المحاضرة بعنوان نهاية الظالمين قصص وعبر، والتي كانت بمسجد أبو بكر بن الشيخ بالخور - الشحر يوم الجمعة 12 جمادى الآخر 1446هـ الموافق 13 ديسمبر 2024م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
تستهل المحاضرة ببيان عاقبة الظالمين كما وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية، مستعرضةً قصص الأمم السابقة كعاد وثمود وفرعون، ومؤكدةً أن الله يمهل الظالم ثم يأخذه أخذاً أليماً شديداً، مع التنبيه على وجوب شكر النعم والاعتبار بمصير المجرمين.
يحذر المقطع من الظلم مستنداً إلى وصية النبي ﷺ لمعاذ بن جبل بتقوى دعوة المظلوم، وقصص تاريخية كسقوط البرامكة والحجاج بن يوسف، وأقوال ابن تيمية وعمر بن عبد العزيز، وآيات قرآنية تؤكد أن عاقبة الظلم وخيمة، وأن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الظالمة ولو كانت مسلمة، وأن الظلم ظلمات يوم القيامة ويؤدي إلى إفلاس صاحبها من الحسنات.
يستعرض المقطع نماذج من الظالمين في التاريخ الإسلامي بدءاً بإبليس زعيم الظالمين الذي رفض السجود لآدم وطرد من رحمة الله، مروراً بقابيل أول قاتل في البشرية الذي حسد أخاه هابيل وقتله، وكنعان بن نوح الابن العاق الذي غرق برفضه ركوب السفينة، وانتهاءً بقوم عاد الأقوياء الذين كذبوا نبيهم هوداً فأهلكهم الله بريح صرصر.
تذكر الآيات أن ثمود كذبوا بالقارعة فأهلكهم الله بصيحة جبريل العظيمة (الطاغية)، بينما أهلك عاد بريح صرصر عاتية باردة سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، البشير النذير والسراج المنير، الذي هدى الله به من الضلالة وبصر به من العمى، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتبعها إلا كل منيب سالك، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد أما بعد، أيها الأحبة في الله، نحمد الله عز وجل أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، الذي منّ علينا بنعم كثيرة وتفضل علينا بآلاء عظيمة لا نستطيع لها حصراً، وصدق ربنا إذ يقول: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾، وربنا عز وجل يقول: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾، لاحظ أيها المسلم عظمة الإنعام وهكذا الجود والكرم من الله تبارك وتعالى، يقول: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾، ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾، لماذا لا تحصيها؟ لكثرتها وعظمها، والمتأمل في هذه النعمة يجد أن منها نعمًا ظاهرة وأن منها نعمًا باطنة، يلاحظ أن منها نعمًا بالليل وأن منها نعمًا بالنهار، يلاحظ أن منها نعمًا في البر وأن منها نعمًا كثيرة في البحر، بل ومن هذه النعم نعم دينية وما أعظمها، وهكذا نعم دنيوية وما أكثرها، إذن الواجب علينا جميعاً أن نتعرف على هذه النعم وأن نحسن استعمالها وأن نستعين بالله عز وجل على شكرها، ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾، وربنا عز وجل لا يخلف الميعاد، كان من دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دبر كل صلاة كما أوصى بذلك معاذ رضي الله تعالى عنه أن يقول دبر كل صلاة: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، إذن لا يستغني أحد منا عن إعانة الله عز وجل له، فلول الله ما اهتدينا، فلول الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، إذن لا حول ولا قوة لنا إلا بالله عز وجل ثم جزى الله خيراً إخواننا وآباءنا القائمين على هذا المسجد، وفي مقدمتهم إمام المسجد الشيخ أبا بلال عمر بام عيبد حفظه الله تعالى، وهكذا من معه من القائمين