الدرس في التعليق على الجواب الكافي 176، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع الأول مناقشة بعض القصص والآراء حول العشق والعشاق، ويشكك في صحة بعضها. كما ينتقد بعض الآراء التي تبيح العشق وتعتبره شهادة.
يروي المقطع الثاني قصة عتبة بن الحباب الذي وقع في حب ريا بنت الغطريف السلمية، ويصف كيف ساعد في الوصول إليها وتزويجه منها. يتم ذلك بمساعدة أهل الأنصار.
يناقش المقطع الثالث أحاديث موضوعة حول العشق والزواج، مثل حديث "من عشق وعف فكتم فمات، فهو شهيد". كما يبين ضعفها وعدم صحتها، ويذكر قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش.
يختتم الدرس الحالي ويعلن عن متابعة الدرس في وقت لاحق بإذن الله. يتم ذلك بعد مناقشة المواضيع السابقة المتعلقة بالعشق والزواج.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، وذكرنا في الدرس الذي مضى بعض ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله مما يذكره بعض من يجوز العشق، سواء كان من الظاهرية أو من غيرهم، وما ذكر في ذلك من قصص. ذكرنا أن أكثر هذه القصص مكذوبة. أن قصة عمر بن عبد العزيز كذب، كذلك قصة عروة بن الزبير. قال رحمه الله: قال صاحب كتاب منازل الأحباب، شهاب الدين محمود بن سليمان بن فهد، صاحب كتاب الإنشاء، قال: وقلت في جواب البيتين على قافيتهما، مجيبا للسائل عن السائل الذي قال: عندي جواب مسائل العشاقي، فاسمعه من قرحي الحشى مشتاقي لما سألت عن الهوى هيجتني، ورقت دمعا لم يكن بمراقي إن كان معشوقا يعذب عاشقا، كان المعذب أنعم العشاقي ثم قال هذا المجيب: قل لمن جاء سائلا عن لحاضي، هن يلعبن في دم العشاقي ما على السيف في العدى من جناح، إن ثنى الحد عن دم مهراقي وسيوف اللحاض أولى بأن تصفح، عما جنت على العشاقي إنما كل من قتلنا شهيد، ولهذا يفنى ضنا وهو باق وأما أنه شهيد، فهذا ليس صحيحا. وذكرنا الحديث الذي استدل به محمد بن داود، أو بكر بن داود، من عشق فعف فكتم فمات، مات شهيدا. هذا الحديث هو حديث موضوع. ووهم فيه سويد بن سعيد. وسويد بن سعيد أصابته غفلة الصالحين، ووهم في هذا الحديث، ظنه حديثا. وكان يرويه بإسناد من طريق مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي يحيى الجزار، عن مجاهد، عن ابن عباس، وأخطأ في ذلك. وليس هذا الإسناد صحيحا. والظاهر أنه سمعه من أحد من الناس، فظنه حديثا. ولهذا قلنا: الإمام أبو زكريا يحيى بن معين، لما سمع هذا الحديث أن سويدا يحدث به، قال: لو أن لي رمحا وفرسا، لغزوت سويدا، فإنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالحديث لا يصح. وأيضا النتيجة التي أخذوها من الحديث، غير صحيحة. أن من مات على العشق، يموت شهيدا. لكن الواجب على الإنسان أن يجاهد نفسه. فإن ابتلي بشيء من ذلك، فإنه يبتعد عن الحرام، لأن هذا مضنة الحرام، ووسيلة من وسائل الحرام، إلا من أراد الحلال. قال: ثم ذكر عن أنه ورد على الشيخ الإمام ابن الخطاب، محفوظ بن أحمد الكولداني، شيخ الحنابلة في وقته، صاحب كتاب التمهيد، وهو يعتبر من أئمة المذهب، معنى يعتبر من القضاة في مذهب الحنابلة، يقارن بأبي يعلى القاضي، وهو تلميذ. قال: قل للإمام يب الخطاب مسألة جاءتك، وما خلق سواك لها ماذا على رجل غام الصلاة فمد، لاحت لخاطره ذات الجمال لها عن أنها فتنته وهو ذاهب للصلاة. قال: فأجابه تحت سؤاله: قل للأديب الذي وافى بمسألة، سرة فؤادي لما أن أصغت لها معنى الظاهر أصغت لها بالغين، عندكم بالغينة وبالخاء