الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 11، ألقاها
يتناول شرح كلام السلف في مسألة الاستواء على العرش، مع التركيز على أثر الإمام مالك بن أنس الذي يبين أن الاستواء معلوم والكيف غير معقول. يُؤكد على الإيمان بالنصوص دون الخوض في كيفية الصفات الإلهية.
يشرح اعتقاد السلف الصالح في إثبات علو الله واستوائه على عرشه، مع ذكر أقوال الأئمة في تكفير من لم يعتقد ذلك، مستندين إلى أحاديث نبوية صحيحة مثل حديث الجارية السوداء.
ينقل أقوال الأئمة كأبي بكر بن خزيمة والإمام الشافعي في تكفير من لم يعتقد أن الله على عرشه فوق سماواته، معتمدين على أحاديث نبوية صحيحة.
يختتم الدرس بالتأكيد على أن ما جاء فيه كافٍ ويشير إلى أن المؤلف سيذكر المزيد في الدرس اللاحق، مع تعبير عن أهمية العلم بأمر الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى ما ذكره المؤلف رحمه الله في الاستواء على العرش. الاستواء الله عز وجل على عرشه فوق سمواته سبحانه جل وعلا، كما نطقت بذلك الآيات والأحاديث. فذكر بعض الآيات، وذكر أيضا إجماع الأمة على ذلك. سيذكر الآن بعض ما جاء عن السلف في هذه المسألة. قال رحمه الله: أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي، قال: حدثنا محمد بن داود بن سليمان الزاهد، وهو من الشيوخ الحاكم، قال: أخبرني علي بن محمد بن عبيد أبو الحسن الحافظ، من أصله العتيق، أنا علي بن محمد بن عبيد بالتنافس، قال: حدثنا أبو يحيى بن كيسبة الوراق، وهو محمد، أو أبو يحيى بن كيسبة الوراق، قال: حدثنا محمد بن الأشرس الوراق أبو كناني، وهو محمد بن أشرس متروك، قد ضعفه العلماء، قال: حدثنا أبو المغير الحنفي، وهو عمير بن عبد المجيد، وهو كذلك ضعيف، قال: حدثنا قرة بن خالد عن الحسن. قرة بن خالد هو السدوسي عن الحسن عن أمه. حسن البصري عن أمه، وأمه مجهولة، قال: عن أم سلمة في قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ قالت: استوى غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر. فهذا الأثر عن أم سلمة لا يصح، لا يصح من ناحية الإسناد. وقد ذكر الإمام الذهبي في العلو أن هذا لا يصح عن أم سلمة، ولكن صح عن ربيعة وعن مالك وعن غيرهما. أما عن أم سلمة فلا يصح، قد ذكره أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وذكر أنه جاء عن أم سلمة موقوفا ومرسلا، ولكن ليس إسنادهم ما يعتمد عليه. قال: وأخبرنا أبو محمد المخلدي العدل، قال: حدثنا أبو بكر عبد الله المسلم الإسفرائيني، قال: حدثنا أبو الحسين علي بن الحسن، قال: حدثنا سلمة بن شبيب، وهو من مشايخ الإمام أحمد، يروي كثيرا عنه، قال: حدثنا مهدي بن جعفر بن ميمون الرملي عن جعفر بن عبد الله، قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس، يعني يسأل عن قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ كيف استوى؟ قال: فما رأيته وجد من شيء كوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء -والرحضاء معناه العرق-، معنى ذلك عظم هذا القول وأطرق القوم، فجعلوا ينتظرون الأمر به فيه. ثم سئل عن مالك، فقال: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالا. ثم أمر به فأخرج. وهذا الأثر قد أخرجه جماعة عن مالك، وجاء عنه من طرق كثيرة، قرابة ثلاثة طرق وغيرها. فرواه عنه أيضا يحيى بن يحيى النيسابوري، وكذلك عبد الله بن وهاد، فهو صحيح. وقد ألف الشيخ عبد الرزاق البدر رسالة في هذا الأثر، وذكر طرقه التي جاءت به، وكذلك شرحها في رسالة. قال: وأخبرني جدي أبو حامل أي الصابوني أحمد بن إسماعيل عن جدي والدي الشهيد، وهو أبو عبد الله محمد بن علي بن حمدويه الصابوني، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن أبي عون النسوي، قال: حدثنا سلمة بن شبيب. وعن هذه طريق أخرى إلى سلمة بن شبيب، قال: حدثنا مهدي بن جعفر الرملي، قال: حدثنا جعفر بن عبد الله، قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس، فقال: يا أبا عبد الله، ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ كيف استوى؟ قال: فما رأينا مالكا وجد من شيء كوجده من مقالته، وذكر بنحوه. فهذا جواب الإمام مالك في هذه المسألة. فقال رحمه الله: الاستواء غير مجهول. وجاء في رواية يحيى بن يحيى: الاستواء معلوم، أي معلوم معناه ومعروف في لغة العرب. والكيف غير معقول؛ لأن الكيف لا يعقل، لأنه لا نعرف كيفيته سبحانه وتعالى، فكيف نعرف استواءه وصفاته؟ فالحقيقة مجهولة. فالحقيقة نكي الأمر هائل. الله الإمام كما أخبر به الله سبحانه وتعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ نؤمن به كما جاء، كما هو معروف في لغة العرب. الاستواء العلو والارتفاع، كما جاء عن أبي العالية الرياحي. قال رحمه الله: وسئل أبو علي الحسين بن الفضل البجلي عن الاستواء، وقيل له: كيف استوى على عرشه؟ قال: أنا لا أعرف من أنباء الغيب إلا مقدار ما كشف لنا. وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرش، ولم يخبرنا كيف استوى. وهذا جواب عظيم جميل من هذا الحافظ وعلي البجلي. فيقول: أن الاستواء يقول: أنا لا أعرف من أنباء الغيب إلا مقدار ما كشف لنا، ما أخبرنا به الرب سبحانه وتعالى، أخبرنا به رسوله صلى الله عليه وسلم. وقال: أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرش، ولم يخبرنا كيف استوى. قال: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وهو الحاكم، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن داود الزاهد، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن السامي، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن شبويه المروزي. وأحمد بن شبويه من حفاظ الحديث، وهو مروزي ثقة، قال: سمعت علي بن الحسن بن شقيق، وهو صاحب عبد الله بن المبارك، وهو ثقة كذلك، يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: نعرف ربنا فوق سماوات، على العرش استوى، بائنا من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه ها هنا وأشار إلى الأرض. وهذا الأثر صحيح عن عبد الله المبارك، قد رواه عبد الله بن أحمد في السنة، ورواه كذلك أبو سعيد الدارمي في الرد على الجهمية، من طريق أحمد عبد الله بن أحمد بن شبويه. والبيهقي كذلك أخرجه في الأسماء والصفات، فهو صحيح إلى عبد الله المبارك، بالتصريح بذلك، أي بهذا الاعتقاد الذي عليه السلف. قال: وسمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ، قال: في كتاب التاريخ الذي جمعه لأهل نيسابور، وهو من أعظم الكتب التي ألفت في التاريخ، تاريخ نيسابور، قال: في كتاب معرفة الحديث الذي جمعه، ولم يسبق إلى مثلهما، يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ، يقول: سمعت -وهو حافظ- أبو جعفر النيسابوري حافظ كبير، محدث نيسابور، قال: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، يقول: من لم يقر بأن الله عز وجل على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته، فهو كافر بربه، حلال الدم، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل حتى لا يتعذى به المسلمون ولا المعاهدون بنتن رائحة جيفته. وكان ماله فيئا، لا يورث، إذ المسلم لا يرث الكافر، كما قال الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم». رواه البخاري، هذا في الصحيحين في حديث أسامة بن زيد. فهذا أيضا كلام الإمام، إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة رحمه الله، في تكفير من لم يعتقد هذا الاعتقاد، وأن الله عز وجل استوى على عرشه فوق سماواته. قال: وهذا وإمامنا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه -وتقدم في المقدمة أن المؤلف على المذهب الشافعي- قال: احتج في كتابه المبسوط في مسألة عتق الرقبة المؤمنة في الكفارة، وأن غير المؤمن لا يصح التكفير بها، بخبر معاذ، وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء لكفارة، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عتقها إياها، فامتحنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: «من أنا؟» فأشارت إليه وإلى السماء، تعني أنك رسول الذي في السماء. فقال صلى الله عليه وسلم: «أعتقها فإنها مؤمنة». والحديث أيضا في صحيح مسلم أوضح من هذا. هذه الرواية التي ذكرها الإمام الشافعي في المبسوط كما ذكر هنا المؤلف، فهي في صحيح مسلم، قال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية. وإنما احتج الشافعي رحمه الله عليه على المخالفين في قولهم بجواز عتق الرقبة الكافر في الكفارة بهذا الخبر، لاعتقاده أن الله سبحانه فوق خلقه، فوق سبع سماوات على عرشه، كما هو معتقد أهل السنة والجماعة، سلفهم وخلفهم. إذ كان رحمه الله لا يروي خبرا صحيحا ثم لا يقول به. وسيذكر عن الشافعي رحمه الله بعض النصوص التي كان يقولها. وكان الإمام أبو عبد الله الشافعي يقول: معنى يأمر باتباع ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وصحابته. وقد جاء أيضا عند ابن حاتم في مناقب الشافعي، وغيره، بتصريح الإمام الشافعي بهذه العقيدة. ولعل المؤلف لم يطلع على ذلك. إن شاء الله نذكر ما ذكره المؤلف في الدرس اللاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.