على هذا المسجد، وهكذا رواده ومصلوه، فأسأل المولى عز وجل أن يكتب الأجر والمثوبة لهم، وأكذا جزى الله الجميع خير الجزاء، وأسأل المولى عز وجل الذي جمعنا في هذا الجامع المبارك أن يجمعنا في دار كرامته وفي فردوسه الأعلى إخواناً على سرر متقابلين أيها الأحبة في الله، سمعتم عنوان هذه المحاضرة ألا وهو: نهاية الظالمين قصص وعبر، وربنا عز وجل كم يذكرنا في كتابه العزيز بتلك القصص التي تحمل العبر وهكذا الفوائد التي يستفيدها المسلمون، قال ربنا عز وجل: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾، وربنا عز وجل يقول: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ ﴾، والمسلم لا يستفيد من هذه القصص مجرد السرد والحكاية، وإنما المقصود منها ما هو أعظم من ذلك من أخذ العبر وهكذا الاستفادة من تلكم الدروس التي في هذه القصص، والناظر والناظر أحبتي في الله في التاريخ سواء الماضي أو الحاضر يظهر له جلياً كيف كان عاقبة الظالمين ونهاية الأشرار والمجرمين، وأن الله تبارك وتعالى عاقبهم، ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾، ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾، الظالمون نهايتهم وخيمة وعاقبتهم أليمة، ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ﴾، ربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾، ماذا بعدها؟ قال: ﴿ هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ أيها الأحبة في الله، الذي يتتبع سيراء الظالمين ونهاياتهم المؤلمة يتذكر قول الله عز وجل: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾، يتذكر قول الحق تبارك وتعالى: ﴿ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ إِنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾، ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾، وربنا عز وجل يقول: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾، إن ربك لبالمرصاد، وهكذا قوله عز وجل: ﴿ أَلَمْ نُهْلِكْ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعَهُمُ الْآخِرِينَ * كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾، فالظلم أيها الأحبة في الله ظلمات يوم القيامة كما أخبر الصادق المصدوق عليه صلوات ربنا وسلامه، وهكذا عاقبة الظلم وخيمة وهكذا أليمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث أبي موسى في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليملي للظالم»، ما معنى يملي للظالم؟ يمهله، يعطيه، لربما يغدق عليه بنعم، لربما يعطيه عافية في بدنه وقوة في جسمه، «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾، هذه سنة الله عز وجل في هذا الكون، لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً، فالظلم عقباه يرجع إلى الندم، تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم في حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وقال له: «إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»، ثم قال له: «وإياك وكرائم أموالهم، لا تنظر إلى الكريم من مالهم الطيبة الثمينة، فإن صاحبها غالباً قلبه متعلق بها، وإياك وكرائم أموالهم»، قال: «واتق دعوة المظلوم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»، انظر إلى هذا المعنى العظيم، اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، دعوة المظلوم دعوة مستجابة، استجيب الله عز وجل للمظلوم ممن ظلمه ولهذا ذكروا في نكبة البرامكة، والبرامكة هم وزراء الدولة العباسية وكانوا في عز ومنع وتمكين، فلما نكبوا وآل أمرهم إلى القيد والسجن أصبحوا في القيود وأودعوا في السجون، قال أحد أبناء الوزير خالد بن يحيى البرمكي رحمه الله تعالى: قال له: يا أبتاه، يا أبتاه، يا أبتاه، أبعد العز والتمكين نكون في القيود والسجن؟ فماذا قال ذلك الوزير؟ قال: يا بني، لعلها دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها لم يغفل الله عنها، كم من الظالمين من يظلم ويقهر وينهب ويسلب ويسب ويشتم، بل ربما ويقتل، وتنام عينه ويرجع إلى أهله مسروراً، بينما الجروح العميقة تبقى في قلوب الضعفاء والمساكين المكلومين المظلومين، لربما يبيت ليله يدعو على من ظلمه ولهذا ذكروا أن الحجاج بن يوسف الثقفي الأمير الظالم، أمير ظالم كان أميراً لبني أمية، ذكروا عنه أنه سجن رجلاً ظلماً بغير حق، فكتب ذلك المظلوم إلى الحجاج بن يوسف قائلاً له: قد مضى من بؤسنا أيام، ومضى من نعيمك أيام، بؤسنا وتعبنا مضى منه أيام، ونعيمك قد مضى منه أيام، ثم ذكر الحجاج فقال له: فقال له: الموعد القيامة، الموعد القيامة، والسجن جهنم، والحاكم لا يحتاج إلى بينة، وكتب له في آخرها أبيات مضمونها قال: ستعلم يا نائم إذا التقينا غداً عند الإله من الملوم، أما والله إن الظلم لؤم، وفي بعضها نؤم، وما زال الظلوم هو اللؤوم، سينقطع التلذذ عن أناس أداموه، وينقطع النعيم إلى الديان، إلى ديان يوم الدين، نمضي وعند الله تجتمع الخصوم، الخصومات كثيرة منها لم يقضى فيها في الدنيا، كم هي الملفات في المحاكم وكم هي القضايا التي لم ترفع، لكن سيقضي فيها ربنا تبارك وتعالى، فعند الله تجتمع الخصوم، كم في المقابر يا إخوان، لربما لربما من ظالم ومظلوم، كم من أخ لربما ظلم أخواته، وكم من قريب أخذ حق قريبه، كم من جار يؤذي جيرانه، ولا سيما ولا سيما يا إخوان فيما يتعلق بقضايا الميراث، يموت الأب ويأخذ الميراث لربما الذكور، ولا سيما الإخوة الكبار، ويتسلط على ميراث أبيهم ويمنع أخواتهم من الميراث، من الميراث، وأي واحدة تتكلم فتهدد بقطيعة وتهدد بأية غيرها من العقوبات، فلا إله إلا الله، أي ظلم، أي ظلم يقع فيه من كان هذا حاله، ولربما تجد أحدهم لربما يحافظ على الجماعات ويبكر إلى الجمع ويتقرب إلى الله بالطاعات، لكنه ظالم لأهله مؤذٍ لأقاربه وجيرانه، الظلم كما سبق ظلمات يوم القيامة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال: إن الناس لم يتنازعوا، أي لم يختلفوا، أن عاقبة الظلم وخيمة، وأن عاقبة العدل كريمة، قال: ويروى أن الله عز وجل ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، قال: ويروى أن الله عز وجل ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، فماذا الواجب على المسلم؟ أن يحذر من الظلم وتحمل المظالم، ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ﴾، تبه يا رعاك الله، يأتي الناس يوم القيامة معهم الصلوات والزكوات، ومعهم الصدقات، ومعهم الأعمال الصالحات، ويأتي أحدنا وهو يحمل مظالم، يحمل سرقات، ويحمل أشياء نهبها، يحمل دماً سفكه، أو عرضاً انتهكه، أو أمانة ضيعها، ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ﴾، قال الإمام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: قال: إذا دعتك نفسك على ظلم الناس، على ظلم الناس، فاذكر قدرة الله عليك ونفاذ ما تأتي إليهم وبقاء ما يأتون إليك كم من ظلم يا إخوان للعمال، عامل يشتغل في بقالة أو عامل يشتغل في إدارة أو في زراعة أو في بناء أو في بحر، يشتغل صياد في معملة، وصاحب المعملة يتلاعب، الأمانة يأخذ ولا يسجل ويحابي، ولربما لا يعطي الصياد حقه بحجة أنه صاحب المعملة وماله السفينة، لا يا عبد الله، فالظلم ظلمات يوم القيامة، واليوم دينار ودرهم، وغداً حسنات وسيئات، يأتي أحدنا بسبب هذه المظالم مفلساً، أي مفلساً من الخير ومفلساً من الحسنات بسبب هذه المظالم التي وقع فيها وقام بارتكابها أيها الأحبة في الله، إذن النظر والاعتبار في قصص وهكذا مصير هؤلاء الظالمين يعتبر من الأمور المهمة جداً، ولعل قائل يقول: ما سبب اختيار مثل هذا الموضوع؟ فمن أسباب اختيار مثل هذه المواضيع هو ما يراه الإنسان من التمادي الحاصل في المظالم، ويرى الجرأة على ارتكاب الجرائم، وهكذا استبعاد وقوع العقوبة، يظلم ويفعل الجرائم ويستبعد أن الله عز وجل قد يعاقبه عليها، وربنا عز وجل حين أن أهلك قوم لوط: ﴿ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً ﴾، ماذا قال ربنا عز وجل عنهم؟ قال: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾، العقوبة ليست ببعيدة، ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾، هكذا يقول الله عز وجل، وقد يغتر البعض بأن الباطل تكون له صولة وجولة ويكون لأربابه شوكة، فماذا؟ لربما يغتر بذلك فيستبعد العقوبة، الأمر الثاني هو ما نراه وما نشاهده ونسمعه من تساقط الظلمة وهكذا الجبابرة، وأن عاقبة هؤلاء وخيمة وأليمة وهو الندم، فيجعلهم ربنا عز وجل عبرة لمن يخشى، وأجدها فرصة لكي نأخذ جولة مع صفحات التاريخ بل ومع آيات القرآن الكريم التي ذكر الله عز وجل فيها صوراً وأنواعاً لنهايات هؤلاء الظالمين من المجرمين الذين جعلهم الله عز وجل عبرة لكل معتبر ونبدأ بزعيم الظالمين وإمام الهالكين، ولعل بعضكم يقول: من هو؟ فمن يجيب يا إخوان: زعيم الظالمين وإمام الهالكين، فرعون، طيب، تبقى حد يقول بشار، بص، نعم يا بزبير، فرعون، طيب، من الذي أهوى فرعون؟ إبليس، عليهم من الله ما يستحق، إبليس أيها الأحبة في الله هو إمام هؤلاء الظالمين وزعيمهم، ولهذا في النار هو الذي يخطبهم، يقول: ﴿ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ﴾، يتبرأ، فتعظم حسرة أهل النار بسبب ذلك، وإبليس يا إخوان، اختصار شديد، كان من الجن ولم يكن من الملائكة، وإنما كان مع الملائكة، وإبليس كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الجن أنهم خلقوا من نار، أنهم خلقوا من نار، قال ربنا عز وجل: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾، ففسق عن أمر ربه، ذكر العلماء أن إبليس هو أصل الجن كما أن آدم هو أصل البشر، كما أن آدم هو أصل البشر، وكان على خير وعلى صلاح، ولما أمر الله عز وجل أو لما خلق الله آدم جعل إبليس يتأمل خلق آدم، فلما رأى أنه أجوف علم أن هذا المخلوق أنه لا يتماسك، فذكروا عن إبليس أنه قال: أما لئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت علي لا أعصينك، إبليس بيت النية السيئة، ولهذا لما أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم لم يسجد، قال: ﴿ أَسْجُدُ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾، ويرى أن خلقه أعظم من ماذا؟ من خلق آدم، قال: ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾، وهنا كانت العقوبة من الله عز وجل أنه لعن وطرد من رحمة الله عز وجل، فطلب من ربه طلباً ألا وهو أن ينظره ويبقيه إلى يوم يبعثون، قال: ﴿ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴾، فأخذ على نفسه عهداً أنه يغوي آدم ويغوي ذريته من بعده، ولهذا يا إخوان، إبليس يجلس لنا على الصراط المستقيم، ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾، إذن ماذا؟ إبليس هو إمام الظالمين وهكذا زعيم الهالكين، وكانت نهايته هي ما سمعتم في الدنيا، ويوم القيامة يكون من المعذبين في تلكم النار وهكذا أيضاً ذكر العلماء أن من الظالمين ما وقع في قصة ابني آدم، وجاء في بعض الأخبار أن أحدهما يقال له قابيل وأن الآخر يقال له هابيل، وأن هؤلاء من بني آدم، من بني آدم، كيف بدأت المأساة بين ابني آدم؟ قالوا: ولد لآدم عشرون بطناً، وكان في كل بطن توأم ذكر وأنثى، وكان منهم قابيل، وكان عمله في الزراعة، بينما هابيل كان عمله في الأغنام ورعيها، وكان من شريعتهم شريعة آدم أن يتزوج كل أخ من غير البطن التي ولد معها، ذكروا والله تعالى أعلم، ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية، وهكذا ذكرها غيره، أن أخت قابيل كانت أجمل من الأخت التي ولدت مع هابيل، فلما أمر آدم أبناءه بالزواج رفض قابيل أن يستجيب لأمر أبيه وحسد أخاه على ذلك، فقلب منهما أن يقربا قرباناً، قالوا: قرب هابيل كبشاً سميناً، بينما لم يقرب قابيل إلا حزمة فيها من السنابل ما فيها، بل جاء في بعضها كما ذكر ابن كثير أن هذه الحزمة كان فيها سنبل عظيمة، ماذا فعل قابيل؟ قالوا: أخرجها وأكلها، أخرجها وأكلها، فنزلت النار من السماء وقبلت وأكلت ما قدمه هابيل، ولم تأكل ما قدمه قابيل، قال: ﴿ لَأَقْتُلَنَّكَ ﴾، قال: ﴿ لَأَقْتُلَنَّكَ ﴾، طيب ما ذنبه؟ قال: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾، ﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ ﴾، الآيات التي فيها أن نفسه سولت له قتل أخيه، قتل أخيه فقتله، فأصبح من الظالمين، فبعث الله غراباً يبحث في الأرض، أول قتيل على وجه الأرض، لا يدري ماذا يفعل به، قالوا: ظل يحمله طويلاً لا يدري ماذا يصنع به، حتى رأى الغراب، فرأى غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، قال: ﴿ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ﴾، فأصبح من النادمين، قابيل هذا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لماذا؟ لأنه أول من سن القتل، أول من سن القتل، وذكروا في هلاكه ما ذكروا من العقوبة التي أنزلها الله تبارك وتعالى عليه وهكذا من هؤلاء الظالمين رجل يقال له كنعان بن نوح، وكنعان بن نوح، ذكروا أنه الابن العاق الذي لم يتبع أباه بل كان مع الكافرين، وذكروا أن نوحاً كان يظن في ابنه الإسلام لأنه كان ينافق، لكن بان له ذلك حين أبى أن يركب مع أبيه في السفينة، وإنما قال: ﴿ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ﴾، قال: ﴿ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ﴾، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين، فكان من المغرقين، أهلكه الله عز وجل مع من هلك من هؤلاء من قوم نوح وهكذا أيضاً ذكروا من هؤلاء الظالمين قوماً عاداً، وعاد يا إخوان قبيلة كانت تسكن بالأحقاف، والأحقاف كما ذكروا هي عبارة عن جبال الرمل، وهي تقع بين حضرموت وعمان، وذكر ابن كثير أنها في الشحر، أنها في الشحر، وعاد هؤلاء أتوا بعد قوم نوح، وأتاهم الله عز وجل بص في الأجسام، ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾، عاد أوتوا ضخاماً في الأجسام وقوة في الأبدان، أرسل الله إليهم نبيه هوداً فدعاهم وأمرهم، لكن ماذا؟ لم يستجب له الكثير منهم، فعاقبهم الله عز وجل، وبماذا عاقبهم؟ قال الله عز وجل: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ﴾، الطاغية صيحة عظيمة صاحها جبريل في قوم ثمود فأهلكوا، قال: ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾، ريح شديدة باردة، ﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