محاضرة في مركز السنة بالحديدة

الدرس في محاضرة في مركز السنة بالحديدة، محاضرة في مركز السنة بالحديدة بعنوان ( مراتب جهاد النفس ) ليوم الأحد 10 رجب 1429هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

افتتاح المحاضرة ومراتب النفس في القرآن

استهل اللقاء بالترحيب بالشيخ عبيد الجابري وتلاوة القرآن، ثم شرع الشيخ في بيان مراتب جهاد النفس مبيناً أن الأنفس ثلاثة أنواع وردت في القرآن: النفس اللوامة والنفس الأمارة بالسوء، على أن يستكمل النوع الثالث لاحقاً.

مرتبة العلم ومرتبة العمل في جهاد النفس

فصل الشيخ في مرتبة العلم الشرعي بوصفه أساس الفلاح والسعادة مشترطاً فهم الكتاب والسنة على منهج السلف، ثم انتقل إلى مرتبة العمل كثمرة للعلم وزكاته مشدداً على موافقة العمل للعلم وإخلاص النية وحسن الدعوة.

آداب طلب العلم ومنهج الدعوة وأحوال الداعية

بين آداب تلقي العلم محذراً من الأخذ عن غير أهله، وحدد مراتب كمال الداعية بالعلم والعمل والدعوة بالحكمة والصبر على الأذى، مع توضيح ضوابط التعامل مع المخالفين بمراعاة المصالح والمفاسد واختيار الوقت المناسب.

ابتلاء الأنبياء ولزوم طريق علماء السنة

استعرض ابتلاء الأنبياء بتكذيب أقوامهم مستدلاً بالآيات والأحاديث وأقوال السلف كالفُضيل بن عياض وابن عبد الوهاب، مختتماً بالتأكيد على وجوب اتباع علماء السنة والتمسك بالتوحيد والشكر للحاضرين.

التفريغ النصي الكامل

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فإنا نحمد الله سبحانه وتعالى الذي يسر لنا اللقاء بهذا الضيف الكريم، والشيخ الكبير، الداعي إلى الله على علم وعلى بصيرة، الفقيه المحدث الشيخ عبيد بن عبد الله الجابري، حفظه الله، وبارك فيه، وجزاه الله خيرا على هذه الزيارة لإخوانه وأولاده وطلابه في هذا البلد المبارك اليمن، وجزاه الله خيرا على هذه الرحلة التي قام بها من مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذه نعمة من الله على أهل السنة أن يزورهم أهل العلم. فقد زاركم في هذا المسجد الشيخ المبارك الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، وفقه الله، وحاضر فيه، وسجلت تلك المحاضرة في حينها. ثم زاركم أيضا الشيخ أحمد بن يحيى النجمي، شفاه الله وبارك فيه، وجزاه الله خيرا، وحاضر في هذا المسجد، وأجاب على أسئلتكم، وسجلت تلك المحاضرة. وهذا أيضا الشيخ الكريم الشيخ عبيد الجابري، وفقه الله، يزوركم ليحاضر وليجيب أيضا على أسئلتكم، فجزاهم الله خيرا. وهكذا أيضا كم زاركم في هذا المسجد الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، رحمة الله عليه، حاضر فيه مرارا، ودرّس، وأفتى، وخطب الجمع. فأحمدوا الله يا طالب العلم أن يزوركم أهل العلم، العلماء الأكابر والأفاضل، من حين إلى آخر. فهذه والله من النعم العظام من الله سبحانه وتعالى علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فأهل السنة والجماعة يحبون العلم، ويحبون العلماء، ويقدرون جهودهم، ويلتفون حولهم، حول علماء الكتاب والسنة، ويدعون الله لهم بالتوفيق والسداد والرشاد، ويحبونهم في الله كما تعلمون، ويحرصون على حضور مجالسهم القيمة والمباركة. فهذا من فضل الله علينا وعليكم. فعلينا أن نصغي إلى محاضرة الوالد والشيخ الكبير، جزاه الله خيرا، وأن ننتفع وأن نستفيد، وأيضا أن نقدم الأسئلة المفيدة التي لعل الله ينفعنا جميعا بها. والآن إلى تلاوة شيء من كتاب الله عز وجل، ثم قصيدة الحريبية، ثم إلى كلمة المحاضر، وفقه الله. فليتفضل التالي، ثم صاحب القصيدة، ثم الشيخ. