شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 8

الدرس في شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 8، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

الفرق بين الخاطئ والمخطئ في أدب الطلب

يبيّن المقطع الفرق الجوهري بين الخاطئ المتعمد للمعصية والمخطئ الواقع في الخطأ سهواً أو جهلاً، مستدلاً بالنصوص الشرعية التي تعفي المخطئ من المؤاخذة وتوجب الاستغفار على الخاطئ. كما يحذر من العجب بالرأي الذي يوقع في مطية الخطأ والزيغ عن جادة الصواب.

عظمة العلم وقلة حظ الإنسان ووجوب التواضع

يؤكد المتحدث أن العلم بحر لا ساحل له وأن نصيب الإنسان منه قليل جداً، مما يستلزم التواضع وترك الإعجاب بالقليل المحرز. وينبه إلى خطورة الفتوى بغير علم مسترشداً بقصة موسى مع الخضر عليهما السلام.

قصة موسى والخضر ومثل الطائر في محدودية العلم

يسرد المقطع قصة رجوع موسى عليه السلام ولقائه بالخضر، ويضرب الخضر مثلاً بطائر ينقر البحر لبيان نسبة علم البشر إلى علم الله. ويخلص إلى أن كل عالم عرضة للخطأ والنسيان، ولا يعصم أحد من الزلل أو غيبة الدليل.

