الدرس في العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 5، ألقاها
يتم تقديم درء المفاسد على جلب المصالح في الشريعة الإسلامية من خلال أمثلة عملية مثل ترك الصلاة مع الجماعة لمن أكل بصلاً أو ثوماً وتجنب قيام الليل إذا أدى إلى فوات صلاة الفجر. كما يشدد على أهمية إنكار المنكر بحكمة لتجنب مفسدة أكبر.
تنص القاعدة الفقهية على تحمل الضرر الخاص لمنع ضرر عام أكبر، وتُستدل بأمثلة من الشريعة مثل الحجر على الطبيب والمفتي الجاهلين، وتطبيقات عملية مثل قتل الساحر والتسعير في الاحتكار. هذه القاعدة تبرز أهمية الموازنة بين المصالح والمفاسد.
يناقش هذا الفصل قواعد إزالة الضرر في الشريعة الإسلامية، مثل عدم إزالة الضرر بضرر أكبر، وتحمل الضرر اليسير، وإزالة الضرر الأشد بالضرر الأخف. كما يشمل حكم استعمال مال الغير عند الضرورة دون مسؤولية عن التعويض.
السلام عليكم، ووجود رائحة البصل أو الثوم في الإنسان هذه مفسدة، وصلاة الجماعة مصلحة، فكون الإنسان إذا جاء إلى المسجد سيؤذي الناس برائحة البصل أو الثوم أو بغيرهما، يعني مما له رائحة، فهذه مفسدة، وصلاة الجماعة مصلحة، فهنا تعارضت المفسدة والمصلحة، فنقول: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فما دام أن البصل والثوم فيه رائحة، فنقول: اجلس ولا تصلي مع الناس، ولو كان سيفوته مصلحة وهي صلاة الجماعة. واضح هذا المثال في تحقيق هذه القاعدة أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فصلاة الجماعة مصلحة، ووجود الرائحة -رائحة البصل والثوم- مفسدة، فحينئذ أيهما يقدم؟ جاءت الشريعة بتقديم درء المفسدة، وهو أنه لا يأتي فيصلي في المسجد ويؤذي الناس برائحة ما أكل من ثوم أو بصل، كما ورد -ثبت في الأحاديث الصحيحة-. قال: مثال الثاني: لو أن الإنسان سيقوم الليل، وقيامه للليل سيؤدي إلى تفويت صلاة الفجر مع الجماعة، فهنا مصلحة ومفسدة، المصلحة قيام الليل، والمفسدة ضياع صلاة الفجر أو صلاة الجماعة في الفجر، فأيهما يقدم؟ لا شك أن درء المفاسد أو الأمجل بالمصالح، فإذا كان قيامه للليل سيؤدي إلى ضياع صلاة الفجر، فحينئذ يترك قيام الليل للمحافظة على صلاة الفجر. قال: فنقول: أترك قيام الليل لكي تصلي الفجر مع جماعة الناس؛ لأن قيام الليل مستحب، وصلاة الفجر مع الجماعة واجب، فلا يضيع الواجب لأجل مستحب. وفي هذا يقول أهل العلم: «من شغلته النافلة عن الفريضة فهو مغرور، ومن شغلته الفريضة عن النافلة فهو معذور». الذي يشتغل بالنافلة ويضيع الفريضة هذا مغرور، يعني مثلا إنسان يصوم ويكثر من الصيام حتى يدع -يترك- صلاة الجماعة، أو يترك السعي للكسب والنفقة على أهله بحجة الصيام، هذا غرور وضياع للحقوق. ومثله أن يقوم الليل ويضيع صلاة الفجر مع الجماعة، هذا غرور، لكن لو ترك النافلة للمحافظة على الفريضة فهو معذور، ما عليه شيء، ترك قيام الليل؛ أجل أن يحافظ على صلاة الفجر مع الجماعة، هذا معذور، حافظ على الواجب وترك المستحب. قال: مثال الثالث: التجارة في المحرمات، فيه مفسدة، فيمنع، ولو كان في التجارة مصلحة وهي الربح، التجارة في المحرمات مثل بيع الخمور مثلا، بيع الخمور قد يجد أموالا وكسبا، لكن هذا البيع محرم، وفيه مفسدة من بث هذه السلعة المحرمة وإفساد ما يحصل بها من مساد العقول، فالأجل ذلك يحرم التجارة فيها. قال: ومثل أيضا ترك النبي عليه الصلاة والسلام إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «لو لا أن قومك حديث