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. هذه قصيدة ترحيبية بقدوم فضيلة الشيخ الوالد عبيد الجابري، ومقدمة عن دعوة أهل السنة والجماعة في اليمن. نقول وبالله التوفيق: الحق جاء وولى الزيف منكسرا *** وأقبلت سنة كالصبح تنتشر قد خيم الجهل أياما بلا خجل *** ثم انطوى بسيوف الحق تنتصر إن مات مقبل ما ماتت فضائله *** هذه معاقله في الأرض تزدهر أبرز لقاصبها كالشمس بارزة *** من فضل مرتعها قد ترتوي الفكر واليوم توج هذا الخير كوكبة *** من المشايخ للإسلام قد نصر حياهم الله، حي الله زائرنا *** أعني العبيد، فذاك البحر والقمر قد حل فينا وعين الشوق ترمقه *** لتستقي الشهد صافا ما له كدر أزمعتم السير، أزمعتم السير *** رغم العبء يثقلكم فالأجر مكتسب والذنب مغتفر تهنى الحديدة بالعلياء قد ضفرت *** وحل في أرضها الخيرات والمطر إني أرى نحوك الأعلام سائرة *** أهل الشريعة في الماضي ومن حضر أعني ربيع الخير والنجمي يتبعه *** والشيخ مقبل كمل الدر قد نثر لا تعجبي، لا تعجبي، فهمام العلم *** قائدك شمس الضحى وعلى الأمجاد يبتجر حي الجموع التي للعلم قد وفدت *** من كل صقعة تنفو وتنتظر ثم الصلاة على المختار من مضر *** والآل والصحب الأولى بالفضل قد ذكروا والحمد لله ربنا، عنه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر المسلمين، حديثنا إليكم، بارك الله فيكم، وشكر مساعيكم، وحياكم جميعا، وضيَّاكم، وطيب ممشاكم. موضوع جد مهم لا يستغني عنه مسلم ولا مسلمة يريد أن يعبد الله على بصيرة، ويفقه دين الله كما هو في كتاب الله جل وعز، وفي سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويتأكد ذلكم في حق من ينصبون أنفسهم في وظيفة النبيين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين، أعني الدعوة إلى الله على بصيرة. فذلكم الموضوع هو مراتب جهاد النفس. وقبل أن أشرع في هذه المراتب، أرى أنه من المناسب ذكر الأنفس كما جاءت في الكتاب الكريم، ليعلم كل مسلم ومسلمة أن الأنفس ثلاثة: نفس لوامة، وهي التي تلوم صاحبها على وقوعه فيما يخالف أمر الله ونهيه، كما تلومه إذا قصر أو فعل خلاف ما هو أولى، وهذه هي النفس اللوامة، وقد أقسم الله بها في كتابه، قال جل ثناؤه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. قال أهل العلم: هي التي تتلو مصاحبا على ما لم يفعل، لما لم يفعل، وما فعل من مخالفة، لما فعلها. النفس الثانية: نفس أولعت بالهوى والشهوات والشبهات، وهذه هي عون الشيطان على العبد، بل مطية الشيطان إن لم يقهرها صاحبها على فعل محاب الله ومراضيه، وأجتناب ما يسخط الله عز وجل ومغاضبه، ألا وهي النفس الأمارة بالسوء. فما يزال الشيطان حتى يستخدمها في هلاك صاحبها إن تركها دون مجاهدة. الثالثة: المطمئنة، وهي التي امتلأت خشية من الله، امتلأت خوفا وطمعا، وكانت منشرحة لما أمر الله به، كما أنها منشرحة لاجتناب ما نهى الله عنه. هذه النفس المطمئنة تحتاج من المرء مجاهدة قوية حتى يطوعها لما أحبه الله ورضيه من عبادته وطاعته، والاستقامة على أمره بفعله، والاستقامة على النهي بتركه، كما يطوعها على تصديق الخبر الثابت نصا في كتاب الله أو في صحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر العلماء أنه لا يتم الانقياد للعباد حتى يستجمع أمورا ثلاثة: أحدها فعل ما أمر الله به ورسوله، وثانيها ترك ما نهى الله عنه ورسوله، وثالثها تصديق خبر الله ورسوله. فمن استجمع هذه الأمور فقد استجمع خيرا كثيرا، وكان على علم وبصيرة فيما يأتي به من أوامر الله ومن المراضيل، ويعلم أن ما تركه هو من نهي الله ورسوله، وأنه مما يبغضه الله ويسخطه. أيها المسلمون، مراتب جهاد النفس ذكرها ابن القيم رحمه الله، وأنا