القواعد والأصول الجامعة 39

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 39، ألقاها

مقدمة في تحريم المضارة في الشريعة

يناقش تحريم المضارة في الشريعة الإسلامية ويستدل على ذلك بقاعدة 'لا ضرر ولا ضرار' وبعض الآيات القرآنية. الشريعة تحذر من الإضرار بالآخرين في مختلف المعاملات.

تحريم الإضرار والإحسان إلى الخلق

النص يحذر من الإضرار بالآخرين في مختلف المجالات ويأمر بالإحسان إلى جميع الخلق. الإحسان يشمل معاملة الناس بإحسان وكف الأذى عنهم وهو سبب لنيل محبة الله تعالى.

تطبيقات الإحسان في الإسلام

الإحسان في الإسلام يشمل معاملة الناس بإحسان واتباع سنة النبي ومعاملة المخلوقات بإحسان. يشمل ذلك الإحسان في العبادة والقتل والذبح بإراحة المذبوح.

مفهوم الشريعة والإحسان في تحقيق المصالح

الشريعة جاءت بالأمر بالإحسان وبنفي الضرر وتحقيق المصالح وتقليل المفاسد. تحقق الشريعة المصالح وتدرأ المفاسد من خلال أوامر ونواهي متعددة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في كتابه "القواعد والأصول الجامعة" في شرحه للقاعدة الخامسة عشرة "لا ضرر ولا ضرار". قال: ومن أشد أنواع الضرار، مضارة الزوجة والتضييق عليها لتفتدي منه بغير حق. وقوله "بغير حق" يخرج ما إذا كانت المضارة بحق. إذا كانت بحق فليس عليه شيء، وذلك إن تكون المرأة امرأة فاحشة، فاحشة اللسان، بذيئة اللسان، فيريد أن يتخلص منها بسبب فحش لسانها والسوء أدبها وأخلاقها، فله أن يضيق عليها حتى تفتدي منه. نعم، فهذا مضارة بحق. أما إن كان بغير حق، يعني ليس من المرأة أي سبب حتى يضر بها، فيريد أن يفارقها من غير سبب، لكن ما يريد أن يخسر يطلقها ويذهب مهره سدى، فيقول: أضيق عليها وأوذيها حتى تفتدي وتختلع منه، فترد له ما دفع من مهر، فهذا لا يجوز إذا كانت المضارة بغير حق وبغير سبب شرعي، فإنه لا يجوز له أن يضر بها. قال: كما قال تعالى ﴿ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن﴾، يضر بها حتى يضيق عليها، فتشعر بالضيق والظنك في الحياة معه، فتفتدي منه وتختلع منه. قال: ﴿ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا﴾، يمسكها أو يرجعها من أجل أن يضر بها، هذا لا يجوز. قال: وكذلك مضارة أحد الوالدين للآخر من جهة الولد، كما قال تعالى ﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾، أيضا لا يجوز المضارة من جهة الولد، يضر الرجل المرأة عن طريق الولد أو العكس، تضر المرأة الزوج عن طريق الولد. مثاله: يكون الولد متعلقا بالأم، فتأتي هذه الأم وترمي ولدها لزوجها لأبيه، وهو متعلق بها، فهنا يكون في ذلك مضارة على الأب، تكون مضارة عليه، لأن الولد في هذه الحالة ما سيستقر، يبقى في بكاء وفي صياح، فيتأذى الولد بسبب ذلك، فيكون في هذه المضارة. أو كذلك أيضا العكس، يضر الزوج زوجته بالولد، بأن يأخذ منها الولد وفي حال الرضاع مثلا، فتتضرر بذلك وتتأذى. فالله عز وجل نهى عن وقوع الضرر من الجهتين، من جهة الأب ومن جهة الأم، عن طريق الولد. قال: وقال تعالى ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾. قال: يحتمل أن الفعل مبني للفاعل، فيكون الكاتب والشهيد منهيين عن مضارتهما لصاحب الحق بأي ضرر يكون. ويحتمل أن يكون مبنيا للمجهول، فيكون صاحب الحق منهيا عن مضارته لأحدهما. وكل ذلك صحيح. لا يضار كاتب ولا شهيد، إذا جعلنا أن الكاتب والشهيد فاعل يضار، فيقع الضرر من الكاتب والشهيد، بأن يضر صاحب الحق بأن يشهد شهادة زور وشهادة كذب، فيكون في ذلك إضرار على صاحب الحق، هذا لا يجوز، وفاعل ذلك آثم ومرتكب لكبير من كبائر الذنوب. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟" قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "إشراك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان متكئا فجلس، قال: "ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور". فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. فشهادة الشاهد بالزور والبهتان والكذب، فيها مضارة لصاحب الحق وتضيع لحقه. قال: أو يحتمل أن يكون مبنيا للمجهول، فيكون صاحب الحق منهيا عن مضارته لأحدهما. نعم، إذا جعلنا فاعل المضارة يعني غير مذكور، فيكون المراد به صاحب الحق، لا يضر صاحب الحق بالكاتب والشهيد إذا شهد عليه بحق، فلا ينتقم منهما مثلا، فيؤذيهما أو يضر بهما بأي نوع من أنواع الضرر، في مال أو