عهد بكفر لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها بابين: بابا يدخل منه الناس، وبابا يخرجون منه». فترك النبي صلى الله عليه وسلم هذه المصلحة درءا للمفسدة؛ درءا للمفسدة؛ لأنهم كانوا يعظمون البيت ويجلونه، فلو هدم ربما أثر ذلك فيهم في إيمانهم، فيرتد من يرتد ربما منهم، فلدرء هذه المفسدة ترك النبي عليه الصلاة والسلام تحقيق هذه المصلحة. قال: وجعل ابن القيم رحمه الله إنكار المنكر على أربع درجات: الأولى: أن يزول ويخلفه ضده، أن يزول ويخلفه ضده، يعني يزول هذا المنكر ويحصل بدله معروف. الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته، يعني يخف -يخف- المنكر، وإن كان ما زال فيه بقايا، لكن يذهب مثلا أكثره. الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، يخلفه ما هو مثله، يعني منكر مثله. الرابع: أن يخلفه ما هو شر منه، يعني منكر أنكر منه. فالدرجتان الأوليان مشروعتان، يعني أن يزول ويخلفه ضده، والثاني أن يقل وإن لم يزل بجملته، هاتان مشروعتان، له أن ينكر إذا زال بالكلية أو بقي منه شيء. قال: والثالثة موضع اجتهاد، يعني أن يخلفه ما هو مثله، هذا موضع اجتهاد، هل ينكر أو لا ينكر؟ ينظر حسب المصلحة. قال: والرابع محرم، يعني أن يخلفه ما هو شر منه، هنا لا يجوز أن ينكر هذا المنكر. قال: يعني مثلا قوم أهل فساد وفسق شغلوا بمنكر، مثلا لعب بالنرد أو الشطرنج، طيب أو سماع غناء، ولو أنكرت عليهم لتركوا ذلك وتعدوا على الناس في أموالهم مثلا أو دمائهم، هل تنكر عليهم في مثل هذه الحالة؟ الجواب: لا؛ لأنك إذا أنكرت عليهم سيترتب على هذا المنكر ماذا؟ ما هو أعظم منه، سيترتب عليهم ما هو أعظم منه، فحينئذ لا يجوز إنكار هذا المنكر. قال المنقيم رحمه الله: «فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون الشطرنج، كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة؛ لماذا؟ لأنك ترتب عليهم ما هو أعظم من هذا المنكر، هم مشغولون فيما بين أنفسهم بهذا اللعب واللهو، فإذا أنكرت عليهم ربما تركوا ذلك وذهبوا يتقطعون الناس ويأخذون أموالهم ويسفكون دماءهم، ولا شك أن هذه مفسدة أعظم». قال: «إلا إذا نقلتهم إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله، كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك؛ يعني إذا أنكرت عليهم من هذا اللعب إلى لعب نافع كرمي النشاب -أي السهام- تعلم الرماية، أو السباق أو السباحة أو نحو ذلك، لا بأس، هذا أحسن من لعبهم بالشطرنج، لكن إذا تنكر عليهم تتركهم هذا لا، ليس من الفقه». قال: «وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية -مكاء وتصدية يعني تصفير، التصفيق- فإن نقلتهم عنه إلى طاعة؛ إلى طاعة لا، فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلا لهم». ولهذا كان من فقه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه كان في وقت انتشار التتار، وكذلك أيضا ما حصل من عظيم فتنتهم، فشغلوا في بعض, بشيء من اللعب واللهو، فمر عليهم، فقيل له: «ألا تنكر عليهم؟ فقال: لا؛ لماذا؟ لأنه لو أنكر عليهم لربما تركوا ما هم فيه من لهو ولعب، وانشغلوا بقتال المسلمين وأخذ أموالهم والاعتداء والبغي عليهم، فكان بقاؤهم على هذا المنكر أهون -أخف- مفسدة، وأيضا أقل شرا». قال: «وإذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها، وخفت من نقله عنها إلى كتب البدع والظلال والسحر، فدعه وكتبه؛ الأولى، عندك شخص انشغل بكتب المجون -يعني كتب الفحشاء- وما فيها من نساء كاسيات عاريات ونحو ذلك، في قراءتها والنظر فيها، وأنت تخشى لو أنكرت عليه أن ينتقل إلى ما هو أعظم من ذلك، من النظر بكتب البدع والظلال والسحر، فدعه ينشغل بها، هذه معصية، وهذه وإن كانت معصية، هي دون ماذا؟ دون البدعة والكفر والسحر والكهانة، فكون تتركه على هذا أهون، هذا أقل شرا، فتدعه ينشغل بها، ذاك تنقله إلى ما هو أفضل، لا بأس، هذا مطلوب، تنكر عليه مثلا النظر في هذه الكتب -كتب المجون- وتنقله إلى النظر في كتب مفيدة نافعة، لا بأس». قال: «وهذا باب واسع؛ يعني ينظر فيه إلى المصالح والمفاسد». قال: «ومن أدلة هذه القاعدة: أن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر بشيء فأتوا منه ما استطعتم». انظروا: ما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام علق بالاستطاعة، تأتي منه بما استطعت، وأما ما نهى عنه فيجب اجتنابه وتركه، هذا يدلنا على أن الشريعة اعتنت بالمنهيات والمحرمات، وأمرت باجتنابها وتركها بالكلية، وهذا يؤكد لنا معنى هذه القاعدة: أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح؛ فالمأمورات من المصالح، والمنهيات من المفاسد، فالمصالح علقت بالاستطاعة، والمنهيات لم تعلق بالاستطاعة، بل أمر بتركها». القاعدة الثانية: الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام، يعني من فروع هذه القاعدة قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار»، الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام. قال: «فإن الضرر الحاصل للعامة يزال بالضرر الخاص بالواحد؛ لأنه أحسن الشرين، أدنى المفسدتين؛ يعني إذا كان هناك عندنا ضرر، وهذا الضرر قد يكون فيه ضرر خاص -يعني بشخص معين أو بطائفة معينة- وقد يترتب عليه ضرر عام، فإننا ندفع هذا الضرر العام بوقوع الضرر ماذا؟ على صاحب الخاص؛ لأن هذا أقل وأخف، يعني كون مثلا واحد يتضرر، ليس كتضرر المئات والألاف من الناس، هذا أشد، فنحن نخفف هذا الضرر، بدل ما يتضرر جميع الناس -المئة والألف والمليون من الناس- يتضرر الواحد والاثنان والثلاثة والعشرة، هذا معنى هذه القاعدة». قال: ولذلك أمثل: المثال الأول: الطبيب الجاهل يحجر عليه لمصلحة الناس، فكوننا نحجر عليه ونمنعه من التطبب، فيه ضرر خاص -يعني ضرر عليه- من حيث عدم استعمال أو مزاولة مهنة الطب. قال: «لكن يتحمل لدفع الضرر العام؛ إذ لو تركناه يداوي الناس وهو جاهل لتضرر الناس». واضح: عندنا طبيب جاهل، تظاهر بالطب، أو عنده شيء من الطب، لكن تجرأ في أشياء ليست من خواصه -خواصه- وليست من عمله، فستضر بعض الناس، فهنا إن تركناه سيبقى هذا الضرر ينتشر في الناس ويضر الناس بجهله وتعديه، وإذا حجرنا عليه ومنعناه خف الضرر، وصار الضرر على نفسه فقط، هو المتضرر بعد مزاولة هذه المهنة، وسلم الناس من جهله، وكذلك مداواته والضرر بذلك، إذن ماذا نفعل؟ نرتكب الضرر الخاص؛ لأجل دفع الضرر العام. قال: المثال الثاني: المفتي الجاهل يحجر عليه، فالطبيب الجاهل يحجر عليه لضرر الناس في أبدانهم، والمفتي الجاهل يحجر عليه لضرر الناس في أديانهم، وإن كان يلحقه ضرر، لكن هذا الضرر الخاص من أجل المصلحة العامة. كذلك المفتي الجاهل، إنسان تصدر للفتوى وليس أهلا لها، وأصبح يخبط خبط عشواء، ويفتي بجهل، فلنتركه يضر الناس في دينهم، فهذا يحجر عليه، أو أن نحجر عليه ونمنعه، ويسلم الناس من جهله، ويسلم لهم دينهم، لا شك: الثاني هو الذي ينبغي، فيتحمل الضرر الخاص؛ لأجل دفع الضرر العام. قال: المثال الثالث: قال العلماء: «لو تترس الكفار بمسلمين -تترس يعني جعلوا المسلمين في المقدمة حماية لهم- ألا يقاتل الكفار المسلمين؟ عندهم أسرة من المسلمين، أتوا بهؤلاء المسلمين وجعلوهم ترسا -أي حماية لهم ووقاية- حتى يتقدموا إلى المسلمين، المسلمون إن تركوهم سيصلون إليهم ويغزوهم ويسفكون دماءهم ويسمون نساءهم، وإن منعوهم وضربوهم سيتضرر أول من يتضرر من هؤلاء المسلمين الذين هم حماية وجدار لهم، فحينئذ في مثل هذه الحالة لا بأس أن يقتل هؤلاء المسلمون الذين اتخذهم الكفار ترسا، وهذا وإن كان فيه ضرر، لكنه ضرر خاص على هؤلاء المسلمين المعدودين؛ لأجل دفع الضرر العام، وهو انتصار هؤلاء الكفار على المسلمين، وما يحصل من ذلك من ذل للإسلام وأهله». قال: «لو تترس الكفار بمسلمين، فاحتجنا إلى أن نرمي الكفار، وأدى ذلك إلى قتل المسلمين مع الحرص -يعني على عدم إصابة المسلمين وتقصدهم- لكن إن لم يكن، ولم يمكن ذلك إلا بقتلهم، فحينئذ لا بأس». قال: «فهنا ضرر خاص لحقهم، لكنه يتحمل للضرر العام الذي هو انتصار الكفار عليهم وتسلطهم على المسلمين». وهو أيضا يدخل في قاعدة: هذا المثال يدخل في قاعدة: «ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما»، فقتل المسلمين مفسدة، وتركهم وانتصار الكفار عليه مفسدة أعظم، فكان حينئذ من المصلحة أن يقتل، ويرتكب أدنى المفسدتين، وهو قتل من تترس بهم هؤلاء الكفار من المسلمين؛ لدفع المفسدة العليا. قال: المثال الرابع: الساحر يقتل؛ لأنه يفتن الناس، فيتحمل الضرر الخاص بقتله، ويدفع الضرر الأعم للأمة؛ يعني من السلامة من سحره، وما يفعل من التفريق بين الناس والإفساد بينهم. ومثل أيضا: هدم البيوت الآيلة للسقوط، هدم البيوت الآيلة للسقوط، هذا مثال آخر هو من أمثلة: لو عندنا مبنى أو شكا على الانهيار، أو شكا على الانهيار، هل نتركه ونقول: والله هذا البيت حق فلان، ليس لنا حق فيه، ويسقط على ذلك فيقتل أحد من الناس؟ أو نهدم هذا البيت، وإن كان في هذا مفسدة على صاحب البيت؛ لأجل سلامة الناس، الثاني لا شك: نهدم هذا البيت، وإن كان فيه ضرر خاص على صاحب البيت؛ لأجل سلامة عامة الناس. وكذا يذكر بعض الأئمة من الأمثلة: التسعير، التسعير إذا تلاعب التجار بالسلع ورفعوا أسعارها مثلا، أو احتكروها أو نحو ذلك، فحينئذ يجوز لولي الأمر أن يسعر، فيضع السعر المحدودا؛ حتى يدفع الضرر على عامة الناس، وإن كان في هذا شيء من الضرر على التجار أنفسهم، فهذا من هذا الباب. طيب، قال: وهذه القاعدة كما يحتاجها الفقه، أيضا يحتاجها غيره، كالقاضي والمعلم والمربي والداعية إلى الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك الوالد مع أولاده، والمدير مع موظفيه. قال: واستمد الله أهل العلم أيضا لهذه القاعدة بقول النبي عليه الصلاة والسلام حين نهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث: «كنت نهيتكم من أجل الدفة التي دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا». والحيث في مسلم: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث»، وذلك أن الناس أصابتهم مجاعة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتصدق من فاض -من فضل- هذا اللحم -الأضاحي- ونهاهم عن أن يدخروه ويحتفظوا به، فلما زالت هذه العلة -وزال هذا السبب- قال: «كنت نهيتكم، إنما نهيتكم من أجل الدفعة التي وقعت -يعني المجاعة التي وقعت- وقد زالت، فاكلوا وادخروا وتصدقوا، لا بأس، حينئذ أن تدخلوا وتحفظوا هذا اللحم». وجه الشاهد: أن في نهيهم عن ادخار لحوم الأضاحي مفسدة -ضرر عليهم- هذا الإنسان عنده لحم -يعني ملكه- ومع ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخره لنفسه؛ لأجل ماذا؟ لأجل دفع الضرر العام، وهو ما وقع للناس من مجاعة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ببذل هذا اللحم، وأن يتصدق به، ونهاهم عن ادخاره لأنفسهم؛ فكان في ذلك ضرر خاص عليهم؛ لأجل دفع الضرر العام، فهذا دليل على هذه القاعدة. القاعدة الثالثة: الضرر لا يزال بالضرر. قال: وإزالة الضرر له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن لا يترتب على الإزالة ضررا مطلقا، وحينئذ يجب إزالته بالكلية، أن لا يترتب على الإزالة ضررا مطلقا، يعني نزيل هذا الضرر، ولا يترتب عليه ضرر، فهنا نزيل هذا الضرر بالكلية. الحالة الثانية: أن يترتب على إزالة الضرر ضرر أخف، فيرتكب الضرر الأخف من أجل دفع الأعظم. الحال الثالثة: أن يترتب على إزالة الضرر ضرر أعظم من الضرر المزال، أو مساوي له، فهذا هو معنى هذه القاعدة: فلا يزال الضرر بضرر مثله أو أشد منه. ولذلك أمثلة، وقد ذكر الشارع قبل قليل: مراتب أو مراتب إنكار المنكر، كيف كان يترتب عليه ضرر أعظم منه؟ فإن هذا لا يجوز، وإن كان يزول الضرر بضده، وهو معنى قوله: «أن يزول بالكلية»، وهنا ينكر، وإن كان سيزيله ويبقى له أثر، لكن يخف هذا الضرر، وهذا المنكر، فهنا ينكر، وهذا معنى قوله في الحالة الثانية: «يترتب على إزالة الضرر ضرر أخف». وإذا سيترتب على إزالة هذا الضرر والمنكر ما هو مثله، هذه محل اجتهاد، أما إذا سيترتب عليه ما هو أعظم، فهذا لا يجوز، كما برر ذلك مثل المثال الأول: رجل جائع، ليس معه ما يسد رمقه -أي ما يمسك حياته- وآخر جائع معه ما يسد رمقه، معه خبز، فنقول: الضرر لا يزال بالضرر، فكون هذا المضطر يأخذ الخبزة من الآخر، فهذا أزال ضرره بضرر غيره، فليس له ذلك. واضح: واحد جائع، ليس معه شيء من الطعام الذي يدفع به الجوع عن نفسه والهلاك، وآخر معه خبزة يدفع بها الهلاك عن نفسه، هل نقول لهذا المضطر: خذ الخبزة من أخيك وادفع الضرر عن نفسك، ولو تضرر أخوك؟ الجواب: لا، ولو تضرر أخوك، الجواب: لا، فلا يدفع الضرر عن نفسه بضرر غيره. قال: مثال الثاني: لو أن شخصا أكره على القتل، قيل له: إما أن تقتل زيدا وإلا قتلتك، فكون يزيل الضرر عنه بقتل زيد، ليس له ذلك، لا يدفع الضرر عن نفسه بقتل الضرر في غيره. إذا قيل له: «اقتل فلانا ولا قتلناك»، ما يقتله، ولو قتل، ولو قتل. ومرة معنا في قاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات»، بشرط عدم نقصانها عنها. القاعدة الرابعة: الضرر يزال بقدر الإمكان. ولذلك أمثل: المثال الأول: لو أن هناك مالا ليتيم، وجاء ظالم ليأخذه، فلا بأس لولي اليتيم أن يدفع من مال اليتيم ما يدفع به أخذ المال كله، إذا كان يندفع بكذا وكذا، لا يزاد على ذلك الأخير، يعني مثلا: أنت ولي على مال يتيم عندك، مثلا ملايين، نقول: مليون مثلا لليتيم، جاء ظالم يريد أخذ شيء من هذا المال، وخفت أن يأخذ المال كله، فدفعت له جزءا يسيرا من المال؛ حتى تدفع شره وتدفع ظلمه، فمثل هذه الحالة لا بأس، فأنت الآن أزلت هذا الضرر -وهو ذهاب المال كله- بدفع جزء من المال، فهذا إزالة للضرر بقدر الإمكان. المثال الثاني: الحجر على السفيه؛ لدفع سوء تصرفاته