تحذير من الغفلة والتقصير وخاتمة المجلس

يختتم الدرس بتحذير شديد من أهل التقصير والإهمال والغفلة والتعالم، مع الاستعاذة بالله من ذلك. ويختم الجلسة بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازلنا أيضًا في منظومة أدب الطلب للإمام أبي علي اللؤلؤي، أو للخليفة المأمون عبد الله بن هارون، وهي من أحسن ما نظم في باب أدب الطلب كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى وغفر له. قال رحمه الله تعالى وغفر له: إياك والعجب بفضل رأيك، واحذر جواب القول من خطائك. والخطاء يدل على الغلط، أو تعمد الغلط فيه نوع دافع للغلط، بخلاف من يخطئ من غير تعمد، فيقال: خطئ فهو خاطئ ومخطئ. الخاطئ أعظم من المخطئ، الخاطئ أعظم من المخطئ. أخطئ فهو مخطئ، وخطئ فهو خاطئ. تب معي في هذا: فالخاطئ هو المذنب العاصي، والمخطئ هو الذي وقع في خطئ. الأول فيه التعمد، والثاني فيه السهو أو الجهل أو نحو ذلك من الأعذار. إذن أيهما أشد: الخاطئ أو المخطئ؟ ليش عندك؟ بين لي هذا، وضح لي لماذا الخاطئ أشد من المخطئ. لأنه تعمد فهو آثم وعاص، بخلاف المخطئ. ربنا لا تآخذنا إن نسينا أو أخطأنا. الفعل من "أخطأنا": مخطئ. أنتم معي في هذا؟ رباعي، والرباعي تبدل الهمزة فيه فيقال: أخطأ فهو مخطئ. أنتم معي في هذا؟ فالله عز وجل يقول في هذا النوع: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال الله تعالى: كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، وحديث ابن عباس أيضًا، قال الله: نعم. في رواية: قال الله قد فعلت. فالله لا يؤاخذ المخطئ، معفو عنه كأنه لم يصنع شيئًا من ناحية الإثم، معفو عنه. لكن الخاطئ: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾، ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾، أي من؟ من العُصاة الذين تعمدوا المعصية عالمين بأنها معصية، فلَهَوَاهُم وشدة شهوتهم ركبوا ظهر تلك المعصية وفعلوها. ﴿اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾. لكن هل يقال للمخطئ: استغفر؟ قال الله: قد فعلت. في هذا البيت ما يدل على أن هذا الإنسان لعجبه ركب مطية الخطأ، نسأل الله العافية والسلام، كأنه أخذته العزة بالإثم أن يقال: لا، جواب له؟ أهو جاهل هذه المسألة؟ يعرفها كل أحد، فتأخذه العزة بالإثم ويقول: لا، الجواب كذا وكذا وكذا، ويتوكل على الله أنه ما يرجع رءوس إلا قدام. واحذر جواب القول من خطائك، كم من جواب أعقب الندام. فاغتنم الصمت مع السلام. العلم بحر منتهاه يبعد، ليس له حد إليه يقصد. وليس كل العلم قد حويته، أجل ولا العشر ولو أحصيته. وما بقي عليك منه أكثر، وما بقي عليك منه أكثر مما علمت. والجواد يأثر... أو يأثر؟ هذه الأبيات فيها بيان أن العلم بحر كبير، وأن الخائض فيه مهما بلغ في خوضه فإنما معه من العلم قليل؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. هكذا قال الله عز وجل. فإذا كان الذي أوتيتموه قليلا، فالذي خفي عليكم الأكثر أم الأقل؟ إذا كان الذي أوتيتموه من العلم قليلا، الذي خفي هو الأكثر أم الأقل؟ عندما نسأل: عندك الله عز وجل، الذي خفي أكثر أو أقل؟ الأكثر. الذي خفي هو الأكثر. العلم بحر منتهاه يبعد، ليس له حد إليه يقصد. ولهذا يقال: فخذ من كل شيء أحسن. اليوم يتيسر لك طلب العلم، غدًا قد لا يتيسر لك لمرض أو لعجز أو لشاغل ضروري أو لانصراف أراده الله عز وجل لأسباب ما. ما حوى العلم جميعا أحد، لا ولو مارسه ألف سنة. إنما العلم كبحر زاخر، فاتخذ من كل شيء أحسن. هكذا يقول أهل العلم قديما: ما حوى العلم جميعا أحد، ما من أحد إلا وما معه من العلم اليسير، وما فاته الكثير. فلماذا يُعجب إذن بالقليل اليسير وقد فاته الأكثر والكثير؟ ولماذا يلج باب الفتوى ويظن نفسه قد حوى ما حوى، من ليس معه من العلم إلا رسوم... إلا رسوم يسيرة؟ نسأل الله العافية والسلام. هذه الأبيات تربي في نفسية الإنسان أن يزدري نفسه وأن يتواضع لله عز وجل. ولهذا لما في الصحيحين: لما ركب موسى مع الخضر في السفينة بعد أن لقيا، وهي قصة عظيمة، قال موسى بعد أن وجده: ﴿فَقَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. قال: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، إلى أن قال موسى: ﴿هَذَا مَا نَبْغِي﴾، فارتدا على آثارهما قصصًا. رجعا بعد أن مشيا أكثر النهار، قيل نصف نهار. رجعا يتتبعان الأثر، يتتبعان أثر أقدامهما حتى جاءا إلى تلك الصخرة، وإذا برجل نائم له رداء، قد غطى رأسه ورجليه بردائه. فقال موسى: السلام عليك. فكشف عن وجهه وقال: وعليك السلام، وأنا بأرضي السلام. في رواية: "من أين لك السلام؟" قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: ما جاء بك؟ قال: أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا. قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، إلى أن ركبا في السفينة. فجاء عصفور فنقر في البحر نقرة أو نقرتين. فقال الخضر عليه السلام: والله يا موسى، ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما نقر هذا العصفور في هذا البحر. صدق الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقول الناظم رحمه الله: العلم بحر منتهاه يبعد، ليس له حد إليه يقصد. وليس كل العلم قد حويته، أجل ولا العشر ولو أحصيته. وما بقي عليك منه أكثر مما علمت، والجواد يعثر. أي أن لكل جواد كبوة، كما قالت العرب قديما: لكل جواد كبوة. مهما كان الإنسان محققًا في العلم، فلا بد أن يخطئ، لا بد أن يخطئ في مسائل العلم، وهذا وهو من المحققين في مسائل العلم. فليست العصمة لأحد، كل يؤخذ من قوله ويترك. ولهذا تجد للأئمة مسائل فاتهم فيها الدليل، وغاب عنهم فيها فهم المسألة، وسبحان الذي لا يخفى عليه شيء، فيأتي من بعدهم وينبه، ويتمثل بقول المثل: الجواد يعثر. لكل جواد كبوة، يكون جوادًا معروفًا بالسبق، فيأتي يوم من الأيام فيسابق فيسقط، فيقال: لكل جواد كبوة. ولكل فارس نبوة، أي أنه يخطئ الهدف ولا يصيبه، وينبو عنه، ينبو عنه. فإذا علم هذا، علم أن العلماء لم يحووا العلم كله، وإنما نالوا بعضه، ومع أنهم نالوا بعضه فإنهم يخطئون في ذلك البعض، حتى ذلك البعض يخطئون أحيانًا في فهمه نصًا أو استنباطًا، ويخفى عليهم أمور، يخفى عليهم أمور. فإذا كان هذا شأن أهل العلم والتحقيق، فكيف بغيرهم من الناس؟ كيف بغيرهم من الناس من أهل التقصير وأهل الإهمال وأهل الغفلة وأهل التعالم؟ عياذا بالله. ﴿وَمَا بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِمَّا عَلِمْتَ وَالْجَوَادُ يَعْثُرُ﴾. نقف عند هذا الحد. وهذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.