الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 3، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المؤلف استهلال كتاب "اللمعة في الاعتقاد" بالحمد لله، مبيناً معناه اللغوي والشرعي والفرق بينه وبين المدح. ثم يستعرض تفسير قول الله تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} مرجحاً قول الجمهور بأن كل المخلوقات تسبح بحمد الله.
يبيّن وجوب حمد الله والثناء عليه لصفتي الحلم والمغفرة، حيث لا يعاجل العصاة بالعقوبة بل يقبل توبتهم. كما يفرق بين العبودية الخاصة (المحبة والطاعة الاختيارية للمؤمنين) والعبودية العامة (القهر التي تشمل جميع المخلوقات)، مؤكداً أن الله وحده المستحق للعبادة.
يعرض عقيدة السلف في أن الله تعالى فوق عرشه بذاته بائن من خلقه، بينما علمه محيط بكل مكان مستدلاً بآيات الإحاطة العلمية. ويرد على الجهمية القائلين بحلول الله بذاته في كل مكان معتبراً ذلك كفراً، مؤكداً كمال قدرة الله وعلمه.
يختتم المتحدث المجلس بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه كدعاء ختامي. ويؤكد أهمية هذا الدعاء في ختم مجالس العلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فَلَزِلْنَا في هذه الدروس النافعة إن شاء الله تعالى، ونسأل الله التوفيق والهداية، إنه جواد كريم. ونظراً لدخول الوقت نبدأ باللمعة. يقول المؤلف رحمه الله تعالى في فاتحة هذا الكتاب النافع المشهور، والذي وجد في بعض المخطوطات: «لمعة في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد»: «الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن». هذا استفتاح كما يقال، فيه براعة استهلال من المصنف رحمه الله بين يدي مطلوبه، وعند فاتحة مقصوده: الحمد لله. والبدء بالحمد فيه أحاديث في فضله، وأن العمل إذا لم يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع وأبتر، لكنها لا يصح منها شيء. وأصح شيء في البدء بالحمد حديث خطبة الحاجة؛ فإن أولها: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه» الحديث. فحديث خطبة الحاجة الذي في سنن النسائي وغيره أصح شيء في البدء بالحمد له في أول الكلام والخطابة ونحوها. وقد افتتح الله جل جلاله سوراً في القرآن الكريم بالحمد: كسورة الفاتحة، وسورة الأنعام، والكهف، وفاطر. والحمد من حيث اللغة: الحمد كلمة حمد، يحمد حمداً، هي الثناء وذكر محاسن المحمود. يقال: حمده يحمده حمداً إذا ذكر محاسنه وأثنى عليه مع حبه وتعظيمه وإجلاله وتوقيره. هذا هو الحمد في الكتاب والسنة وفي عرف الشرع. وهناك كلمة أصل اشتقاقها متقارب، وهو المدح. والفرق بين الحمد والمدح: أن المدح ذكر محاسن الشيء، ولا يلزم من ذلك محبته ولا تعظيمه ولا توقيره ولا إجلاله. فتقول مثلاً: الأسد شجاع، وأنت تكره الأسد، لكنك تثني عليه بالشجاعة. وتقول: هذا الرجل غني، فتذكر فيه صفة تثني عليه بها وهي الغنى، لكن هل يلزم من هذا أنك تحبه؟ الجواب: لا، قد تحبه وقد تبغضه. وهكذا هذا جسور شديد، لا يعني هذا الثناء وهذا المدح أنك تحبه. إذن الحمد هو ذكر الثناء بذكر محاسن المحمود مع محبته وإجلاله وتعظيمه وتوقيره. فهو يبدأ بهذه الجملة التي تتضمن الثناء على الله عز وجل وذكر محاسنه، فإنه ذو الفضل العظيم سبحانه وتعالى: «الحمد لله المحمود بكل لسان». هذا من براعة استهلال المصنف وحسن تصنيفه رحمه الله. فالله جل جلاله محمود بكل لسان، سواء كان بلسان القول أو بلسان الحال. الله جل جلاله وتقدست أسماؤه محمود بكل لسان قولاً أو حالاً. حالاً لأن أفعاله جل وعلا بعباده تقتضي منهم حمده على فضله العظيم وإحسانه الجزيل وبديع صنعه فيهم جل وعلا. قال الله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. ولهذا قال الله جل جلاله مبيناً هذا المعنى: أن الله محمود بكل لسان ﴿بِالْحَمْدِ لَهُ سُبْحَانَهُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾، ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى﴾. قال الله جل جلاله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ﴾. «تسبح له» أي: بحمده والثناء عليه وتعظيمه وذكره بجميل الثناء جل جلاله. كل المخلوقات تثني على الله عز وجل وتسبح بحمده. