الدرس في كتاب النكاح والطلاق 25، ألقاها
يشترط في الحاضن أن يكون مسلمًا لعدم ولاية الكافر على المسلم. استدل العلماء بآيات قرآنية وأحاديث نبوية على هذا الشرط.
يجب أن يكون الحاضن مسلمًا، بالغًا، عاقلًا، مأمونًا في دينه، قادرًا على القيام بشؤون المحضون، سليمًا من الأمراض المعدية، ورشيدًا.
تطرق النص إلى شروط الحضانة مثل الحرية وعدم زواج الأم بأجنبي، وانتقال الحضانة في حالة السفر أو وجود مانع، وتحديد سن انتهاء الحضانة.
تم ختام المقطع بالثناء على الله والاستغفار بعد سرد تفاصيل أحكام الحضانة بشكل مختصر وشامل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، المسألة الثانية من مسائل الحضانة في شروط الحاضن وموانع الحضانة، أي أن العلماء رحمهم الله تعالى باستقرائهم للنصوص في أمور الحضانة وما دلت عليه هذه النصوص من معان، استنبطوا واستخرجوا شروطًا، منها ما جاء به النص ظاهرًا، ومنها ما هو مستنبط من تلك النصوص. فاستنبط هؤلاء العلماء رحمهم الله تعالى ما به يصح أن يكون الحاضن حاضنًا، وما لا يصح به أن يكون حاضنًا، فذكروا شروط الحضانة وموانعها. فمن ذلك أولًا الإسلام، فلا حضانة لكافر على مسلم؛ لأنه لا ولاية له على المسلم، وللخشية على المحضون من الفتنة في دينه وإخراجه من الإسلام إلى الكفر. وهذه التعاليل واضحة بينة تدل على هذا المعنى، فيشترط في الحاضن أن يكون مسلمًا، يشترط في الحاضن -سواء كان هو الأب أو الأم- أن يكون مسلمًا؛ لأنه لا ولاية للكافر على المسلم، ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، وكذلك للخشية على المحضون من الفتنة في دينه وإخراجه من الإسلام إلى الكفر. لقول النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة- «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، فلو كان الطفل عند أب أو أم كافرة كان ذلك من الأسباب التي تكون عائقًا في بقاء الطفل على الفطرة التي خلقه الله تبارك وتعالى عليها، ويكون سببًا لخروجه عن هذه الفطرة إلى دين أبيه أو أمه الكافر. فلأجل هذا اشترط العلماء رحمهم الله تعالى في الحاضن أن يكون مسلمًا، سواء كان أبًا أو أمًا أو أخًا أو أختًا أو عمًا أو ابن عم إلى غير ذلك من الحاضنين الذين لهم حق الحضانة. فإن قال قائل: فما تقولون في الحديث الذي رواه أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل وامرأته كانت على غير الإسلام -أي أنه أسلم الرجل ولم تسلم امرأته- فنازعها ولدها أو نازعها ولدهم، فترافع إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقد كان الصبي قد ميز، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «هذا أبوك»، أو قال لهما «ادعياه» أو «ادعواه» -يعني قال الأب ادعه، وقال الأم ادعه- فدعواه، فمال إلى الأم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «الله مهده»، فمال إلى أبيه. يعني هذا الحديث ظاهره أن الصبي إذا كان قد ميز فإنه يخير بين أبويه إذا كان أحدهما كافرًا، فكيف يُشترط في الحضانة أن يكون مسلمًا؟ الجواب أن هذا الحديث أجاب عنه العلماء رحمهم الله تعالى، ومن أحسن ما أجيب به ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب «زاد المعاد». حيث قال: في قول النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر «جعل الولد هو الذي يختار»، فيه معنى من معاني العدل، ثم لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الطفل مال إلى أمه المشركة، دعا له، فقال «اللهم أهده»، فدل ذلك على أنه هدي؛ لأنه قال «اللهم أهده»، فمال إلى أبيه. فدل ذلك على أن هديه أن يكون الولد أو المحضون عند والده المسلم، من قوله صلى الله عليه وسلم «اللهم أهده»، فلو لم يكن هذا اللفظ موجودًا لقلنا بالتخيير، لقلنا بأن هذا الحديث مشكل في التخيير، لكن عندنا أدلة أخرى قد تكون حاكمة، كما مر معنا شيء منها: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». فالحاصل أن الشرط الأول في الحاضن أن يكون مسلمًا. الشرط الثاني: البلوغ والعقل، أي أن يكون الحاضن بالغًا عاقلًا؛ فلا حضانة لصغير ولا مجنون ولا معتوه؛ لأنهم عاجزون عن إدارة أمورهم، وفي