الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل موضوع وسوسة الشيطان للمصلين أثناء قراءة القرآن وتأثيرها على مخارج الحروف. يشير إلى آراء العلماء حول هذا الموضوع وتيسير الشريعة في القراءة.
يركز هذا الفصل على انتقاد قراءة حمزة بن حبيب الزيات من قبل علماء مثل ابن عيين وابن حنبل، ويبين آراء الإمام أحمد حول هذه القراءة.
يبرز هذا الفصل تحذير الأئمة من المبالغة في قراءة القرآن ويشدد على أهمية اتباع هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم في القراءة والصلاة عليه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في كتاب مكائد الشيطان: قال فصل، ومن ذلك الوسوسة في مخارج الحروف والتنطع فيها. ونحن نذكر ما ذكره العلماء بألفاظهم. قال أبو الفرج بن الجوزي: قد لبس إبليس على بعض المصلين في مخارج الحروف، فتراه يقول: "الحمد" فيخرج بإعادة الكلمة عن قانون أدب الصلاة. وتارة يلبس عليه في تحقيق التشديد في إخراج ضاد "المغضوب"، قال: ولقد رأيت من يخرج بصاقه مع إخراج الضاد لقوة تشديده. والمراد تحقيق الحرف حسبه، وإبليس يخرج هؤلاء بالزيادة عن حد التحقيق، ويشغلهم بالمبالغة في الحروف عن فهم التلاوة. وكل هذه الوساوس من إبليس، أي أنه يشدد ويلبس على الناس في التلاوة والقراءة حتى يوقعهم في الحرج والشدة التي هم في غنى عنها، ما كلفهم بهذا الشرع، لا أمرهم الله عز وجل به، ولا أمرهم به الرسول عليه الصلاة والسلام. وإنما هذا من اتباع الشيطان، يرى أنه ما نطق الحرف فيعيده ويبالغ في نطقه، حتى كما سمعنا يوقع نفسه في الحرج والشدة. وقد جعلت الشريعة له اليسر والتسهيل. قال محمد بن قتيبة في مشكل القرآن: وقد كان الناس يقرؤون القرآن بلغاتهم، ثم خلف من بعدهم قوم من أهل الأمصار وأيناء العجم، ليس لهم طبع اللغة ولا علم التكلف، فهفوا في كثير من الحروف وذلوا فأخلوا. ومنهم رجل ستر الله عليه عند العوام بالصلاح، وقربه من القلوب بالدين، فلم أرى فيمن تتبعت في وجوه قراءته أكثر تخليطا، ولا أشد اضطرابا منه، لأنه يستعمل في الحرف ما يدعه في نظيره، ثم يؤصل أصلا ويخالف إلى غيره بغير علة، ويختار في كثير من الحروف ما لا مخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة. هذا إلى نبذه في قراءته مذهب العرب وأهل الحجاز بإفراطه في المد والهمز والإشباع، وإفحاشه في الإضجاع والإضغام، وحمله المتعلمين على المذهب الصعب، وتعسيره على الأمة ما يسره الله تعالى، وتضيقه ما فسحه. ومن العجب أنه يقرأ الناس بهذه المذاهب، ويكره الصلاة بها. ففي أي موضع يستعمل هذه القراءة إن كانت الصلاة لا تجوز بها؟ وكان ابن عيين يرى لمن قرأ في صلاته بحرفه، أو ائتم بإمام يقرأ بقراءته، أن يعيد. ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين، منهم بشر بن الحارث والإمام أحمد بن حنبل. ولعله يقصد بذلك قراءة حمزة رحمه الله، وإن كانت هي أيضا من قراءات المشهورة والمتواترة من قراءات العشر، لكن عيب عليه رحمه الله المبالغة في مد الحروف، وهكذا أيضا في إضغامها. وقد روي نحو ذلك عن إمام أحمد رحمه الله، قال: وليس ذلك إلا لما يروه. وقد شغف بقراءته عوام الناس وسوقتهم، ليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها وصعوبتها، وطول اختلاف المتعلم إلى المقرئ فيها. فإذا رأوه قد اختلف في أم الكتاب عشرا، وفي آية شهرا، وفي السبع الطوال حولا، ورأوه عند قراءته ما إلى الشدقين، دار الوريدين، راشح الجبين، توهموا أن ذلك لفضله في