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. فكل المخلوقات تسبح بحمد الله عز وجل، والحمد هو الثناء، هو الثناء بذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه وتوقيره وإجلاله. فمن في السماوات السبع ومن في الأرض، وإن من شيء كل شيء يسبح بحمد الله عز وجل، يثني على الله جل جلاله. الحمد لله المحمود بكل لسان، فهو محمود سبحانه وتعالى ببالغ الحمد من هذه المخلوقات كلها. وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، فيها قولان للمفسرين: القول الأول، وهو القول الأصح والأشهر: أنه ما من مخلوق، حيواناً كان أو نباتاً أو جماداً، إلا وهو يسبح بحمد ربه ويثني على الله عز وجل ويمدحه ويحمده بما هو أهله سبحانه وتعالى. هذا القول الأول، حتى قال بعض السلف: صرير الباب تسبيح، وقال بعضهم: خرير الماء تسبيح. ويدل لهذا القول ويقويه ما جاء في صحيح الإمام البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: «كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل». هكذا حكى ابن مسعود في صحيح الإمام البخاري رحمه الله، وفي سنن النسائي أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع وقال: «نقيقها تسبيح». فهذه الضفدع تسبح بحمد ربها، تثني عليه وتذكره بجميل الأوصاف، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، لسانهم ولغاتهم لا تفهمونها. الحمد لله المحمود بكل لسان، بلسان البهائم، بلسان الطير، بلسان الجمادات، بلسان الحيوانات المختلفة. ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. في تفسير الآية قول آخر: أن المعنى أن ما يسبح بحمد الله هو ما كان حيواناً ذا روح أو نمو، كالنباتات تنمو، وكالحيوانات. وهذا القول قاله قتادة والحسن البصري. وما تقدم هو القول الأشهر وهو الأصح عند المفسرين. ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾، فهو حليم على خلقه، يعلم عصيانهم ويرى تقصيرهم، يحلم بهم أن يعذبهم ويلطف بهم سبحانه، فإذا تابوا كان غفوراً لهم لمقترفيها. هذا الجزء من الآية يوجب حمد الله عز وجل والثناء عليه بكل لسان. ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾، فهذا يوجب حمده جل جلاله ويوجب شكره سبحانه وتعالى. قال المصنف: وأيضاً الحمد، وذكر محاسن المحمود، لا يكون إلا لما يوليه جل جلاله على عباده من الإحسان. فما منا من أحد إلا والله عز وجل أنعم عليه بجزيل النعمة: آتاك الله الصحة، وآتاك العافية، وأطعمك وأنت جائع، وإذا مرضت شفاك، وهو سبحانه يرعاك، وهو سبحانه وتعالى يتولاك. فإذا نظرت في خلقك وحياتك وما أنت فيه وما كنت عليه، رأيت فضل الله عز وجل عليك، هذا يوجب حمده سبحانه والثناء عليه سبحانه وتعالى. في مسند الإمام أحمد، في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً، في وصية نوح لابنيه، وفيه: «وآمركما بسبحان الله وبحمده، فإنهما صلاة كل شيء، وبهما يرزق الله كل شيء». وآمركما بسبحان الله وبحمده، فإنهما صلاة كل شيء، وبهما أو بها يرزق الله كل شيء. فما أعظم الثناء على الله، وأن تذكر فضل الله عليك وجزيل نعمته وعظيم عطائه. الحمد لله المحمود بكل لسان. والوجه الثاني في الحمد بكل لسان: لما يتضم... لما اتصف به ذلك المحمود من صفات الكمال ونعوت الجلال. وهذا في حق الله جل جلاله وتقدست أسماؤه، فهو الموصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال، فهذا يحمى... فهذا حمد آخر نحمد الله به لأنه الموصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال. قرأنا في الآية السابقة: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. قلنا: هذا المقطع من الآية يقتضي حمد الله حمداً كثيراً مباركاً طيباً، لأنه حليم بنا مع تقصيرنا وذنوبنا وخطايانا، لا يعاجلنا بالعقوبة بل يحلم بنا سبحانه وتعالى، حتى إذا تبنا قبل توبتنا وغفر لنا حوبتنا. أوليس من يفعل هذا ويتصف بهذه الصفات العالية الجليلة سبحانه أولى بالحمد وأن يذكر بتسبيح وتحميد؟ بلى والله. الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان. فالله جل جلاله معبود بحق، وما سوى الله عز وجل إن عبد فقد عبد بالباطل. فالمستحق للعبادة هو الله جل جلاله، وغير الله سبحانه لا يستحق من العبادة شيئاً، أي شيء، بل الذي يستحق العبادة هو الله تبارك وتعالى. المعبود، يقول المصنف رحمه الله: «المعبود في كل زمان». فهو معبود في كل زمان، مستحق للعبادة وحده لا شريك له، لا يجوز أن تصرف العبادة في أي زمان من الأزمان إلا للواحد الديان جل وعلا سبحانه وتعالى وتقدس سبحانه. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾. فهو المعبود في السماء، وهو المعبود في الأرض، وهو المتصف بكمال الحكمة سبحانه وكمال العلم جل جلاله، وهو الحكيم العليم. المعبود في كل زمان. وقال الله عز وجل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا﴾. هذه عبودية القهر. العبودية نوعان: عبودية خاصة، وهذا المقطع لا بد من تفصيله على وجهين. قال رحمه الله: «المعبود في كل زمان». العبودية نوعان: عبودية خاصة وهي التي تقتضي المحبة، وهي العبودية المحبة والانقياد والطاعة والخضوع والإجلال ونحو ذلك من المعاني التي تدل على التعظيم لله عز وجل. العبودية الأولى: عبودية... العبودية الخاصة: عبودية المحبة وعبودية الخضوع والانقياد لله عز وجل. وهذه عبودية خاصة المؤمنين وأعلاهم الأنبياء والمرسل. هذه العبودية... العبودية الخاصة: عبودية المحبة وعبودية الخضوع والانقياد ونحو ذلك، هذه عبودية خاصة المؤمنين وعبودية الأنبياء والمرسلين. وأما العبودية الثانية فهي العبودية العامة، وهي عبودية القهر التي لا يخرج عنها مخلوق من المخلوقات. عبودية القهر: وأنهم مربوبون بقضاء... بقضائه، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً. هذه العبودية عبودية عامة، كل المخلوقات لا يخرجون عنها أبداً، وهي عبودية القهر، وأن جميع المخلوقات مربوبون لله عز وجل، هو ربهم، هو خالقهم سبحانه، وهو سبحانه وتعالى وهم مربوبون بقضاء الله وقدره عليهم، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً. وهذه العبودية لا تقتضي شرف العابد بها، فإنها عبودية القهر. والأولى عبودية اختيار. هذا النوع من العبودية التي لا يخرج عنها مخلوق أبداً، عبودية القهر لا تقتضي شرف العابد بها، وإنما الذي يقتضي شرف العابد وعلو شأنه عند ربه عبودية الاختيار، وهي عبودية الخاصة من المؤمنين والأنبياء والمرسلين، وهي عبودية المحبة وعبودية الانقياد وعبودية الطاعة. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ أَعْرَضَ﴾... فمن أعرض عن العبودية الخاصة، عبودية المحبة وعبودية الطاعة وعبودية الانقياد، جاء مأسوراً بعبودية القهر والطرار... لا بد أن يكون عابداً لله عز وجل بها شاء أم أبى، وإن ادعى غير ذلك. ولهذا الآية التي قرأناها: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا﴾، فكلهم عبيد الله عز وجل، فهم تحت عبودية العامة وهي عبودية القهر. ولهذا يقول المصنف: «المعبود في كل زمان». إذن المعبود في كل زمان من عموم الخلق بعبودية القهر، وعبودية أنهم مربوبون لله، لا يكون شيء فيهم إلا بأمره، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً. هذه العبودية العامة كلهم معبود... كلهم يعبد الله بها. النوع الثاني: عبودية الخاصة، وهي عبودية المؤمنين. المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، فهو سبحانه عليم بكل شيء، بكل شيء عليم جل جلاله وتقدست أسماؤه سبحانه وتعالى. الذي لا يخلو من علمه مكان: الله جل وعلا يقول: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. هذا علم الله الواسع الذي كما قال المصنف رحمه الله: الذي لا يخلو من علمه مكان. لا يخلو من علمه مكان. والله جل جلاله يقول: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. هذا المقطع فيه فائدة... الذي لا يخلو من علمه مكان، فيه هذا المقطع فيه فائدتان، لا أقول فيه فائدة بل فيه فائدتان. الذي لا يخلو من علمه مكان، فيه فائدتان في هذه الجملة: انتصار لعقيدة السلف: أن الله جل جلاله في السماء بذاته، وعلمه في كل مكان. في هذه الجملة انتصار لعقيدة السلف: أن الله في السماء بذاته، وأنه بعلمه في كل مكان، وأنه علمه في كل مكان سبحانه وتعالى، كما قال سلف هذه الأمة. قيل لابن المبارك: كيف نعرف ربنا؟ قال: بأنه على عرشه بذاته، بائن من خلقه. قيل للإمام أحمد: إن عبد الله بن المبارك يقول: إن الله... إننا نعرف ربنا أنه في السماء، على العرش في السماء بذاته، وأنه بائن من خلقه. قال: هذا معتقد السلف، أو بهذا المعنى. سيأتي معنى عند الكلام على مبحث العلو إن شاء الله تعالى. هذا معتقد أهل السنة والجماعة: أن الله بذاته في السماء، وعلمه في كل مكان، كما قال المؤلف رحمه الله: الذي لا يخلو من علمه مكان. ولهذا يقول الإمام أبو الحسن الكرجي الشافعي رحمه الله في قصيدته في اعتقاد السلف: عقيدتهم أن الإله بذاته على عرشه مع علمه بالغوائب. هكذا يقول رحمه الله: «عقيدتهم أن الإله بذاته على عرشه مع علمه بالغوائب». هذه عقيدة أهل السنة، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة. الفائدة الثانية: الرد على الجهمية القائلين إن الله بذاته في كل مكان. الفائدة الثانية: الرد على الجهمية القائلين إن الله بذاته في كل مكان. قال المصنف: «الذي لا يخلو من علمه مكان»، هذا رد على الجهمية القائلين إن الله بذاته في كل مكان، وهذا كفر مبين، ويلزم من هذا القول لوازم باطلة عظيمة، تعالى الله وتقدس أن يوصف بها. جميع آيات المعية فيها العلم، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. صنف الإمام بن قدامة رحمه الله كتاباً جليلاً في إثبات العلو لله عز وجل، اعتمده الأئمة كابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية»، وكابن تيمية في عدد من مصنف كتبه، ينقلون عن كتاب العلو وإثباته لأبي محمد الموفق بن قدامة رحمه الله. الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن. فالله عز وجل لا يشغله شأن، أي حاجة وأمر حادث وشيء نازل. هذا معنى الشأن: الشأن معناه الأمر الحادث والشيء النازل. ولا يشغله شأن عن شأن، فهو سبحانه يقضي حوائج العباد كلهم من رزق أو خلق أو نفع أو دفع أو منع، لا يشغله شأن هذا عن شأن هذا، كما في المخلوق. الله جل جلاله يقول في المخلوق: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. إذا تكلم مع أحد ربما لم يسمع الذي بجانبه، لا يسمعه. وإذا عمل عملاً قد يشغل بذلك العمل فلا يتف... فلا ينتبه لعمل آخر. هذا شأن الناس، يشغل بما في يده. لكن ربنا سبحانه وتعالى يسمع جميع الأصوات بجميع اللغات، فيجيبهم جميعاً سبحانه وتعالى، لا يشغله دعاء هذا عن سماع هذا، ولا إجابة هذا عن دعاء هذا، يسمع الجميع ويعطيهم، ولا يشغله شأن هذا عن شأن هذا، ولا حاجة هذا عن حاجة هذا سبحانه وتعالى. لا يشغله شأن عن شأن. قل لهذا جاء في حديث أبي ذر المرفوع، وهو أشرف حديث لأهل الشاء... حديث الظلم: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا في صعيد واحد، فسألوني، الكل يسأل، الكل يطلب، لهم حوائج ولهم أمور، فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته». سبحان الله الذي لا يشغله شأن عن شأن جل جلاله. وهذا يقتضي أن الله عز وجل سميع عليم سبحانه قدير سبحانه، فهو لكمال علمه وكمال إحاطته سبحانه وتعالى، فهو بكل شيء محيط جل جلاله، فهو بكل شيء محيط، وهو بكل شيء خبير، خبير سبحانه وتعالى. هذا معنى هذه الجملة، ففيها إثبات صفات الكمال لله عز وجل من كمال العلم وكمال الإحاطة وكمال القدرة وغير ذلك من صفات الكمال. ولا يشغله شأن عن شأن. لا زلنا في هذه المقدمة لهذا الكتاب النافع، فإذا كان لكم شيء وإلا وقفناها هنا. هذا، وصلى الله وسلم مبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.