حاجة لمن يحضنهم، فمن باب أولى أنهم ليسوا متأهلين للحضانة. الأمر الثالث أو الشرط الثالث: الأمان في الدين والعفة، أي أن يكون الحاضن مأمونًا في دينه، ويكون كذلك عفيفًا. قالوا: فلا حضانة لخائن وفاسق؛ لأنه غير مأمون في دينه، وفي بقاء المحضون عنده ضرر عليه في نفسه وماله. الرابع: القدرة على القيام بشؤون المحضون بدنيا وماليا ودينيا، يعني لا بد أن تكون عنده القدرة على القيام بشؤون المحضون بدنيا من حيث الطعام والشراب والكساء، وماليا من حيث القدرة على النفقة على ذلك المحضون، ويضاف إلى ذلك دينيا بأن يمكنهم بمن يربيهم التربية الدينية، أو هو يقوم بنفسه على ذلك المحضون بما يحتاج إليه من أمر دينه. قالوا: فلا حضانة لعاجز لكبر سن أو صاحب عاهة كخرس وصمم، ولا حضانة لفقير معدم أو مشغول بأعمال كثيرة يترتب عليها ضياع المحضون. فهذه كذلك من الشروط، وضدها كذلك من الموانع. الأمر الخامس: أن يكون الحاضن سليمًا من الأمراض المعدية كالجذام ونحوه؛ لأن اقتراب المحضون من مثل هذا يكون سببًا لانتقال العدوى، فلأجل هذا ينافي معنى القيام والحفظ لذلك الصبي؛ لأن فيه معنى من معاني تعريض ذلك الصبي للخطر. الأمر السادس: أن يكون رشيدًا، أي الحاضن أن يكون رشيدًا؛ فلا حضانة لسفيه؛ لأنه يتلف مال المحضون. الأمر السابع: أن يكون الحاضن حرًا؛ فلا حضانة لرقيق؛ لأن الحضانة ولاية، وليس الرقيق من أهل الولاية. قالوا: وهذه الشروط عامة في الرجال والنساء، وتزيد المرأة شرطًا آخر وهو أن لا تكون متزوجة من أجنبي عن المحضون؛ لأنها تكون مشغولة بحق الزوج. أما إذا كان الزوج من أهل الولاية -كان يكون عمًا لذلك المحضون أو ابن عم لذلك المحضون أو ما شابه ذلك- فإنها لا تمنع من الحضانة. قالوا: وتسقط الحضانة بوجود مانع من الموانع المذكورة، أو زوال شرط من شروط استحقاقها السابقة، أي إن انتفى شرط أو وجد مانع منع الحاضن الذي يستحق الحضانة، وانتقلت إلى غيره. المسألة الثالثة من الأحكام المتعلقة بالحضانة: إذا سافر أحد أبوي المحضون سفرًا طويلًا ولم يقصد به المضارة، وكان الطريق آمنًا، فالأب أحق بالحضانة -سواء أكان هو المسافر أم المقيم-؛ لأنه هو الذي يقوم بتأديب الولد والمحافظة عليه، فإذا كان بعيدًا ضاع الولد. قالوا: إذا كان السفر لبلد قريب دون مسافة القصر، فالحضانة للأم -سواء كانت هي المسافرة أو المقيمة-؛ لأنها أتم شفقة، ويمكن لأبيه الإشراف عليه وتعهد حاله. أما إذا كان السفر طويلًا ولحاجة، وكان الطريق غير آمن، فالحضانة تكون للمقيم منهما. وتنتهي الحضانة عند سن سابعة، ويخير الذكر بعدها بين أبويه، فيكون عند من اختار منهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم «يا غلام، هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت»، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به. والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في «الإرواء». ولا يُخَيَّر إلا إذا بلغ عاقلًا، وكان الأبوان من أهل الحضانة. ومعنى إذا بلغ عاقلًا: أن يكون الطفل قد عقل وميز؛ لأنه بالعقل يميز إلى من هو أميل. لكن كما ذُكر: إذا كان الولد يميل إلى أحد أبويه لأنه يفتح له الحبل على الغارب، لا يؤدبه ولا يربيه التربية الحسنة، بل يدعه يتركه في الشوارع يلعب ويعبث، لا يدري من أين دخل ولا من أين خرج، ولا يرضى أن يذهب مع أمه؛ لأنها تؤدبه وتقوم بتعليمه، فها هنا -ولو مال الصبي إلى أبيه- فإنه لا خيار له؛ لأنه صبي ما زال في سن لا يعقل. قالوا: فإن كان الأبو عاجزًا عن حفظها لشغله أو لكبره أو لمرضه أو لقلة دينه، والأم أصلح وأقدر، فإنها أحق بها. وكذلك إذا تزوج الأب وجعلها عند زوجته تؤذيها وتقصر في حقها، فالأم أحق بالحضانة. قالوا: أجرة الحضانة -سواء أكان الحاضن أمًا أم غيرها- مستحقة من مال المحضون إن كان له مال، أو من مال وليه. ومن ترجم نفقته إن لم يكن له مال، من نفقة وليه الذي هو من أبوه، ثم جده، وهكذا. والعلماء رحمهم الله تعالى لهم تفاصيل كثيرة، لكن كما سمعتم هذا مختصر، وهو -بحمد الله تبارك وتعالى- مختصر شامل يفي بالغرض. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.