الدرس في ترجمة الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني 7، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع فتنة تعرض لها الشيخ عبد الرحمن بن عمر العدني عندما غادر بعض طلاب العلم الغرباء دار الحديث بالفيوش لحضور محاضرات في عدن، مما استدعى تدخل السلطات الأمنية وقرار ترحيل الغرباء، فتعامل الشيخ مع الأزمة بحلم وصبر وحكمة. ويختم المقطع بأن الله نجّى أولئك الغرباء المرحلين من الحرب والاعتقالات التي وقعت لاحقًا في محيط الدار، في دلالة على حسن عاقبة الصبر والتقوى.
برز الشيخ عبد الرحمن بمواقفه الإصلاحية، فدافع عن الطلاب الغرباء عند ترحيلهم وكشف براءتهم، وعُرف بسلامة صدره وحبه للصلح حتى عرض التوقيع على بياض لإخماد الفتن. وتفرغ لفض النزاعات القبلية والأهلية، فأصلح بين المتخاصمين في الدماء والأراضي، وكان قوله وحكمه مرضيًا لدى الأطراف، مما جعله محبوبًا في القلوب ومأجورًا عند الله.
يُبرز المقطع دور الشيخ عبد الرحمن رحمه الله في الصلح بين المتنازعين، حيث نجح في إنهاء خلاف تجاري كبير بكلمة مؤثرة دعت المتخاصمين للتنازل، كما أصلح بين قبائل قبل مقتله بيومين، وأفتى بحكم شرعي أنهى نزاعاً دموياً قبل مقتله بيوم، مما يدل على مكانته وتأثيره في حقن الدماء وإصلاح ذات البين حتى آخر أيامه.
يختتم المتحدث بالدعاء لله بإتمام النفع والعلم، والصلاة على النبي محمد وآله، مع الحمد لله رب العالمين، مؤكداً أن الله هو الولي والقادر على كل شيء.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد، فمرحبًا بكم مرة أخرى معنا في الدرس الماضي، تتمة لحديثنا في الدرس الماضي حول ترجمة عالم من علماء هذه البلاد اليمانية الراحلين، الذين رحلوا وكان الناس أحوج ما يكون إلى علمهم، ألا وهو فضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الله عبد الرحمن بن عمر بن مرعي العدني، رحمه الله تعالى. وكما سبق معنا مرارًا وتكرارًا أن تراجم هؤلاء الراحلين الراسخين تعتبر مدارسًا بل وجامعات يتلقى منها طلاب العلم على وجه الخصوص، وعامة المسلمين على وجه العموم، الدروس النافعة، لهم تجارب ولهم خبرات نحن أحوج ما نكون إلى أن نستفيد منها. ومر معنا ما عُرف به الشيخ، رحمه الله تعالى، من رقة القلب وعظيم الرحمة والشفقة، ومحبته للتعاون مع ذوي العاهات كالكُفّار والمعاقين، أو مع كبار السن، أو مع الغرباء الذين تركوا البلاد والأهل والأوطان ورحلوا لطلب العلم، فاتفقوا في هذا الدين. فكان شيخنا العدني، رحمه الله تعالى، قد رحل إليه إلى داره العامرة الشامخة، ألا وهي دار الحديث بالفيوش، طلاب العلم من المشرق والمغرب. وهذا كما سبق من فراسة شيخنا الوادعي، رحمه الله تعالى، في تلميذه العدني، وأنه إن ثبته الله فسيرحل إليه الطلاب من أنحاء كثيرة. وفعلا فقد ثبته الله عز وجل، فلم يتلطخ بحزبية، ولم يُعرف بعصبية ولا قبلية ولا مذهبية، وإنما تمسك وتجرد للكتاب والسنة. وكان، رحمه الله تعالى، حريصًا على الإحسان إلى الجميع، حتى خصومه وأعداؤه الذين يمكرون به ليلًا ونهارًا، كان حريصًا على نصحهم، وكان كثير الدعاء لهم، فما بالك بطلاب العلم الذين هَمّهم العلم وبغيتهم العلم؟ فهؤلاء من باب أولى. ومر معنا ملخص لفتنة الغرباء الذين أحسن إليهم الشيخ وأكرمهم، ولما جاءت فتنة الجهاد والحرب وغيرها، تأثر الكثير منهم ببعض طلاب العلم المفتونين، وأصبحوا يتركون المركز والدار والدروس وينطلقون إلى عدن لكي يحضروا محاضرات ويتلقوا دروسًا. أثار ذلك تعجب القيادات الأمنية: ماذا مع هؤلاء الغرباء؟ لماذا يتكاثرون؟ فكان الاتصال بالشيخ، وقام الشيخ بدوره بالنصيحة والتنبيه، وأنه لا يخرج أحد من المركز إلا بإذن، وقام بعد صلاة الفجر يوم الجمعة وأكد ذلك، فما زاد القوم إلا عتوًا. وما هي إلا فترة وإذا بالقرارات التي جاءت من السلطات العليا في الدولة تقتضي رحيل الغرباء، كل واحد يرحل إلى بلده، فحرموا أنفسهم وكانوا سببًا في حرمان غيرهم. وقامت ثورة على شيخنا، رحمه الله تعالى، فقابلها بحلم وصبر وعقل وعلم، وكان رحيمًا، رحمه الله تعالى. وجاء القرار، وجاء محافظ محافظة لحج وجلس على كرسي الشيخ وقرأ على الطلاب جميعًا قرار الترحيل، وبرّأ ساحة شيخنا العدني، رحمه الله تعالى، وأن هذا القرار أتى من قيادات عليا كوزارة الدفاع والداخلية وغيرها. وكان ما كان من رحيل هؤلاء الغرباء. وما هي إلا فترة، يا إخوان، انظروا إلى حكمة الباري تبارك وتعالى: إذا بالحرب تشتعل ونيرانها تقترب إلى ديار دار الحديث بالفيوش، وأخذ من أخذ من الطلاب، اعتُقلوا، وماذا حصل ما حصل، فسلم الله الغرباء من ذلك، والشيخ، رحمه الله تعالى. من رحمته حين أن جاء قرار الترحيل، قام خطيبًا ومتكلمًا أمام الطلاب، وألقى كلمة يسيرة بعنوان "تبرئة الإخوة الغرباء من تهمة الإرهاب"، يعني ليسوا إرهابيين، حين أن أمر بترحيلهم، لكنها احتياطات وهكذا إجراءات أمنية. وكان في كلمته تصبير وتسلية لإخواننا الغرباء، وأن الله يدافع عن الذين آمنوا، وكذلك أيضًا نبه على المندسين وهكذا المفتونين وغير ذلك. وجعل الله عز وجل لإخواننا الغرباء فرجًا ومخرجًا، فبعد أن هدأت الحرب أتى الكثير منهم، فهاهم يملؤون دار الحديث، أو دار الحديث بالفيوش، سواء من إخواننا الأندونيسيين أو الأفارقة من أوغندا ونيجيريا وتنزانيا وكينيا، أو كانوا من غيرها من البلاد الأخرى. فربنا تبارك وتعالى لا يضيع أجر المحسنين. الشيخ، رحمه الله تعالى، عُرف بسلامة الصدر وهكذا نقاء القلب، ومحبته للصلح، ما يحب المشاكل ولا يحب الفتن. ولما وقعت الفتنة التي سبق الإشارة إليها، فتنة الحجور، نصحه العلماء أن يسكت فسكت، فجعل الله عز وجل له الفرج والمخرج. قيّض الله له من يقوم بالدفاع عنه، وهم مشيخة السنة وعلماء الحديث في اليمن وغيرها وغير اليمن، هم الذين دافعوا عن الشيخ عبد الرحمن وبرّأوا ساحته مما رماه به من رماه بالحزبية وهكذا محبة الفتن. الشيخ عبد الرحمن من بغضه للفتن قال للمشايخ: أعرض عليهم أنه مستعد أن يوقع لهم على ورقة بياض، ورقة بيضاء يوقع عليها، وهم يكتبون فيها ما شاء مما يكون فيه درء للفتن وإخماد لنيرانها. قال: لو أمرني المشايخ أن أخرج من هذا المركز خرجته. فكان، رحمه الله تعالى، محبًا للصلح. وهكذا أيضًا كان رجلًا معروفًا بالعفو والسماحة وبغضه للفتن وهكذا للمشاكل وغيرها. ولهذا، يا إخوان، مما عُرف به شيخنا، رحمه الله تعالى، أنه كان حريصًا على الإصلاح بين الناس. كان حريصًا على الإصلاح بين الناس، وهذا يا إخوان مما زاده حبًا في قلوب الناس، أصبحت الناس تحبه أكثر فأكثر. والشيخ، رحمه الله تعالى، مع ما كان عنده من أعمال ومشاغل ودروس وغيرها من أعمال المركز، إلا أنه، رحمه الله تعالى، كان يفرغ من وقته ما يجعله في باب الإصلاح بين الناس، سواء بين أهل الفيوش من طلاب العلم أو من عوامهم، أو كان ما يقع بين القبائل من قتل وقتال وخصومات على الأراضي والأموال وغيرها. فأفق شيخنا، رحمه الله تعالى، إلى الإصلاح بين الناس. والإصلاح بين الناس، يا إخوان، هذا يعتبر من الأعمال العظيمة: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. فكان الشيخ كما سبق حريصًا على الصلح. وهناك خلافات، هناك ثارات، هناك مشاكل، جعل الله الصلح فيها على يد الشيخ، رحمه الله تعالى. بعض هذه القضايا ذهب ضحيتها قتلا، فكان الصلح فيها