أذكرها مختصرة حتى لا أملّكم بكثرة الحديث الذي يشرد يمينا وشمالا، ولعلي أصيب المقصود، وما تحصل به الفائدة، ويتضح به مضمون الكلمة وموضوعها. وما أحسن ما قاله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «ما قل وكفى خير مما كثر وألهى». المرتبة الأولى من مراتب جهاد النفس حتى تكون منقادة مطيعة لما أراد الله من صاحبها فعلا أو كفّا، هي أربع مراتب: إحداها العلم. والعلم، معاشر السامعين من المسلمين والمسلمات، إذا أطلق فلا ينصرف إلا إلى العلم الشرعي. وحد ذلكم العلم هو: فقه الكتاب الكريم، وفقه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، على فهم السلف الصالح. فإن سلف هذه الأمة وهم كل من مضى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأساسهم الصحابة رضي الله عنهم، ثم أئمة التابعين مثل سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وغيرهم. وبعد التابعين من الأئمة كمالك والشافعي وأحمد، ومن بعدهم كالسفيانين، ومن عاصرهم مثل السفيانين والحمادين والليث بن سعد، وأصحاب الأمهات وهم البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وغيرهم ممن شهدت لهم الأمة بجلالة القدر والسابقة في الفضل والإمامة في الدين وعلوّه. هؤلاء، أعني من بعد الصحابة، هم سائر أهل القرون المفضلة، من سُمّي منهم ومن لم يُسمّ. فإن لقب السلف الصالح لا ينصرف عند الإطلاق إلا إليهم، وذلك لأن كل من جاء بعدهم هو عالة عليهم وتابع لهم. فهذا هو حد العلم الشرعي: ثلاثة أمور، فقه الكتاب، وفقه السنة، وفقه سيرة السلف الصالح للتأسي بهم بعد الصحابة. نعم. وبهذا يعلم أن سائر العلوم لا يعول عليها في تقرير أحكام الله، سواء كانت الأحكام في العقيدة أو في العبادة أو في المعاملة. بل المعول عليه هو العلم الشرعي، وأهله هم هداة النص، وهم ساستها، وهم ورثة أنبياء الله في أهل كل زمان ومكان. وإيضاح هذه المرتبة: أن يجاهد المرء على معرفة ما أنزل الله على رسوله من الهدى ودين الحق، قدر ما يمكنه ذلك، ويعلم أنه بقدر ما يحصل من الهدى ودين الحق فإنه ينال نصيبه من النجاح والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، وبقدر ما يفوته من هذا الهدى ودين الحق فإنه يفوته من الفلاح والسعادة بقدر ما يفوته من ذلك. قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين». قال: ومعنى يفقه في الدين أن يرزقه فيه الفهامة والبصيرة. وقال صلى الله عليه وسلم: «فإن العلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». وبهذا تبطل المقولة وهي أن الداعية كالسحابة التي حيث حلت أمطرت وشرب الناس منها، وأما العالم فهو كالبئر التي لا يشرب منها إلا من وردها. سبحانك، هذا بهتان عظيم وفرية على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما أجمع عليه أهل الحق والإمامة في الدين، أن العلماء هم أفضل من غيرهم ممن ينتسب إلى الدعوة إلى الله عز وجل. وننبه ها هنا، وأنا أحكي كلام ابن القيم وألخصه مختصرا، وأزيد عليه من التعليق ما يوضحه إن شاء الله تعالى. ننبه ها هنا إلى أن القصد إلى أكابر أهل العلم في كل مكان وزمان هو المطلب الأسمى لدى السلف الصالح، لأنه كلما كبر الإنسان في العلم، ورسخت قدمه، وتفقه في دين الله، كلما كان محل ثقة واحترام وتوقير. وما أحسن ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه: «لا يزال الناس صالحين متماسكين ما أتاهم العلم عن أكابرهم، فإذا أتاهم العلم عن أصاغرهم هلكوا». والنص على الصحابة رضي الله عنهم لخصائص منها: أنهم عدول، ومنها أنهم خيار هذه الأمة بعد محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها أنهم بلغوا شرع الله كما تلقوه من فم محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يزيدوا عليه ولم ينقصوا منه. المرتبة الثانية: مرتبة العمل. في شيء، شيخ محمد، تؤذنوا ثم نتابع... لا، لا، لا، طيب. أقول: المرتبة الثانية، مرتبة العمل. وبيانها اختصارا: أن العمل هو ثمرة العلم وهو زكاته. مرتبة العمل. وأما بسطا: فإن الناس ينظرون إلى هذا الذي نال قدرا من العلم، أهو على ما ينشر من علمه أو هو على خلاف ذلك؟ فكلما كان المرء عاملا بعلمه، بادلا علمه للناس، كلما كبر في عيونهم، وامتلأت صدورهم محبة له وإكراما وإعظاما وإجلالا. فكما يقول القائل: «العلم رحم بين أهله». وها هنا أمور هي من آداب العامل الذي وفقه الله إلى أن يكون عمله موافقا لعلمه، مطابقا له، وهو نائر إن شاء الله أن يكون علمه حجة له لا عليه. والإشارة إلى هذا في قوله صلى الله عليه وسلم: «والقرآن حجة لك أو عليك». وأخرج الشيخان والبغوي وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى برجل - أو قال: يجتمع أهل النار على رجل - تندلق أقتابه، يعني أمعاؤه، فيقولون: يا فلان، ما لك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمركم بالخير ولا آتيه، وأنهاكم عن الشر وآتيه». هذا هو الأدب الأول. الثاني: إخلاص القصد لله سبحانه وتعالى، وأن بذل ذلكم العالم علمه، وعطاؤه، وإظهار عمله للناس، هو لتربية الناس على دين الله المحب، الخالي من الشوائب. الأدب الثالث: طيب الكلام ولينه، وتخير الكلمات الحسنة التي تجعل المدعوين يحبون السنة، ويحبون أهلها، ويحبون المسارعة في الخيرات والمنافسة في الطيبات، فتشيع السنة وينتشر الحق في أرض الله، بقدر ما يأتي هذا العالم الكريم الوقور، حسن المنطق، من أرض الله. وما أحسن ما قاله الإمام مالك رحمه الله: «لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه، يُعذر السفيه وإن كان أروى الناس، يعني عنده علم لكنه طعان لعّان فاحش بذيء العبارات، سال سيف الحرب على من خالفه، وإن كان الخلاف من موارد الاجتهاد. وإن كان عنده علم وورع، لكن هذا يربي على السباب وقبيح الكلام وبذيء العبارات والهجاء المقذع للمخالفين، حتى يصبح هو وثلة من طلابه وأصحابه لا يحسنون طيب الكلام ولا جميل الخطابات، وإن كان في مسجد من مساجد المسلمين، أعرض المسلمون عندهم رخيصة، هكذا حلوة لذيذة، وليست مسمومة». كما قال بعض... ولا إما، وأظن ابن عساكر رحمه الله قال: والإمام مالك رحمه الله: «والمبتدع الداعية إلى بدعته، والكذاب في حديث الناس، وإن كنت لا أتهبه على الحديث، ورجل صالح لا يدري ما يحدث به». هذه بعض آداب العمل التي ينال... وقد اكتفينا بها للتنبيه على ما هو في معناها. ولعل أبا إبراهيم إن شاء أن يتحفنا بزيادة بعد هذه الكلمة، لأن حديث معكم مبناه على الاختصار. بهاتين المرتبتين يكمل المرء نفسه: علم، ثم عمل بما علم، فنال ثمرة العلم الذي هو حجة له عند الله يوم يلقى. فكيف يكمل المرء غيره من عباد الله؟ لأن المؤمن، معاشر السامعين من المسلمين والمسلمات، منفعته... أقول: لأن المؤمن لا... وأعني صاحب السنة الداعي إلى الله على بصيرة، لا تقتصر منفعته على نفسه، بل يجتهد ويحرص على أن ينفع عباد الله، عباد الله، بما ناله من علم. فبإكمال المدعوين بالمرتبتين الآتيتين. المرتبة الثالثة: الدعوة إلى الحق بأدلته، مع الرفق بالناس، وإظهار محبته الخير. لا، فأهل السنة ينظرون إلى المخالف نظرتين: إحداهما قدرية، فيودون أن لم يكن وقع، ويشفقون عليه مما وقع فيه من المخالفة، سواء كانت كفرية أو بدعية أو فسقية، أو دون ذلك. والنظرة الثانية: نظرة شرعية. الأولى قدرية، والثانية شرعية، وهي حينما يرفع مخالف عقيرته بخلاف الحق، فإنهم يتصدون لرد المخالفة، مهما يكون المخالف منهم بمكان. ومن هذا الباب كان الصحابة رضي الله عنهم يردون المخالفات، وكذلك من بعدهم من أئمة القرون المفضلة، أئمة أهل السنة. وها هنا أمر: وهو أن أهل السنة ينظرون إلى المخالفة، فالمخالفة لا يقبلونها بحال، لأن هدفهم النصيحة لعباد الله بما يمكنهم من الديانة الصافية لله عز وجل من شوب البدعة، فضلا عن الشرك، من شوب البدعة والمعصية. كما أنهم... وأقول: المخالفة ردها يسير مسارها. فإذا كانت في مجلس، ردت في نفس ذلك المجلس. وإذا انتشرت في كتب أو أشرطة، ردت في نفس المسار. والمقصود هو إصلاح حال المخالف من جهة، وحال الناس الذين تنتشر فيهم المخالفة، وتفشو وتذيع فيهم، مما يكدر صفاء دينهم لله عز وجل. كما أنهم ينظرون إلى المخالف، فالمخالف عندهم صنفان: صنف هو صاحب سنة، معلوم تمسكه بها ومناصرته لها، والذب عنها وعن أهلها. فإن هذا، ما دام أنه على السنة، فإنهم مع ردهم مخالفته، يحفظون عرضه، ويحفظون له سابقته في العلم والفضل والدعوة، والدعوة إلى الله. الضرب، الصنف الثاني: أهل الأهواء، أهل البدع والضلال. فهذا لا كرامة له عندهم. فإذا كان... لكن أهل السنة أحرص الناس على الموازنة بين المفاسد والمصالح. فإن كانت المصلحة في التحذير من المخالف المبتدع، والتشنيع عليه، وإشهاره في الملأ، راجع سلف هذا. وإن كانت المفسدة الراجحة في ترك الكلام فيه، والاكتفاء برد المخالفة البدعية والتحذير من البدع... كما أنهم، كما يحذرون من المبتدع على سبيل التعيين، ومتى يكون هذا؟ وهذا الأول: إذا كانت الكفة الراجحة لأهل السنة، والصولة والجولة، وقوة الشوكة لهم، فإنهم يجاهرون بالمبتدع بخيرهم ورجلهم، ويشددون عليهم النكير، ويبهرون الشناعة عليهم. وأما إذا كانت الكفة الراجحة، والجولة والصولة، وقوة الشوكة لأهل البدع، مكّنين في البلد، منصوبين من قبل ولي الأمر، أو وزراء، أو قضاة البلد، ففي هذه الحال لا يتكلمون في هؤلاء. ولما هذا المسلك والتفريق بين صنفي المخالفين؟ نقول جوابا على هذا السؤال: لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن. حينما تكون مجاهرة بمجادلة، وهي بيان الحق بدليله. ألم يقل الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؟ الكل يعرف هذا، لا سيما أن جلّكم، إن لم يكن كلكم، طلاب علم، ولله الحمد. فكل داعية يريد أن يكون من أهل البصيرة، وقبول الحق، وأهلا للنصرة من إخوانه أهل السنة، فليسلك ما أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من هذا السبيل. الأمر الثاني: خطاب الناس في العلم. قال الله، وقال رسوله، وقال الصحابة، وقال أئمة الهدى. فإن الناس في أرض الإسلام، ولله الحمد، مفطورون على محبة الكتاب، ومحبة السنة وأهلها، ومحبة أهل العلم. فخطابهم بهذا الخطاب أدعى للقبول. الأدب، لعله الثالث أو الرابع: تخير الوقت. فإن لكل مكان، ولكل زمان، ما يناسبه من الكلام. وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم يصنعون مع الناس. فقد يمسك الواحد الحديث عنه، سلم، عدة أيام. ولكن وجد منهم من يحدث الناس ويعظهم يوميا. فالظاهر أن هذا راجع لاجتهاد الداعية. إن رأى أن الناس متفرغون من الشواغل، ومتهيئون للعلم والتعليم والموعظة، اجتهد، اجتهد، ولو يوميا. وإذا رأى أن مشاغلهم كثيرة، أو خشي عليهم الملل، فإنه يخفف عليهم، يخفف عليهم. وإلى هذا الإشارة بما رواه البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه، فقد كان يعظ أهل الكوفة كل خميس، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، لو زدتنا، أو