في دم، فلا يجوز له ذلك. قال: ومن ذلك إضرار المورث والموصي. قال تعالى ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار﴾، فكل ضرر أوصله إلى مسلم أو غيره بغير حق، فهو محرم داخل في هذا الأصل. لا يجوز إضرار المورث والموصي. إضرار المورث كأن يطلق زوجته في مرض موته حتى يحرمها من الميراث، هذا من الإضرار على القول بأنها انطلقت طلاقا بائنا، فإنها لا ترث، فهذا فيه مضارة لهذه الزوجة بمنعها من الميراث. على أن قول جمهور أهل العلم أنها ترث ويعامل بنقيض قصده. أو كذلك أيضا الموصي، الموصي قد يؤذي بالورثة بالوصية، بأن يوصي مثلا بأكثر من الثلث، هذا فيه إضرار على الورثة، فيه إضرار على الورثة بأن يوصي أكثر من الثلث، وهذا لا يجوز. فالمهم أن الإضرار لا يجوز، حتى أيضا من جهة المورث أو كذلك من جهة الموصي. قال: وكما أن العبد منهي عن الضرر والإضرار، فإنه مأمور بالإحسان لكل إنسان، بل لكل ذي روح، بأي إحسان يكون، ودرجات الإحسان متفاوتة كدرجات الإساءة. قال تعالى ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾. يعني: كما أن الإنسان منهي عن الضرر، فهو مأمور بعكس ذلك، وهو الإحسان. الإحسان إلى الخلق ببذل المعروف وإبعاد الشر عنهم، بكل ما هو من معاني الإحسان والمعروف، قل أو كثر، حتى مع الحيوان. وقبل ذلك الإحسان سبب من أسباب نيل محبة الله جل وعلا. ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾. نعم، الإحسان مع الخلق ببذل الندى وكف الأذى وطلاقة الوجه. بذل الندى أي بذل المعروف، بذل المعروف للناس، سواء كان المعروف قولي أو كان فعلي أو كان مالي. وكف الأذى، كف أذاك عن الناس، هذا من الإحسان، أنك تبعد شرك عن الناس، لا تؤذيهم لا بقول ولا بفعل. وطلاقة الوجه، أن تقابل أخاك المسلم بوجه مستبشر، هذا من المعروف والإحسان. قال: وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء. فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته". رواه مسلم من حديث شداد بن أوس. فأمره صلى الله عليه وسلم بالإحسان حتى في إزهاق النفوس. "إن الله كتب الإحسان على كل شيء". في كل شيء، في المعاملة، في معاملتك لأولادك، في معاملتك لزوجتك، في معاملتك لجيرانك، في معاملتك لأرحامك، في معاملتك لوالديك، في معاملتك لأصدقائك وأصحابك، تحسن إليهم في القول وفي الفعل. الإحسان في العبادة أن تؤديها كما أمر الله عز وجل بشروطها وأركانها وواجباتها. وأعلى ذلك أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وهذه أعلى مراتب الإيمان. الإحسان في متابعة النبي عليه الصلاة والسلام، بلزوم سنته والحرص على العمل بها، وترك البدع والمحدثات إلى آخره. وهكذا أيضا الإحسان مع المخلوقات ومع الحيوانات، ما تؤذيها ولا تقتلها بغير سبب. وإذا قتلتها وأردت ذبحها مما يجوز ذبحه، فيكون بإحسان ورفق. "إذا قتلتم أحسنوا القتلة". إذا أردت قتل حيوان، بل حتى إنسان، حتى إنسان إذا أردت قتله وهو أم يستحق القتل، فيحسن في قتله. يحسن في قتله مثلا، شاص حكم عليه بالقصاص، فيحسن في قتله، يقتل بالرصاص أو بالشنق أو نحوها، مما يعني تزق فيه الروح من غير تعذيب. وهل ينافي الإحسان أن يقتل بنحو ما قتل به المقتول؟ الجواب: لا، ما ينافيه. كونه مثلا قتل إنسان بحجر، بأن رضى رأسه بحجر، فيفعل به ذلك، هذا من الإحسان القصاص، أن يقتل قصاصا وبمثل ما فعل بالمجن عليه، هذا لا ينافي الإحسان، لأن هذا مما أمر به الشرع من باب العدل. لكن المقصود إذا حصل أن قتل شيء من المخلوقات الموذية، فيقتل بإحسان. يقتل بإحسان. وكذا أيضا الأصل في قتل من يستحق القتل أن يقتل بإحسان. "وإذا ذبحتم فأحسن الذبحة". إذا رأت أن تذبح حيوانا، شاة أو بقرة أو دجاجة أو غيرها من حيوانات التي يباح ذبحها وأكلها، فتحسن ذبحها. "إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة". كيف يحسن الذبحة؟ قال: "وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته". أن يحد الشفرة والسكين تكون حادة، ثم يمرها عليها بسرعة حتى لا تتعذب عند ذبحها، هذا من الإحسان. المقصود هو أن الشريعة جاءت بالأمر بالإحسان بجميع صوره وأنواعه، بجميع صوره وأنواعه. وأن الضرر وإيقاع المضارة بالخلق، هذا مما جاءت الشريعة بنفيه والتحذير منه، لما في ذلك من إيقاع المفاسد. وكذلك أيضا ترك المصالح، والشريعة قد جاءت لتحقيق المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على