وجمع الأطراف واتفاق الأطراف على يد الشيخ عبد الرحمن، رحمه الله تعالى. فيدخل الشيخ عبد الرحمن ويرضى الناس بقوله، وهكذا بحكمه، وهكذا بحكمه. وكم من القضايا التي أتعبت الناس، على سبيل المثال ذكر أحد إخواننا من أهل يافع أن رجلًا كبيرًا في السن اختلف مع رجل آخر، واشتد الخلاف بينهما. قال الأخ: كنت جالسًا عند الشيخ عبد الرحمن، فجاء المتخاصمون إلى عند الشيخ، رحمه الله تعالى. قال: فما هي إلا لحظات، لحظات يا إخوان، وإذا بالأطراف تتفق وتصطلح. قال: الرجل كبير، كبير السن، وهو خارج، خرج يردد يقول: "قضيتنا حُلت في نصف ساعة، قضيتنا حُلت في نصف ساعة، وقد طفنا كل المحاكم، وقد طفنا كل المحاكم، وخسرنا ما معنا أي في المحاكم". وأخذ يقول للشيخ: "حفظك الله، وفقك الله، جزاك الله خيرًا"، ويجعل يردد الدعاء للشيخ عبد الرحمن، رحمه الله تعالى. وهكذا يعني من هذه القضايا على سبيل المثال لا الحصر، ماذا حصل؟ يعني يقول الذي ينقل هذه القصة: "حصل في حياة مواقف كثيرة من الشيخ، رحمه الله، لكن هناك موقف لن أنساه، لن أنساه". قال: وهذا حصل قبل فتح دار الحديث بالفيوش. حصل خلاف بيننا في أموال تجارية، ملايين، اختلاف على مبالغ كبيرة جدًا، على ملايين. قال: وتم الاتفاق بأن يصلح بيننا الشيخ عبد الرحمن، الأطراف كلها ارتضت أن يدخل الشيخ عبد الرحمن. قال: فحدد لنا موعدًا، وبدأت الجلسة معه من بعد صلاة العصر، ولم يتم الصلح. قال: فرجعنا بعد المغرب إلى العشاء، ولم يتم الصلح. قال: ثم إلى الساعة الحادية عشرة ليلًا، فقال الشيخ وهو يبتسم، وهنا الشاهد يا إخوان: قال الشيخ وهو يبتسم: "ما رأيكم يا إخوة، نترك طلب العلم ونرجع للتجارة؟" يقول: "نترك طلب العلم، المراكز، ونرجع للتجارة"، كمعاتب لهم على شدة الخلاف وضياع الوقت. هذه الكلمة، يا إخوان، كان لها وقع عظيم وأثر كبير في نفوس هؤلاء المتخاصمين. فماذا؟ فلما قال هذه الكلمة أثرت في الأطراف، فتنازل هذا الطرف الأول عن مليوني، والطرف الآخر تنازل أيضًا عن مبلغ كبير، فتم إنهاء الخلاف بين المتخاصمين بفضل الله عز وجل ثم بفضل جهود الشيخ، رحمه الله تعالى. وآخرًا، فمما يذكر في هذا الباب أن الشيخ كان مستمرًا في حل الخلافات والمشاكل إلى قبل مقتله. فقبل أن يقتل بيومين كانت هناك مشكلة عظيمة وقعت بين بعض المتخاصمين، فما كان من الشيخ عبد الرحمن، رحمه الله، إلا أن تكلف عناء المسافة وذهب إلى هؤلاء المتخاصمين. فلما رأوا الشيخ عبد الرحمن، ماذا أثر فيهم ذلك؟ حتى أن أحدهم كان يقول، أحدهم كان يقول وهو شيخ قبيلة: "يكفينا فقط أن الشيخ عبد الرحمن يرفع التلفون، بس يرفع الجوال ويتصل، وكلامه مقبول، الشيخ عبد الرحمن كله يأتي، نعم يأتي لأجل حقن الدماء وإصلاح ذات البين". فأصلح الله ما بينهم بأن كلا الطرفين ارتضى حكم الشيخ عبد الرحمن، رحمه الله تعالى. بل قبل أن يقتل بيوم، خرج مجموعة من الإخوة من الفيوش إلى مجموعة من الناس، حصل بينهم خلاف، وأصيب، ماذا؟ أصيب واحد منهم في عينه. فلما اشتد النزاع بينهم، حكم الشرع، قالوا: "نريد الشرع، نحكم الشرع". فماذا؟ فاتصل الإخوة على الشيخ عبد الرحمن وهم في مجلس التحكيم: "ما حكم الشرع يا شيخ في هذا؟" قال: "حكم الشرع كذا وكذا". فرضي الجميع بهذا الحكم الشرعي، وأنهى الله عز وجل خلافًا، وأخمدت فتنة، وتم الإصلاح بين الناس بسبب ذلك. وكم يا إخوان هي الحوادث والوقائع التي كان الصلح فيها على يد شيخنا، رحمه الله تعالى. الحديث له تتمة حول جوانب أخرى، إن شاء الله عز وجل، من حياة الشيخ، رحمه الله تعالى. يسأل الله إتمامها، وأعانه ربنا عز وجل عليها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرًا.