المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبو أحمد عبدالعزيز العماري، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الثلاثاء 5 شوال 1447هـ الموافق 24 مارس 2026م ألقاها منوع
يؤكد المتحدث على نعمة الهداية للسنة والجماعة مستشهداً بأقوال السلف وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في لزوم الجماعة والتحذير من الشذوذ والفرق. ويحذر من شبهات العصر التي تخطف الناس نحو البدع والغلو داعياً للتمسك بالكتاب والسنة عملياً وأخلاقياً والتواضع للحق وترك الكبر.
يبين المقطع أن التواضع هو قبول الحق من أي مصدر مستشهداً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في تواضعه مع الناس. ويحذر من أن الكبر ورد الحق يؤديان إلى الطعن في العلماء وتفريق الدعوة وزرع العداوة مؤكداً أن العلم لا ينفع إلا بالعمل والتواضع لله.
يبرز المقطع فضيلة التواضع وعاقبة الكبر مستشهداً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية مبيناً أن المتواضع يحبه الله والناس بينما المتكبر يُحشر ذليلاً يوم القيامة. ويؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نموذجاً للتواضع والرحمة وأن الله أمر بخفض الجناح للمؤمنين واللين في المعاملة.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله التوفيق للطاعة والعون على ذكره وشكره وحسن عبادته. ويصلي على النبي محمد ويختم بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا اللقاء بكم، مشايخنا ودعاة أهل السنة والجماعة، نسأل الله جل وعلا أن يحفظكم، وأن يستعملكم في طاعته، وأن يجعلنا وإياكم من الدعاة إلى سبيله حتى نلقاه، وأن يثبتنا على هذا الطريق القوي، الصراط المستقيم، وظيفة الأنبياء، حتى نلقاه جل وعلا ونحن على الهدي المستقيم. أيها الإخوة الأكارم، إن من نعمة الله جل وعلا، كما ذكر عن ابن شوذب أنه قال: إن من نعمة الله على الأعجمي والحدث إذا نسك أن يوفقه الله لصاحب سنة من أول وهلة فيحمله عليها. إن من نعمة الله على الأعجمي والحدث إذا نسك أن يوفقه الله جل وعلا لصاحب سنة فيحمله عليها. ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: والله ما أدري أي النعمتين أعظم، نعمة أن هداني الله للإسلام، أم نعمة أن جنبني أهل الأهواء؟ فهي نعمة عظيمة أن تكون من خير أمة أخرجت للناس، وأن تكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أن تكون من أمة الإجابة، هذه نعمة عظيمة. ثم أمة الإجابة حصل فيها التقصير، فحصل فيها الاختلاف والبدع والمخالفات، وأنت على تمشي وتتبع النبي صلى الله عليه وسلم، ووفقت لأن تكون من الجماعة، الأم الجماعة التي أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بلزومها، فقال: «عليك بالجماعة». قال حذيفة بن اليمان عليه الصلاة والسلام: «عليك بالجماعة». قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «عليك بجماعة المسلمين وإمامهم». قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك». حديث حذيفة بن اليمان الطويل الذي رواه مسلم، ورواه البخاري بنحوه من حديث أبي هريرة. فبارك الله فيكم، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار». وإن دعوة أهل السنة في مثل هذه الأزمنة هي صمام أمان، صمام أمان، الشبه تتخطف الناس من اليمين والشمال، هذا تعرض مع الخوارج، وهذا تعرض في الغلو، وهذا تعرض في ماذا؟ مع جماعة حزبية بدعية فيها من التفريط وغير ذلك، وهكذا بارك الله فيكم، هذا تعرض في طواف القبور، وهذا في سب الصحابة، وهذا في سب آل البيت، وهذا وهذا، شبه خطافة، ونرى الناس حولنا فرق كثيرة، وكل يدعي أنه على الحق، ولكن كما قال الشاعر: وكل يدعي وصلا بليلى، وليلى لا تقر لهم بذاك. ويقول الآخر: والدعاوى ما لم تقم عليها بينات، أصحابها أدعياء. فأنت تثبت أنك على كتاب الله وعلى سنة رسوله بأخلاقك، بمعاملتك، باتباعك لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. كم من إنسان داعية إلى الكتاب والسنة وهو لا يتكلم، داعية بأخلاقه وقدوة حسنة بمعاملاته. فهكذا أوصي نفسي وإخواني في مثل هذه العجالة، بارك الله فيكم، بترك الكبر والتواضع للحق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكبر قال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس». بطر الحق: أي رد الحق وعدم قبوله، وغمط الناس: أي احتقار الناس. مع أن التواضع أيضا هو بعكس ذلك، هو قبول الحق ممن كان، قبول الحق من أي شخص كان. النبي صلى الله عليه وسلم قبول الحق من كافر، نعم. فبارك الله فيكم، كم من إنسان بسبب أنه قد وصل إلى مرتبة من العلم، ومع ذلك وقع فيما وقع فيه من الزلل ومخالفة الحق، ثم بسبب حب المنصب أو حب الجاه، وعدم التواضع للكتاب والسنة، وعدم الاعتراف بالخطأ، يعمل فرقه بين أهل السنة والجماعة، ويتكلم في العلماء الذين خالفوه ويطعن فيهم، وهكذا فيحصل له التناصح، أدعى النصح من العلماء، علماء العالم ينصحون، علماء اليمن، علماء المملكة ينصحون، فلا يستقيم، وهكذا يتعصب له من يتعصب له، والقضية وما فيها تواضع لله، لكتاب الله وسنة رسول الله: أخطأت، أخطأت، وأتوب إلى الله جل وعلا، ويصلح الله بهذه الكلمة بين أمة زرعت فيها البغضاء والتحاسد والتنافر. فكيف يكون قدوة من لا يتواضع؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث العرباض بن سارية: «إن الله أوحى إلي أن لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد»، رواه الإمام مسلم. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه». وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله». ويقول كما جاء عند ابن ماجه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة من حديث أبي مسعود أنه قال عليه الصلاة والسلام: لما أتاه رجل وجعل يكلمه، وجعل ترعد فرائصه، فقال له: «هون عليك، لست بملك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد». هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم تواضع، تأتي الجارية فتأخذ بيده وتمشي به في سكك المدينة حتى يقضي لها حاجتها، ونحن الواحد أصبح عنده شيء من العلم ما يدري يشمخ بأنفه، ما عاد يرى الناس أمامه شيء، والله المستعان. فكيف بمن وصل به الكبر وعدم قبول الحق إلى الطعن في العلماء، وإلى تفريق الدعوة، وإلى زرع العداوات، يكون هذا بالله عليكم داعية إلى الحق ومتواضعا لله جل وعلا؟ والله لو حفظ الأمهات الست، حفظ كتاب الله وسنة رسوله، ما ينفعه، ما ينفعه، فإنما العلم بالعمل، إنما العلم بالعمل. فعليكم أيها الإخوة بأن ندعو بأخلاقنا وبأعمالنا أكثر مما ندعو بالأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلا لي وسلم. فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من يستمعون القول فيتبعون أحسنه. تواضع، أيها الإخوة، يرفعك الله جل وعلا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه، إلا رفعه. يعني رجل كان من المحدثين، لعله الحجاج من أرطاة وغيره، يعني ترك الصلاة مع الجماعة، وماذا يعني؟ فقيل له: لماذا؟ قال: أتريد أن يزاحمني البقالون؟ تريد أن يزاحمني البقالون أو كذا، يعني محافظة على المروءة. قال الإمام الذهبي رحمه الله: قبح الله هذه المروءة التي تبحث عنها، قبح الله هذه المروءة، نعم، مروءة تجعلك تترك الصلاة مع الجماعة بحجة أنك يزاحمك البقالون أو غيرهم، وهكذا، يعني زين زين له سوء عمله. وهكذا بارك الله فيكم، تواضع تكون كالنجم لا حل ناظر على طبقات الجو وهو رفيع، ولا تكن كالدخان يعلو بنفسه، تواضع تكون كالنجم لا حل ناظر على صفحة الماء وهو رفيع، ولا تكن كالدخان يعلو بنفسه على طبقات الجو وهو وضيع. فالتواضع، كم من إنسان يتواضع يحبه الله ويحبه الخلق، منزلته عظيمة، كم من إنسان يتكبر يبغضه الناس، يبغضه الله جل وعلا، وعقابه وخيم وأليم في الدنيا والآخرة، يحشر المتكبرون أمثال الذر، يطأهم الناس يوم القيامة بأخفافهم، يطأهم الناس بأخفافهم، هذه المنزلة التي كنت تبحث عنها عنها أيها المتكبر يوم القيامة، تطأ داس بالأقدام، انظر فما أعظم التواضع أيها الإخوة. نتواضع الإنسان لله جل وعلا، وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هون، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، قال جل وعلا: «ولا تمش في الأرض مرحا، إنك لن تخترق الأرض، ولن تبلغ الجبال طولا»، «واقصد في مشيك واغضض من صوتك، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير». وهكذا الله جل وعلا يدعون إلى التواضع. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان المشركون، بل قبل ذلك الأنبياء السابقون، فذكر الله جل وعلا عن موسى أنه عن بني إسرائيل أنهم يقولون لموسى: «أنا أؤمن لك واتبعك الأرذلون»، أنا نمشي معك مع هؤلاء الأرذلون. والنبي صلى الله عليه وسلم لما سأل هرقل أبا سفيان: أضعف الناس يتبعونه أم كبراؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم، قال: وهم أتباع الأنبياء. وهم أتباع الأنبياء، ومع ذلك المشركون يريدون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطردهم، فأنزل الله عز وجل: «ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، فتطردهم فتكون من الظالمين». هذا الضعيف أفضل من ملء الأرض. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما مر برجل، مر برجل له هيئة حسنة، يعني فيقول: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن تكلم أن يسمع له، وإن خطب أن يزوج، وإن سكت أن يصدق. ثم مر برجل آخر ضعيف المسلمين، قال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن تكلم أن لا يسمع له، وإن خطب أن لا يزوج، وإن سكت أن لا يصدق. قال: «والله لهذا أفضل من ملء الأرض مثل هذا من هذا». انظر. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم، يا ماذا في كتاب الله، يعني في يحذرنا من الكبر، ويدلنا الله جل وعلا أيضا، الله جل وعلا يحثنا على التواضع، وعلى أن نخفض جناحنا للمؤمنين: «واخفض جناحك للمؤمنين». ويقول جل وعلا: «فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك». فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، وهو رسول الله يوحى إليه، مؤيد بمعجزات يراها الناس أمام عينهم مثل الشمس، ومع ذلك لو كان شديدا وغليظا والناس قد عرفوا أنه على حق سيتركونه. فهكذا يا أيها الإخوة، الرحمة والتواضع والأخوة والمحبة، هذه خصال عظيمة، وهذه آداب جمة وأخلاق من يريدون الدار الآخرة، تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، والعاقبة للمتقين. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وفضله وأحسانه أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.