرياء»، ممن سوى الرحمن ما عبد. الرياء شرك، لكنه شرك أصغر. شرك أصغر. أما الشرك الأكبر فهو رياء المنافقين، رياء المنافقين كما كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا. فالرياء عند المنافقين رياء أكبر. وأما رياء المسلم الذي يصدر من المسلم فهو الشرك الأصغر غير المخرج من الملة. قال: «والشرك قد جاء منه أصغر وهو الرياء». فالرياء من الشرك الأصغر كما بين النبي صلى الله عليه وسلم. رياء أصغر كما قال عليه الصلاة والسلام: «أخوفت ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». قالوا: «وما الشرك الأصغر؟» قال: «الرياء». فالرياء قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام شرك أصغر. وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا عند أحمد، وصححه العلامة الألباني في «الصحيح الجامع»، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قالوا: «بلى يا رسول الله». قال: «الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل»، يعني يقوم يصلي لله، لا يصلي لغير الله، يصلي لله، لكن يرى رجل أن ينظر إليه فيزين صلاته ويحسن صلاته، ربما يطيل ركوعها أو سجودها أو التشهد فيها أو غير ذلك، ألم ينه أنه يعمل هذا العمل لأنه يعلم أن فلانا ينظر إليه فيحسن هذه الصلاة ويزين هذه الصلاة؟ فهذا عمل لغير الله. قد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في «مسلم» في الحديث القدسي الذي رواه عن ربه: «إن الله جل وعلا قال: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». وأيضا قال النبي عليه الصلاة والسلام في هذا النوع من الشرك أنه: «إنه شرك السرائر». قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم وشرك السرائر». وفسره مسلم بتزيين الصلاة لنظر رجل، كما جاء عند ابن خزيمة. والرياء يدخل فيه إذا عمل العمل ليراه الناس أو ليسمعه الناس، كمن يقرأ القرآن يرائي بقراءته ليسمع الناس يقولوا: ما شاء الله، هذه قراءة كذا. فيزين القراءة ليسمع الناس رياء. فهذا الأمر يحتاج إلى مجاهدة عظيمة، أمر الرياء. حتى قال بعض العلماء: يبتلى به العلماء والعباد، هذا الرياء يبتلى به العلماء والعباد، ما يبتلى به العوام، لكن يبتلى به العلماء والعباد. قال بعض العلماء: بأن الشيطان قد علم أنهم لا يأتون المعاصي، يعني دخلوا اليأس من أن يقعوا في المعاصي، يسرقوا أو يزنوا أو يقتلوا أو يشربوا الخمر أو يرتشوا أو يفعلوا هذه الأشياء، جاءهم من هذا الباب. فهم يجاهدون أنفسهم في هذه الأبواب العظيمة، فالنفس هناك لما تجاهد هذا الجهاد العظيم من قبل الإنسان، فيأتي الشيطان لهذه الأبواب فيجدون فيها متسعا وتنفسا ليعطي النفس حظها. النفس تريد حظها، النفس لا تريد أن يكون العمل خالصا. أين حظ النفس؟ هذه النفس قامت بهذا العمل، قامت بهذا العمل، كانت صلاة، وكان صياما، كان جهادا، أو كان قرآنا، أين حظ النفس؟ ما في أبدا ولا شيء أبدا، هذا ثقيل على النفس، ثقيل على النفس أن لا يكون لها الحظ من هذا العمل قد قامت به. فلذلك الجهاد في هذا الباب عظيم، فيأتي الشيطان من هذا الباب فيجعل الإنسان يقع في الرياء، نعم، يرائي بعمله، أو ربما يعني يطلب الثناء من الناس، يطلب منهم أن يقدموه في المجالس العظيمة، ويعرفوا قدره وأنه فلان بن فلان وأنه وأنه. فالأمر عظيم. إذا كان سفيان الثوري رحمه الله تعالى، هو سفيان الثوري يقول: «ما جاهدت نفسي أشد من مجاهدتها على الرياء؛ لأنه ليس لها فيه نصيب». قال: «أشد ما جهدت نفسي على هذا الأمر». لماذا؟ لأن النفس ليس لها نصيب في هذا، فإذا تحتاج مجاهدة حتى تقهر على أن تبقى على هذا، وأن تتروض على أنه لا نصيب لها، فهذا ليس بالأمر الهين. ولذلك الحمد لله، رحمة الله واسعة، الإنسان إذا وقع في شيء عليه أن يرجع ويصحح؛ لأنه قد لا يسلم الإنسان مثل هذا إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى. فإذا حصل شيء فعلى الإنسان أن يرجع وأن يستغفر وأن يتوب من ذلك، وأن لا يتمادى، وأن لا يصر، يجاهد نفسه. فهذا الباب باب مجاهدة مستمرة، وباب مجاهدة دائمة؛ لأن الإنسان سيعانيه هذا في سائر ساعاته، يحتاج في كل ساعة أن يجاهد نفسه، يجاهد لسانه، يجاهد بصره، يجاهد سمعه، يجاهد قلبه، وهكذا. فإذا الباب باب عظيم، ومن صدق مع الله جل وعلا وأخلص، وفقه الله جل وعلا. والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين. فالعبد يجاهد نفسه، وروض نفسه. تروضت النفس إذا روضت نفسك على الإخلاص وعدم الرياء، تروضت النفس. فالنفس إذا روضت تروضت، لكن أنت إذا صرت تلبي رغبات هذه النفس الأمارة بالسوء، فإن هذه النفس تعتاد على ذلك، تتعود على ذلك، تريد حظها. لكن روضتها، وأن هذا العمل لا أجر له إلا في الآخرة. وجهدت وجهدت وجهدت وجهدت، تروضت النفس. فإذا وقعت في شيء تقع في النادر أو أحيانا أو في شيء يسير. وهذا هنا يأتي الاستغفار وتأتي التوبة، تأتي عمل الحسنة لمحو هذه السيئة، وهكذا. وإلا فلا يسلم من هذا أحد، لا يسلم من هذا أحد. إذا كان العلماء يعانون من ذلك، علما أنهم يقعون في ذلك، لكن يسارعون في إصلاح الخلل. فإذا من باب أولى نحن، سنبتلى بمثل ذلك، وربما يقع منا شيء من ذلك. لا يقع الإنسان أن يجاهد نفسه، وأن يستمر على استغفار والتوبة، وذلك مما يمحو ذلك النقصان والخلل. وقد قال المؤلف رحمه الله تعالى في «نونيته»: والشرك فاحذره فشرك ظاهر ذا القسم ليس بقابل الغفران، وهو اتخاذ الند للرحمن من حجر أو إنسان يدعوه أو يرجوه، ثم يخافه ويحب، أو يحبه كمحبة الديان. هذا الشرك الذي ليس بقابل الغفران، لا يغفره الله جل وعلا، هو الشرك الأكبر. إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فهذا ليس بقابل الغفران إذا مات الإنسان من غير توبة منه، فإنه لا يغفر له. بخلاف الشرك الأصغر، فإن العبد إذا مات من غير توبة من الشرك الأصغر، فهذا تحت المشيئة. ومنهم من يرى أن الشرك الأصغر كذلك لا يغفر، بمعنى أنه لا تمحى له هذه السيئة، وهي السيئة الشرك الأصغر، كالرياء أو الحلف بغير الله أو غير ذلك من أعمال الشرك الأصغر، لا تغفر بمعنى يحاسب عليها، يحاسب عليها. بخلاف الكبائر التي هي ليست من الشرك الأصغر، فهذه تحت المشيئة، بمعنى أنها تغفر وتمحى، ولا يحاسب عليها أبدا، لا يحاسب عليها. بخلاف الشرك الأصغر، فإنه يحاسب عليه. وهذا اختيار جماعة من العلماء، وهو قول لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وهكذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من أهل العلم. وهذا يدلنا على خطر الشرك الأصغر، وأنه ليس كالكبائر، الشرك الأصغر أعظم من الكبائر؛ لأن الرياء أعظم من الكبائر، الرياء أعظم من الكبائر. لماذا؟ لأن الكبائر تحت المشيئة على هذا القول، تجمع. لكن الشرك الأصغر صار فيه الخلاف، مما دل على أنه أعظم. فلذلك على العبد أن يجاهد نفسه، وأن يبتعد عن الرياء. ثم قال رحمه الله تعالى: «كمن يصلي ربي ثم زينها لما يرى أن إليه ناظر أحده». هذا التفسير أخذه من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام حين ذكر الشرك الأصغر، وقال وسماه الشرك الخفي، يسميه شرك السرائر، فسره عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث بأنه تزيين الرجل لصلاته لرؤية رجل إليه، ولنظر رجل إليه، فيزين هذه الصلاة. ثم قال: «كذلك الحلف بالمخلوق، من وثن، كذلك الأمانة والآباء والولد». هذا أيضا من الشرك الأصغر، الحلف بالمخلوق، من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عمر عند الترمذي وغيره. فصاحب بعض أهل العلم، فالحلف بالمخلوق شرك أصغر، كالحلف بالأمانة، أو كذلك الحلف بالآباء أو الأبناء، وغير ذلك. فكل حلف بغير الله شرك أصغر. حلف بالنبي، بعضهم يحلف بالنبي، والنبي كذا، هذا شرك أصغر، لا يحلف بالأنبياء، حلف بالله. ولذلك لما سمع عمر رضي الله تعالى عنه يحلف بأبيه، كما في «الصحيح»، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». وكان كفار قريش يحلفون بالآباء، كانوا يحلفون بالآباء، واستمر هذا الأمر إلى أن جاء النهي من النبي عليه الصلاة والسلام. فالحلف بالآباء شرك أصغر. وهكذا كذلك الحلف بالأمانة، قد قال مسلم: «من حلف بالأمانة فليس منا»، كما في حديث بريدة عند أبي داود وغيره. والأسف اليوم تجد بعض الناس من يبيعه ويشتري يحلف بالأمانة، أمانة ويقصد الحلف، هو أمانة هذا من كذا، أمانة أخذت بكذا. هذا يسمع في الأسواق في بعض الباعة الذين يبيعون في الأسواق، يقول: «أمانة»، ويقصد الحلف، كأنه يقول: «بالأمانة»، لكن يخسر الأمانة، كأنه يحلف. هذا حلف. كذا حلف بغير الله، حين يقول: «أمانة»، ويقصد بذلك الحلف؛ لأن الأعمال بالنيات. طيب، نواصل إن شاء الله في درس لاحق. صلى الله عليه وسلم وبركاته على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.