ها بالغينة وبالصغط رأيت بعض النسخ أصغت أصغت لها، معنى من باب الاصغاء قال: إن الفتاة فتنته، إن التي فتنته عن عبادته، خريدة ذات حسن فانثنى ولها إن تاب ثم قضى عنه عبادته، فرحمة الله تغشى من عصى ولها ولها أنا يقول: أنه إن حصل منه ذلك، فإنه يتوب إلى الله، ويستمر في عبادته. فالله عز وجل رحيم بعباده، فيغفر الله له، ولهذا لم يقصد النظر الحرام، وإنما لاحت له على منظر رآه، أن يتعمد النظر. قال: وقال عبد الله بن معمر القيسي: حججت سنة، ثم دخلت ذات ليلة مسجد المدينة. وبد الله بن معمر، ظاهر أنه قوفي. وهذه القصة لم أجد من رواها بإسناد، الله أعلم. ذكرها الإمام ابن القيم هنا، وتتبعت كتب ما أقول في هذا الباب، مثل كتاب الإمام الجوزي دم الهوى، لأن الإمام ابن القيم أكثر هذه القصة ذكرها من كتاب دم الهوى لابن الجوزي. فلما أجدها وذكرتها امرأة يقال لها زينب بنت علي، في كتاب سمته الدر المنثور في ربات الخدور، أن تأتي بتراجم نساء، تأتي بتراجم نساء منذ صدر الإسلام، بل ترجمت حتى لأم النبي عليه الصلاة والسلام، أن ترجمت للنساء، سمته الدر المنثور في تراجم ربات الخدور، فترجمت لهذه المرأة التي يخال لها ريانة السلمي، فذكرت هذه القصة فيها. وذكرها أيضا الزركلي في الأعلام، لكن كلهم بدون إسناد، والله أعلم بصحة هذه القصة. قال: ونذكرها مثل ما ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله. وقال عبد الله: حججت سنة، ثم دخلت ذات ليلة مسجد المدينة لزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام. أنا دخل المسجد، فالأفضل أن يقول: معنى زرت المسجد، ثم زرت قبر النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فبينما أنا جالس بين القبر والمنبر، إذ سمعت أنينا. فأصغيت إليه، عن أنينا، معنى مثل البكاء. قال: فإذا هو يقول: أشجاك نوح حمائم السدري، فهجنا ملك بلاب للصدري أم عز نومك ذكر غانية، أهدت إليك وساوس الفكر الغانية معنى البنت الغانية، البنت الفاتنة. قال: يا ليلة طالت على دنف، يشك السهادة وقلة الصبر عن أنه ما جاء له نوم، وطالت عليه الليل. قال: أسلمت من تهوى لحر جوى، متوقة كتوقد الجمر فالبدر يشهد أنني كلف، كلف معنى محب، أصل بحب، شبيهة البدر ما كنت أحبني أهيب بها، حتى بليت وكنت لا أدري، معنى بليت بهذه المحبة، وما كنت أتقصد هذا قال: ثم انقطع الصوت، فلم أدري من أين جاء. ثم قال: وإذا به قد عاد البكاء، ولني. ثم أنشد يقول: أشجاك من ريا خيال الزائر، والليل مسود الدوائب عاكر إلى آخره. قال: فأجابني ميت حتف أنفه، وعلمت إن الهوى لهو الهوان قال رحمه الله: أي عبد الله بن معمر. قال: وكنت ذهبت عند ابتدائي بالأبيات، فلم ينتبه إلا وأنا عنده. فرأيت شابا مقتبلا شبابا، قد خرق الدمع في خده خرقين. فسلمت عليه. فقال: من أنت؟ قال: فقلت: عبد الله بن معمر القيسي. قال: لك حاجة؟ قلت: نعم. كنت جالسا في الروضة، فما راعني إلا صوتك. فبنفسي أفديك. فما الذي تجده؟ عن أيش الذي عندك واجعلك تبكي هذا البكاء؟ فقال: أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري. وهذا أيضا غريب. معنى عتبة بن الحباب بن المنذر، صحابي جليل من الأنصار، وهو الذي بعثه النبي عليه الصلاة والسلام إلى بني النضير. وكان من خيرة الأنصار من بني الجموح، وهم من الخزرج. وهذا ابنا له. ولم يذكر في التراجم أن الحباب له ابن يسمى عتبة، والله أعلم. قد يكون لم ينشغل، أو لم يشتغل بالحديث، فلهذا لم تذكر تراجمه، أو لم تذكر ترجمة. وإلا غالبا أبناء الصحابة يذكرونهم، حتى ولو لم يشتغلوا بالحديث. وهذا ما يدل على أن هذا القصة مفتعلة، والله أعلم. قال: أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري، غدوت يوما إلى مسجد الأحزاب، فصليت فيه. مسجد الأحزاب الذي بني في خارج المدينة. فالله أعلم هل يسمى لازال في هذا المسجد الأحزاب. قال: فصليت فيه، ثم اعتزلت غير بعيد. فإذا أنا بنسوة قد أقبلن، يتهادين مثل القطى. القطى طائر جميل جدا. فشبه هذه النسوة به، بالطائر القطى. يقول: أنه صلى، ثم خرج خارج المسجد، فرأى هذه النساء مرا من عنده، يعني لم يتقصد النظر إليهن، لكن مرا من عنده. قال: وإذا في وسطهن جارية بديعة الجمال، والظاهر أن وجهها كان مكشوفا. وغالبا في ذلك الوقت، كن الجواري يكشفن وجوههن، حتى يعرفن أنهن جواري، عن مملوكات. لكن الظاهر أن هذه ليست مملوكة، وإنما هي عربية. وأيضا أبوها كان عربيا، وهي سلمية من بني سليم، فلهذا فهي ليست جارية بمعنى مملوكة. فهنا فتح وجهها غريب، معنى أنها تفتح وجهها، وتمشي، ووجهها مفتوح، هذا غير موجود في زمن التابعين. قال: وإذا في وسطهن جارية بديعة الجمال، كاملة الملاحة. فوقفت علي، وقالت: يا عتبة، ما تقول في وصل من يطلب وصلك؟ قال: ثم تركتني وذهبت، فلم أسمع لها خبرا، ولا قفوت لها أثرا. فأنا حيران أتنقل من مكان إلى آخر. ثم صرخ، وأكب مغشيا عليه. ثم أفاق. قال: كأنما صبغت وجنتاه بورس، عن شدة اصفرار وجنتين. قال: ثم أنشد يقول: أراكم بقلبي من بلاد بعيدة، فيا هل تروني بالفؤاد على بعدي فؤادي وطرفي يأسفان عليكم، وعندكم روحي وذكركم عندي ولست ألذ العيش حتى أراكم، ولو كنت في الفردوس في جنة الخلد وهذا مبالغة، هذا مبالغة، يبالغ بها أولى العشاق. ولا مساواه، ولا أيضا مقارنة بين نعيم الدنيا، أو ما يحصل من الدنيا من اللذة، وبين الآخرة، وما يحصل فيها من اللذة والنعيم. وأيضا كذلك ليس هناك مقارنة بين نساء الدنيا، ونساء الآخرة. وتجد هؤلاء يشبهون نساء الدنيا بنساء الآخرة. وهذا قد يكون من باب التشبيه فقط. فالفرق معروف. وأيضا نساء الدنيا يختلفن عن نساء الآخرة، ونساء الجنة. قال عبد الله بن معمر: فقلت: يا ابن أخي، تب إلى ربك، واستغفره من ذنبك. فبين يديك هول المطلع. أنا الله عز وجل يطلع عليك. فقال: ما أنا بسأل حتى يؤوب القارضان. قال: فلم أزل معه حتى طلع الصباح. فقلت: قم بنا إلى مسجد الأحزاب، فلعل الله أن يكشف كربتك. وقال: أرجو ذلك إن شاء الله، ببركة طاعتك. فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب، فسمعته يقول: يا للرجال ليوم الأربعاء. ثم ذكر إلى أن قال: لو كان يبغي ثوابا، ما أتى صلفا، مضمخا بفتيت المسك مختطبا. قال: ثم جلسنا حتى صلينا الظهر. فإذا بالنسوة قد أقبلن، وليس الجارية فيهن. فوقفنا عليه، وقلنا له: يا عتبة، ما ظنك بطالبة وصلك، وكاشفة بالك؟ قال: وما بالها؟ قلنا: أخذها أبوها، وارتحل بها إلى أرض السماوة. أرض السماوة، هذه أرض كانت بين الحجاز والشام. قال: فسألتهن عن الجارية، فقلنا: هي ريا بنت الغطريف السلمي. فرفع عتبة إليهن رأسه، وقال: خليلي ريا، قد أجد بطورها. وسارت إلى أرض السماوة غيرها. ثم قال: فقلت له: إني قد وردت بمال جزيل، أريد به أهل السطوة. والله لأبدلنه أمامه، حتى تبلغ رضاك، وفوق الرضا. فقم بنا إلى مسجد الأنصار. فقمنا، وصرنا حتى أشرفنا على ملأ منه. فسلمت، فأحسنوا الرد. فقلت: يا أيها الملأ، ما تقولون في عتبة، وابيه؟ قالوا: من سادات العرب. قلت: فإنه قد رمى بداهية من الهوى. وما أريد منكم إلا المساعدة إلى السماوة. فقالوا: سمعا وطاعة. قال: فركبنا، وركب القوم معنا، حتى أشرفنا على منازل بني سليم. فأعلم الغطريف بنا، فخرج مبادرا. فاستقبلنا، عن الغطريف، وأبو ريا، هذه التي هي من بني سليم. قال: وقال: حييتم يا كرام. فقلنا: وأنت فحياك الله. إن لك أضيافا. فقال: نزلتم أكرم منزل. فنادى: يا معشر العبيد، أنزل القوم. قال: فرشوا الأقطاع، والنمارق. وذبحت الدبائح. فقلنا: لسنا بذائق طعامك، حتى تقضي حاجتنا. فقال: وما حاجتكم؟ قال: نخطب عقيلتك الكريمة، لعتبة بن الحباب بن المنذر. قال: أن التي تخطبونها، أمرها إلى نفسها. وأنا أدخل أخبرها. ثم دخل مغضبا على ابنته. فقالت: يا أبتي، ما لي أرى الغضب في وجهك؟ فقال: قد ورد الأمصار يخطبونك مني. فقالت: سادات كرام. واستغفر لهم الرسول صلى الله عليه وسلم. فلمن الخطبة منهم؟ قالت: قال: لعتبة. قالت: والله لقد سمعت عن عتبة هذا، أنه يفي بما وعد، ويدرك إذا قصد. أنا يدرك إذا قصد، أي من قصده، فإنه لا يخذله، بل يقوم معه، ويساعده. أنا يساعد الناس. قال: فقال: أقسمت لا أزوجك إياه أبدا. ولقد نما إلي بعض حديثك معه. أنا أن أبوها قال لها: قد سمعت أنك تكلمت معه. فقالت: ما كان ذلك، ولكن إذا أقسمت، فإن الأنصار لا يردون ردا قبيحا. فأحسن لهم الرد. فقال: بأي شيء؟ قالت: أغلظ عليهم المهر، فإنهم يرجعون، ولا يجيبون. فقال: ما أحسن ما قلتي. فخرج مبادرا عليهم. فقال: إن فتاة الحي قد أجابت، ولكن يريد لها مهر مثلها. فمن القائم به؟ يعني من الذي سيتكفل هذا المهر؟ قال: فقال عبد الله بن معمر: أنا. فقلت: ما شئت. فقال: ألف مثقال من الذهب، ومئة ثوب من الأبراد، وخمسة أكرش من عمر. أنا هذا شيء كبير جدا. فقال عبد الله: لك ذلك كله. فهل أجبت؟ قال: أجل. قال عبد الله: فأنفذت نفرا من الأنصار إلى المدينة، فأتوا بجميع ما طلب. ثم صنعت الوليمة. فأقمنا على ذلك أياما. ثم قال: خذوا فتاتكم، وانصرفوا مصاحبين. قال: ثم حملها في هودج، وجهزها بثلاثين راحلة من المتاع، والتحف. فودعناه، وسرنا حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة، خرج علينا خيل تريد الغارة. أحسبها من سليم. فحمل عليها عتبة. فقتل منهم رجالا، وجرح منهم آخرين. ثم رجع، وبه طعنة تفور دما. فسقط إلى الأرض. وأتانا نجدة، فطردت الخيل عنا. وقد قضى عتبة. معنى جاءتهم نجدة من المدينة، فطردت تلك الخيل. قال: وقد قضى عتبة نحبه، أي مات وقتل. قال: فقلنا: واعتباة. فسمعتنا لتارية. فألقت نفسها عن البعير، وجعلت تصيح بحرقة. وتنشدت: تصبرت لا أني صبرت، وإنما أعلل نفسي أنها بك لاحقة فلو أنصفت روحي لكانت إلى الردى، أمامك من دون البرية سابقا فما أحد بعدي وبعدك منصف خليلا، ولا نفس لنفس موافقة قال: ثم شهقت، وقضت نحبها، معنى سقطت فوقه، وماتت. قال: فاحتفرنا لها قبرا واحدا، معنى هذا يريد أنه بلغ بها المحبة إلى أنها حتى ماتت. قال: ودفناهما فيه. ثم رجعت إلى المدينة، فأقمت سبع سنين. ثم ذهبت إلى الحجاز، ووردت المدينة. فقلت: والله لأتين قبر عتبة أزوره. قال: فأتيت القبر، فإذا عليه شجرة عليها عصائب حمر، وصفر. فقلت لأرباب المنزل: ما يقال لهذه الشجرة؟ قالوا: شجرة العاشقين. ولو لم يكن في العشق من رخصة المخالفة للتشديد، إلا الحديث الوارد. ثم ذكر حديث سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر، عن نبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس، يرفعه: من عشق وعف فكتم فمات، فهو شهيد. تقدم أنه موضوع. ورواه سويد أيضا عن ابن مسهر، عن نشاء بن عروة، عن نبيه، عن عائشة مرفوعا. وهذا أيضا يدل على اضطرابه، أنه يرويه بإسنادين. أحيانا من طريق أبي مسهر، عن أبي يحيى. ورواه أيضا عن عبد العلى بن مسهر، عن هشام بن عروة. وهذا يدل على أنه لم يحفظ الحديث جيدا. قال: ورواه الخطيب عن الأزهري، عن المعافى بن زكريا، عن عطية، عن ابن الفضل، عن أحمد بن مسروق، عنه، أي عن سويد بن سعيد. ورواه الزبير بن بكار، عن عبد العزيز بن ماجشون، عن عبد العزيز بن أبي حاتم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس. وهؤلاء بعضهم يأخذون الحديث، وهم كذبة، معنى مجهولون. فيرون الحديث، ويسقطون من أخذوا. عدم هذا عبد العزيز المكي. والظاهر أنه هو الذي وضع هذا الحديث. فهو الحديث هو حديث سويد بن سعيد. قال: وهذا سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين، نظر إلى زينب بنت جحش رضي الله عنها. فقال: سبحان مقلب القلوب. وكانت تحت زيد بن حارثة، مولاه. فلما هم بطلاقها، قال له: اتق الله، وأمسك عليك زوجك. وهذا أيضا لا يصح. هذا الحديث باطل، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى زينب، وقال: سبحان مقلب القلوب. وزينب تعتبر معنا بالتعم، لكن ليست من بني هاشم، إنما هي مخزومية، أو أقرب من بني مخزوم. فهي ليست من بني عمه، لكنها من قريشية. وأما أنه نظر إليها، فهذا باطل. وهذا من طريق الواقدي، والواقدي لا يعتمد عليه في مثل هذه الأمور. قال: فلما طلق زوجها، الله سبحانه من رسوله، من فوق سبع سماوات. هذه قصة معروفة، أن زيدا لما طلق زينب، الله عز وجل زوج نبيه زينب. وأمره أن يتزوجها، لحكمة منه سبحانه وتعالى، أن الإنسان يتزوج زوجة ولده الذي كان قد تبناه، أو ولد بالتبني، حتى يخرج ذلك من قلوب الناس. ولأنه يجوز أن يتزوج هذا زوجة ولده، أو زوجة مولاه. فتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنها زوجة مولاه. وهذا لأمر الله عز وجل له. وإن تقول: الذي أنعم الله عليه، وأنعمت عليه، أمسك عليك زوجك، واتق الله. وتقفي في نفسك ما الله مضيه، وتخشى الناس. والله حق أن تخشى. وأما ما يذكر هؤلاء، أن النبي صلى الله عليه وسلم كلمها، أو رآها، أو نظر إليها، فهذا كله كذب، لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء من ذلك. قال: وهذا داود نبي الله عليه السلام، كان تحت تسع وتسعين امرأة، ثم حب تلك المرأة، وتزوجها، وأكمل بها المئة. وهذا معنى مما يقال: يغفر الله للإمام ابن القيم رحمه الله. هذه قصة كذبة. أنا لم تذكر عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما ذكرت في قصص بني إسرائيل. وهي قصة كاذبة، فيها اتهام لنبي الله عز وجل داود. فالقصة التي جاءت في القرآن، لم يذكر فيها ما ذكر هؤلاء عن المرأة بالنعجة. أنا لما دخل عليه الرجلان، قال: رجل إن أخي له تسع وتسعون نعجة. ففسرها بعضهم أن النعجة هي المرأة. قال: الزهري: أول حبه كان في الإسلام، حب النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها. وهذا أيضا كلام باطل، ولم يثبت حتى عن الزهري. وهذا أنا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وذكره أيضا الشوكاني في الفوائد المجموعة. ولم يصح يروى عن الزهري رحمه الله. قال: وكان مسروق يسميه حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب عائشة، لكن أنه أول حب في الإسلام، فهذا ليس صحيحا. طيب إن شاء الله نكمل في درس اللاحق.