المالية، يحجر عليه فيما يتعلق بالمال دون غيره من بقية التصرفات، الحجر على السفيه الذي لا يحسن التصرف -الذي لا يحسن التصرف في المال- يبعثر المال، فيشتري الشيء الرخيص بالثمن المرتفع، ويبيع الشيء الثمين بالثمن الزهيد، هذا السفيه، مثل هذا يحجر عليه -يعني يمنع من التصرف في ماله- من البيع والشراء وغيرها من التصرفات، فهذا الحجر الآن عليه هو من باب إزالة الضرر، من باب إزالة الضرر وتخفيف الضرر؛ حتى لا يذهب ماله سدى بسبب تصرفاته السفيهة. والله عز وجل يقول: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ إلى آخر الآية. قال: القاعدة الخامسة: الضرر اليسير يحتمل في العقود. ولذلك أمثلة: المثال الأول: العيب اليسير عرفا -عند التجار- يحتمل في العقود، فلو أنك اشتريت سلعة ووجدت فيها عيبا يسيرا، فهذا ضرر يسير في العقود، فيحتمل، يعني ليس لك أن ترد السلعة إذا وجدت فيها عيبا يسيرا، في مثل هذا في العرف، يعني يحتمل، يعني مثلا اشتريت دجاجة، نقول: سلة بطاطس، طيب أنت رأيت قلبتها ما شاء الله طيبة، اشتريتها، ثم وجدت حبة وحبة فاسدة، هل تردها؟ لا، هذا شيء يسير يغتفر فيه. طيب المثال الثاني: لو اشتريت السلعة وحصل لك غبن يسير يتغابن فيه الناس، إلى آخره، فإن هذا يحتمل في العقود، اشتريت سلعة، السلعة مثلا تباع بألف ريال، أنت اشتريتها بألف وخمسين مثلا، أو بألف ومئة، هذا يعتبر غبن يسير، مثلا هذا يحصل، يعني يزيد عليك خمسين ريالا، مثل هذا يعفى عنه. قال: ومثل ذلك: أساسات الحيطان لا يشترط العلم بها -بعتبيت- طيب المشتري ما يعرف كيف أساس البيت هذا، هذا يختفر؛ لأن معرفته شيء فيه مشقة، والمشقة تجلب التيسير؛ لأجل هذا يعفى عن مثل ذلك. قال: قاعدة السادسة: الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، مثل: العلماء رحمهم الله بنفقة الأولاد والزوجة إلى آخره، فيجبر الأب على أن ينفق على أولاده، والزوج على زوجته إلى آخره. وجه ذلك: أنه عليه ضرر من بذل المال والسعي والتكسب إلى آخره، هذا شيء فيه من الضرر، لكنه من أجل إزالة الضرر الأشد، وهو بقاء الزوجة والأولاد بلا نفقة، لا شك أن هذا ضرر عظيم عليهم، فكونه يسعى ليتكسب وينفق عليهم ويبذل لهم، هذا ضرر يسير وخفيف؛ لدفع الضرر الأشد. قال: قاعدة السابعة: الاضطرار لا يبطل حق الغير، فإذا اضطر الإنسان إلى عين ما للغير -كما لو اضطر إلى طعامه إلى أكله- فيجب عليه ضمانه، كما لو اضطر إلى طعامه إلى أكله، يعني اضطر إلى طعامه غير لأكله، فيجب عليه الضمان، أي ضمان هذا الطعام الذي أكله. قالوا: عند شيخ الإسلام: «لا يجب الضمان إلا مع الغنى؛ يعني إذا كان غنيا، أما إذا كان فقيرا ما عنده شيء، فهذا لا يجب عليه الضمان». وأما إذا اضطر إلى نفع مال الغير، وهذا لا شك أن هو الصواب: أنه إذا كان غني فيضمن، وإن لم يكن غني فليس عليه ضمان، يعني إنسان مثلا في سفر، فأصابه الاضطرار وأصابه الجوع، هو غني في بلده، لكن الآن في حال سفره ما عنده شيء، اضطر أن يأكل من مزرعة أو من بيت أو من كذا أو من مكان فلاني، فلا بأس يأكل ويضمن هذا المال؛ لأنه غني. أما إن كان فقيرا أو أصابته مجاعة، فأكل من مزرعة صاحب المزرعة ونحو ذلك، فحينئذ ليس عليه ضمان. قالوا: أما إذا اضطر إلى نفع مال الغير -كما لو اضطر إلى ثوب الغير ليتقي به البرد أو الحر ونحو ذلك- فلا يجب الضمان، يعني إنسان أصابه برد، فوجد ثوبا لغيره أخذه ليلبسه ويدفع البرد عن نفسه، فيستعمله وليس عليه ضمان.