كما قالوا. قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاهدنا بالموعظة كراهة السآمة علينا». فرق أهل العلم بين المواعظ وبين التدريس والتعليم. فالمواعظ التي ترغيب وترهيب ورقائق، مبناها على الكتاب والسنة، هذا يخفف فيها على الناس. وأما العلم، بدل العلم، فالصحيح أنه ليس له حد محدود، وإنما يرجع إلى المعلم نفسه المربي. المرتبة الرابعة: مرتبة الصبر. وخلاصتها وحاصلها: أن من نصب نفسه مبلغا دين الله وشرعه إلى الخلق، فقد نال نصيبه من مقام محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه ورث من مراثه، فلا بد أن يناله شيء من الأذى، يقل ويكثر. فإذا قويت السنة وأهلها وتكاثروا، قل الأذى. وإذا ضعف أهل السنة، وقل ناشروها ومناصروها، وكثر في الناس الضلال والجهال، ومن هو ليس في دعوته على بصيرة، اشتد الأذى. فمن صبر، بلغ أحد أمرين: إما... وهما: إما قبول الناس ما يدعوهم إليه، ما يأمرهم به وينهاهم عنه، لأنهم وثقوا منه، فصار من كان مبغضا له محبا، ومن كان نافرا عنه رجع إليه، ومن كان عدوا ندم، فاستغفر وتاب إلى الله عز وجل. وإما إقامة الحجة على هؤلاء المدعوين. فإذا نال الأول، حمد الله، وجد واجتهد، حتى يضعف، ويجد من يخلفه في هذا المنصب الرفيع الذي نفع الله به العباد والبلاد. وفي الثاني، يتسلى بقول الفضيل بن عياض رحمه الله، يتسلى بهذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. كما يتسلى بصحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل». وأول حديث: «يُبْتَلَى الْمَرْءُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فأشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل». ومنها حديث عرض الأمم عليه صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح البخاري وصحيح مسلم، وفيه قال صلى الله عليه وسلم: «رُئِيَ الرَّهْطُ... قَالُوا: مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى تِسْعَةٍ، أَوْ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ، وَرُئِيَ الرَّجُلُ، وَرُئِيَ النَّبِيُّ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ». والسؤال، معاشر المسلمين والمسلمات: هل ذلكم النبي الذي لم يكن حين رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم حال عرض الأمم عليه، هل بعث إلى نفسه؟ نبي ما معه أحد، نبي ما معه... نبي معه رجل أو رجلا، خلونا من يعني من معه رجل أو رجلا، لكن النبي... لكن النبي ليس معه أحد، هل بعث إلى نفسه؟ هل بعث إلى نفسه؟ لا أظن أحدا يقول نعم. بل بعث إلى أمة، فردت الأمة دعوته، ورفضوها، ولم تجبه. صلى الله عليه وسلم، أعلى ذلكم النبي، فماذا يصنع بعباد الله؟ أدى ما... استنبط الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مسائله، على باب: «من حقق التوحيد دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب». قال رحمه الله: «عمق هذا العلم، باب... أعيد الترجمة: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بلا حساب... قال رحمه الله: عمق هذا العلم، فلا يجوز الزهد في القلة، ولا الاغترار بالكثرة». هذه المقولة من الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وافقت مقولة مشهورة لأبي علي الفضيل بن عياض رحمه الله، قال رحمه الله: «عليك بطرق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين». عليك بطرق الهدى، أكررها: عليك بطرق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين. معاشر السامعين والسامعات، في هذا المكان، في هذه الجلسة، التي كان الفضل فيها بعد الله عز وجل لأخينا وحبيبنا فضيلة الشيخ أبي إبراهيم محمد بن عبد الوهاب الواسبي، حفظه الله، ولكم أنتم، أيدكم الله، يا من حضرتم من مدينة الحديدة، أو من... أو وفدتم من غيرها. ما شجعني على الاستفاضة في هذا... الحديد، وأرى أني قد أطلت عليكم، فأستميحكم عذرا، وأقول: الموضوع... أعتذر أني لم أستطع توفيته حقه في هذه الجلسة، لأنكم كما يعلم القاصي منكم والداني، أني على جناح سفر. فما أصبت فيه فمن الله، وما أخطأت فيه فمن نفسي، وأسأل الله ربا الكريم، رب العرش العظيم، أن يجمعني وإياكم، رجالكم ونساءكم، وكباركم وصغاركم، ومشايخكم وطلاب العلم منكم، في دار كرامته، في الآخرة، في دار كرامته، وفي الدنيا على ما يحبه ويرضاه من الإسلام والسنة، والتوحيد والسنة، ومناصرة أهل الإسلام والسنة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كلمة شكر عند الشيخ المحمدي، وفقه الله، والإجابة على الأسئلة عند الشيخ عبيد بعد صلاة العشاء إن شاء الله، ويقرأ الأسئلة عليها الشيخ علي القديص، وفقه الله. والآن إلى كلمة الشكر، بارك الله. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد، فإننا... فإننا نحمد الله سبحانه وتعالى، ونشكره على ما من به علينا بهذا اللقاء الطيب المبارك، الذي فيه... وعلى رأس الضيوف الشيخ عبيد بن عبد الله الجابري، حفظه الله ورعاه، ومتعه بالصحة والتوفيق والسداد، وحصل الختام لنا وله ولجميع المسلمين. أيها الناس، إن الناس بخير ما التفوا على علمائهم. إن الناس بخير ما أخذوا عن علمائهم، وناصروهم على الحق، وكفّوا سوادهم أينما كان. ولو تسمع بذكرهم الحسن في مناصرتهم للدين وذبهم عنه، تحبهم، ولو كانوا على بعد. وإننا كنا نسمع بذكرهم في المدينة النبوية، التي ربما عاش فيها كثير منكم، أي في المدينة، ومنكم من تلقى العلم هناك، وما حظينا بلقائه أيام ما كنا هناك، لا ندري لغفلتنا، أم لا ندري ما هو السبب، فلم نسمع بذكره إلا بعد فترة. أسأل الله أن يوفقه. وكنا نحبه، ونحن نسمع بذكره، وفتاويه، وكلماته تبلغنا إلى هنا، في وسط هذه الأجهزة التي تبث ما هب ودق. ولكن... يعني تحظى وتتشرف بنشرها، لكلمات المشايخ التي تنير للعالم سبلهم، وتضيء لحياة المسلمين، ليسيروا وينظروا كيف دربهم الذي يسيرون عليه إلى ربهم سبحانه وتعالى. فالعلماء، كما ذكرهم، ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا هذا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، بحظ وافر. فهم يبلغون، ونصر الله أن يكون في عون الجميع لتبليغ ما أمرنا الله بتبليغه، ومكننا من حفظه والعمل به، إنه على كل شيء قدير. فقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد». وهذا أمر ملموس، أيها الناس. ماذا حصل في أواخر أيام الصحابة رضي الله عنهم من الفتن؟ وحينما انتشرت الأهواء، وتشبع بها كثير من الأفراد، ماذا حصل بين الأمة وبقية الصحابة رضي الله عنهم؟ فيا أيها الناس، إن العلماء ما حل في مكان إلا كالغيث العميم، الغيث الطيب الذي يعف الله به الأرض، الغيث المعروف النازل من السماء، والعلماء غيثهم يحيي به الله عز وجل القلوب، ويهدي به العمى من هذه الأمة. فأي بلاد استنارت بعلم علمائهم، وكان علماؤهم علماء سنة، على فهم السلف، تنورت الدنيا، وأخذ الناس بغيتهم مما يدلهم على نهج رسول الله عليه الصلاة والسلام. فجز الله العلماء خيرا، وبارك في جهودهم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعين ضيفنا ومن معه، بتجشمه لهذه المتاعب، من المدينة إلى الجنوب، في دورته العلمية ودعوته. أسأل الله أن يرزقنا وإياه الإخلاص والثبات، إلى أن نلقاه سبحانه وتعالى، فنشكره. والشكر لله سبحانه وتعالى، لكن لا يشكر