القراءة وحذقه بها. وليس هكذا كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خيار السلف، ولا التابعين، ولا القراء العالمين، بل كانت سهلة رسلة. ومعنى رسلة يعني هينة، ليس فيها شيء من الصعوبة والشدة. قال: وقال الخلال في الجامع عن أبي عبد الله إنه قال: لا أحب قراءة فلان -يعني هذا الذي أشار إليه من قتيبة- وكرهها كراهية شديدة، وجعل يعجب من قراءته. قال: ولا يعجبني، فإن كان رجل يقبل منك فانهه. وحكى عن ابن المبارك -أو حكي عن ابن المبارك- عن الربيع ابن أنس أنه نهاه عنها. وقال الفضل بن زياد: إن رجلا قال لأبي عبد الله: فما أترك من قراءته؟ قال: الإضغام والكسر الذي الكسر ليس يعرف في لغة من لغات العرب. وسأله عبد الله ابنه عنها، فقال: أكره الكسر الشديد والإضجاع. وقال في موضع آخر: إن يضغم ولم يضجع ذلك الإضجاع فلا بأس به. معنى أنه كره المبالغة في الإضغام إضغام الحروف، وهكذا أيضا مدها. قال: وسأله الحسن محمد بن الحارث: أتكره أن يتعلم الرجل تلك القراءة؟ قال: أكره أشد كراهة، إنما هي قراءة محدثة. وكرهها شديدا حتى غضبا. وروي عنه -وروى عنه ابن سنيد- أنه سئل عنها فقال: أكره وأشد الكراهة. قيل له: ما تكره منها؟ قال: هي قراءة محدثة ما قرى بها أحد. وروى جعفر بن محمد عنه أنه سئل عنها فكرهها، وقال: كره ابن إدريس -وأراه قال- وعبد الرحمن بن مهدي. وقال: ما أدني إيش هذه القراءة؟ ثم قال: وقراءتهم ليست تشبه كلام العرب. وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو صليت خلف من يقرأ بها لأعدت الصلاة. وهذا من المبالغة في إنكارهم وكرهيتهم لها. ونص أحمد رحمه الله على أنه يعيد، وعنه رواية أخرى أنه لا يعيد. والمقصود أن الأئمة كره التنطع والغلوة في النطق بالحرف، فهذا أمر مذموم. التنطع والتكلف في نطق الحروف حتى ربما تجد بعضهم عندما يقرأ يعني يبالغ في إخراج الحروف، حتى تجد فمه يذهب يمينا وشمالا ويتعطف في وجه. وهذا شيء ما كلفه به الشرع. النبي صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن، والصحابة رضي الله عنهم أخذوا القرآن عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأقرأوه التابعين، وأقذت القراءة عنهم. وما عهد عنهم -أو يعني ذكر عنهم- أنهم كانوا يفعلون ذلك أبدا. النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد -يعني ابن مسعود- رضي الله عنه». وما عهد عنه -أو ذكر عنه- يفعل شيء من ذلك. ولما سمع أبي موسى يقرأ، قال: «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود». وما كان يفعل شيء من ذلك. قال: ومن تأمل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم، لأن القرآن أنزل على سبعة أحرف -يعني على سبع لهجات من لهجات العرب- فكل كان يقرأ على لهجته التي نزل بها القرآن. وما كان ينكر بعضهم على بعض، أو ينكر النبي صلى الله عليه وسلم بعض هذه القراءات. وإن كان حصل شيء -أو بين الصحابة رضي الله عنهم- شيء من الإنكار بسبب عدم علمهم بأن هذه القراءة قد قرأ بها النبي عليه الصلاة والسلام، في قصة عمر رضي الله عنه، قال: تبين له أن التنطع والتشدق والوسوس في إخراج الحروف ليس من سنته -أي ليس من سنة النبي عليه الصلاة والسلام- بل كان يقرأ عليه الصلاة والسلام قراءة -يعني سهلة سيرة- ليس فيها شيء من التكلف والتشدق والتنطع في نطق الحروف وإخراجها. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. إلى هنا صلى الله وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.